The news is by your side.

الدرس الثالث والأربعون، المقام الأول

الدرس الثالث والأربعون
المقام الأول: دراسة وجود وعدم الكرامة الذاتية للإنسان – أدلة الكرامة الذاتية للإنسان – الدليل الثاني: الروايات – الروايات المعارضة – الطائفة الثانية والثالثة والرابعة ومعالجتها

20 ذو القعدة 1446 هـ

كان مدار بحثنا حول الأخبار والروايات المعارضة للنصوص الدالة على الكرامة الذاتية للإنسان؛ وبيّنّا سابقاً أن ثمة طوائف متعددة من الأخبار المعارضة قد استُشهد بها في المقام؛ ونقلنا طائفة واحدة منها في الجلسة السابقة وأخضعناها للدراسة والمحاكمة. وتوجد هاهنا طوائف أخرى من الروايات المعارضة للكرامة الذاتية؛ وسنعرض لنقل هذه الطوائف قاطبة، ونظراً لاشتراكها في وجه الإجابة والحل، فسنتصدى للجواب عنها ودفع تعارضها دفعة واحدة بالصناعة.

الطائفة الثانية

تنطوي الطائفة الثانية من الأخبار المعارضة على دلالة تمنع من إطعام الكافر والمخالف وسقيه بالماء.

الرواية الأولى

ما رُوي عن أبي عبد الله (ع) أنه قال: «مَنْ أَشْبَعَ مُؤْمِناً وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ، وَ مَنْ أَشْبَعَ كَافِراً كَانَ حَقّاً عَلَى اللَّهِ أَنْ يَمْلَأَ جَوْفَهُ مِنَ الزَّقُّومِ مُؤْمِناً كَانَ أَوْ كَافِراً». فهذا الخبر صريح بظاهره في حرمة إشباع الكافر وإطعامه؛ فمن أقدم على إشباع الكافر وإطواء جوفه استوجب أن يملأ الله بطنه من الزقوم في نار جهنم يوم القيامة، وسواء أكان ذلك المُطعِم مؤمناً أم كافراً بالصناعة؛ وهو وعيد يقتضي حرمة الإطعام والمنع منه ببالغ الغلظة والشدة.

الرواية الثانية

ما ورد في وسائل الشيعة في ذيل أثر مأثور: «مَنْ أَشْبَعَ عَدُوّاً لَنَا فَقَدْ قَتَلَ وَلِيّاً لَنَا».

الطائفة الثالثة

وتتكفل الطائفة الثالثة من الأخبار ببيان حرمة دفع الزكاة الواجبة للنواصب والزيدية وسائر المخالفين.

الرواية الأولى

ما رُوي عن ضريس قال: «سَأَلَ الْمَدَائِنِيُّ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) فَقَالَ: إِنَّ لَنَا زَكَاةً نُخْرِجُهَا مِنْ أَمْوَالِنَا فَفِي مَنْ نَضَعُهَا؟ فَقَالَ: فِي أَهْلِ وَلَايَتِكَ؛ فَقُلْتُ: إِنِّي فِي بِلَادٍ لَيْسَ فِيهَا أَحَدٌ مِنْ أَوْلِيَائِكَ؟ فَقَالَ: ابْعَثْ بِهَا إِلَى بَلَدِهِمْ تُدْفَعُ إِلَيْهِمْ، وَ لَا تَدْفَعْهَا إِلَى قَوْمٍ إِذَا دَعَوْتَهُمْ غَداً إِلَى أَمْرِكَ لَمْ يُجِيبُوكَ». فالنص يمنع صراحة من إعطاء الزكاة للمخالفين من العامة ويقصر وضعها في الموالين بالذات.

الرواية الثانية

ما رُوي في ذيل جملة من الأخبار الواردة في كتاب الزكاة، وهو قول مأثور عن المعصوم (ع) يصح إدراجه عيناً تحت مساق الطائفة الثانية السالفة لما يشتمل عليه من لسان المنع، كما يندرج تحت طائفة الزكاة هاهنا: «قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع): جُعِلْتُ فِدَاكَ، مَا تَقُولُ فِي الزَّكَاةِ لِمَنْ هِيَ؟ قَالَ: فَقَالَ: هِيَ لِأَصْحَابِكَ؛ قَالَ: قُلْتُ: فَإِنْ فَضَلَ عَنْهُمْ؟ قَالَ: فَأَعِدْ عَلَيْهِمْ؛ قُلْتُ: فَنُعْطِي السُّؤَّالَ مِنْهَا شَيْئاً؟ قَالَ: فَقَالَ: لَا وَ اللَّهِ إِلَّا التُّرَابَ».

الرواية الثالثة

ما رُوي في منع الصدقة على النصاب والمخالفين، ولعل المراد بالصدقة هاهنا هو الزكاة الواجبة عيناً: «عَنْ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الصَّدَقَةِ عَلَى النُّصَّابِ وَ عَلَى الزَّيْدِيةِ؟ فَقَالَ (ع): لَا تَصَدَّقْ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ، وَ لَا تَسْقِهِمْ مِنَ الْمَاءِ إِنِ اسْتَطَعْتَ؛ وَ قَالَ: الزَّيْدِيَّةُ هُمُ النُّصَّابُ». فالنهي عن سقي هؤلاء بالماء يستلزم بالتبع إدراج الخبر تحت الطائفة الثانية السالفة أيضاً بالصناعة.

معالجة الطائفتين الثانية والثالثة

لقد فرغنا حتى الآن من نقل طوائف ثلاث من الأخبار؛ وتصدّينا لدراسة الطائفة الأولى وجوابها في الأبحاث الماضية. وعرضنا في هذه الجلسة لبيان الطائفتين الثانية والثالثة؛ وهما الأخبار المانعة من إطعام الكفار وسقيهم بالماء، والأخبار المانعة من دفع الزكاة للمخالفين، وتلك التي تقصر نصیب المخالفين السائلين على التراب، والرواية الحاظرة لسقي النصاب والزيدية بالماء.

والظاهر يقرر تعارض هذه الطوائف الثلاث مع الأخبار الدالة على الكرامة الذاتية والمشتملة على إباحة بل لزوم إطعام الكفار وسقيهم وإفاضة الصدقات والمعروف عليهم في الجملة. فهل يستقيم الجمع بينهما صناعة أم يمتنع؟

والحق أن وجه الجمع والائتلاف بين الطائفتين والنهي الوارد عن الإطعام والصدقة والسقي وإعطاء الزكاة للمخالفين والنصاب عيناً، يكمن في حمل طائفة المنع والحظر على حالة كون الإطعام والإحسان مستلزماً ومفضياً لتقوية جبهة باطلهم وإعلاء شأن ضلالهم خارجاً بالصناعة. أي مع صرف النظر عن الجهة الإنسانية الصرفة وبغض النظر عن صيرورته تلبية لضرورة طبيعية وعادية للعبد الوجودي، فإن الإحسان هاهنا يؤول لنصرة معسكر الباطل وعونه؛ فحيثما جرى النهي والمنع من إطعام الكافر وسقيه، كان معلولاً لجهة التقوية لمعسكر الكفر والجحود بالذات. وكذا يسير الأمر في حق المخالفين والنصاب عيناً بالصناعة. بينما تحمل طائفة الأخبار والآداب المجوزة والمقررة للبر والإحسان والسقي والصدقة الجارية عيناً على الوقف والإحسان للكفار والمخالفين، على مسار رصد الجهة الإنسانية الصرفة والنزوع العاطفي البشري ليس إلا. فالإنسان بما هو كائن حي مكرّم واجد للاحتياجات الطبيعية للمأكل والمشرب والملبس، يتعين سد خلته ومواساته وإفاضة الصدقات والإحسان إليه خارجاً بمقتضى التكوين والشرع الشريف؛ وقد تظافرت الأخبار والسنن الشريفة الدالة على جواز الإحسان للكفار والمخالفين وسيرتهم حافلة برعاية هذه الشؤون عيناً.

السؤال: …

الأستاذ: تشتمل المسألة على حثين متباينين بالذات؛ فالفعل الواحد تارة يتصف بالجواز والإباحة، وتارة أخرى يحرم ويمنع بالنظر للجهة والعنوان الحاكم خارجاً. فإطعام العبد لغرض سد خلته وحفظ رمقه جائز ومندوب عيناً؛ بيد أن صيرورته سبيلاً لتقوية معسكر الباطل ونصرته يؤول لحرمته بالصناعة عيناً… ومثاله: الكافر القابع في مجتمع المسلمين منفرداً عارياً عن الروابط والصلات بشبكات الكفر المنظمة، ولا يبطن عداءً أو يمارس نشاطاً مناوئاً، بل يكدح في عيشه، فيتعين بموجب هذه السنن رفق التعامل معه وإفاضة البر والإحسان عليه بالذات؛ بل ويصير تركه جائعاً مستوجباً للمقت والملامة. وأما الكافر الموصوف بصلات وشبكات كفرية منظمة تهدف لإفساد عقائد المسلمين وتوهين إيمانهم وزعزعة ركائز دولتهم، فإن إطعامه وإعانته بالمال والسقي يؤول في حقيقته لتقوية جبهة كفرهم وعدوانهم، فينهى عنه شرعاً وقانوناً بالصناعة. فهذا هو الجمع المعتمد؛ والنهي عن سقي الكافر أو منعه من الزكاة والصدقات إنما يطرأ لعروض هذا العنوان الثانوي وعقاباً لهم، ولا يصادم بالذات ركائز كرامتهم التكوينية الذاتية؛ لكون الكرامة تقتضي حيازة الإنسان بمحض إنسانيته لحقوق وضرورات أولية تضمن معاشه وبقاءه، وتلتزم الدولة برعاية حدودها بالذات؛ بيد أن مجافاتها عاقبة المطاف لعدوان وتجاوز طارئ يكون من باب العقاب والحدود الشرعية المقررة بالصناعة.

ويعضد هذا الجمع ويؤيده ذيل أثر مأثور عن المعصوم (ع) يقرر فيه بوضوح: «وَ لَا تُطْعِمْ مَنْ نَصَبَ لِشَيْ‏ءٍ مِنَ الْحَقِّ أَوْ دَعَا إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْبَاطِلِ»؛ فالمنع معلول لنصبه للعداء ودعوته للباطل عيناً بالصناعة. وإضافة لذلك، فإن الوارد في الأخبار هو النهي عن سقي الماء بالخصوص لا مطلق الإطعام؛ كما أن الحظر في أبواب الزكاة قاصر على منع الصدقة الواجبة بالاصطلاح، ولا يستلزم بالتمام حظر الإحسان والصدقة المندوبة بغيرها من الوجوه والسبل التبرعية بالتمام.

ومما يعضد هذا المسلك ويرجحه، ذهاب عمدة من فقهائنا الأعلام لمضمون هذا الجمع في جملة من الأبواب الفقهية؛ ونعرض لبيان بعض عباراتهم بالصناعة:

  1. يقرر المحقق الحلي في المعتبر رده لشرط الإيمان مستدلاً بقوله: «لنا التمسك بإطلاق اللفظ، و الأصل عدم اشتراط ما زاد على المنطوق، و لما روي عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) من قوله: «أعط من وقعت في قلبك الرحمة له»، و قوله (عليه السّلام) «لكل كبد حرى أجر»، و ما روي سدير عن أبي عبد اللّه (عليه السّلام) قلت: أطعم سائلا لا أعرفه مسلما؟ قال: «أعط من لا تعرفه بولاية و لا عداوة للحق و لا تعط من نصب لشي‌ء من الحق أو دعا إلى شي‌ء من الباطل»». فالإطلاقات وعموم الأدلة، والتمسك بأصل عدم الاشتراط، والأثر النبوي الشريف: «لكل كبد حرى أجر»، تنهض قاطبة أدلة لمخالفتهم بالصناعة.

  2. صرّح الشهيد الأول في الدروس عاضداً نفي الاشتراط بالقول: «و يؤيّد عدم الاشتراط عمومات الأخبار كما روي عن النبيّ (صلّى الله عليه و آله): «أعط من وقعت في قلبك الرحمة له» و مثله روي عن أبي عبد الله (عليه السلام) و قوله (صلّى الله عليه و آله): «لكلّ كبد حرّى أجر»».

  3. وفي باب الوقف، صرّح العلامة الحلي في التذكرة بصحة الوقف من المسلم على الذمي بالقول: «وهو الأقوى، لقوله تعالى: لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين؛ (كما في قوله تعالى: «لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ» [الممتحنة: 8])، ولقوله (ع): «لكل كبد حرى أجر»، دلّ على جواز الصّدقة والوقف نوع منها وبه قال الشّافعى».

  4. وصرّح الشهيد الثاني في المسالك بصحة الوقف على أهل الذمة بالقول: «الوقف على أهل الذمة أنفسهم فإنه بذاته لا يستلزم المعصية إذ نفعهم من حيث الحاجة و أنهم عباد الله و من جملة بني آدم المكرمين و من حيث يجوز أن يتولد منهم المسلمون إذ نفعهم لا معصية فيه». فوصفهم بكونهم من جملة بني آدم المكرمين حجة قاطعة على التزامه بالكرامة الذاتية وعموميتها بالصناعة.

  5. وفصّل كاشف الغطاء الوقف على الكنائس والبيع والكتب المنسوبة للكفار بالقول: «من حيث إن رجوعه إلى الكفار كان على جهة محرمة و هي تقوية دينهم و إعلاء كلمتهم فهو منهي عنه و لا يجامع القربة بخلاف الوقف عليهم لإيصال النفع إليهم دنيويا أو أخرويا لأنهم من النفوس التي لا يحرم صلتها لكونها من بني آدم و لكل كبد حرى أجر و من عباد الله تعالى فإنه لا بأس به و لا يستلزم منع هذا فإنه يجوز الوقف على المسلمين و لا يجوز الوقف على لهوهم و بيوت خمورهم و على العصاة منهم لمعصيتهم…». فالمدار يدور مدار جهة الوقف وعنوانه الحاكم بالتمام.

  6. وقرر المحقق الهمداني في مصباح الفقيه صحة الصرف لغير الموالين بالقول: «فهو نظير ما لو دفع إلى المخالف، لا من باب الإعانة و سد الخلّة، بل لقيامه بمصلحة من المصالح كالغزو و حفظ الطرق و سدّ الثغور، و نحوها، فهذا ممّا لا شبهة في جوازه و خروجه‌ عن منصرف الأخبار الناهية عن صرفها إلى غير الموالين، كما لا يخفى على المتأمّل».

  7. وصحّح السيد اليزدي في العروة الوثقى الصدقة والبر بالكافر مطلقاً بالقول: «و الأقوى الجواز مطلقا للعمومات و ما دل على الترغيب في البر و الإحسان و ما ورد من جواز الصدقة على الكافر، مضافا إلى الآية الشريفة لا يَنْهاكُمُ اللّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَ لَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَ تُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ مع عدم دليل على المنع إلّا ما يتخيل من قوله تعالى لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللّهَ وَ رَسُولَهُ…؛ (كما في قوله تعالى: «لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ…» [المجادلة: 22]) ولا دلالة فيه إذ المنع المستفاد منه إنّما هو عن الموادة من حيث كونها محادة لا مطلقا، و لذا لا إشكال في عدم حرمة مجالستهم و محادثتهم و الإحسان إليهم و التعارف معهم، بل ربما يكون راجحا إذا كان موجبا لتأليف قلوبهم و رغبتهم في الإسلام». فالمودة الممنوعة هي المقترنة بوصف المحادة والمشاققة لشرعة الحق؛ وما خلا منها جاز وسوغ بالتمام.

إذن، فمعارضة طائفتي الحظر والمنع لأخبار التكريم والكرامة مندفعة بالجمع العلمي المذكور بالصناعة.

الطائفة الرابعة

وتشتمل الطائفة الرابعة من الأخبار المعارضة على طائفة من الروايات الدالة بظاهرها على كراهة أو حظر التلفظ بالسلام ومباشرة السلام مع الكفار والمخالفين بالصناعة.

الرواية الأولى

قوله (ص) في الخبر الشريف: «لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَ النَّصَارَى بِالسَّلَامِ وَ إِنْ سَلَّمُوا عَلَيْكُمْ فَقُولُوا عَلَيْكُمْ وَ لَا تُصَافِحُوهُمْ وَ لَا تُكَنُّوهُمْ إِلَّا أَنْ تُضْطَرُّوا إِلَى ذَلِكَ». فالكلام ينهى عن بدء أهل الكتاب بالسلام؛ ويأمر بالرد بلفظ «عَلَيْكُمْ» حال بدءهم؛ ويحظر مصافحتهم وتكنيتهم بغير فرض الاضطرار والحاجة بالتمام.

الرواية الثانية

ما رُوي عن أبي القاسم بن قولويه عن الأصبغ قال سمعت علياً (ع) يقول: «سِتَّةٌ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسَلَّمَ عَلَيْهِمْ: الْيَهُودُ، وَ النَّصَارَى…‏». فالكلام يقرر عدم جواز بدء طائفة من الخلق بالسلام عيناً بالصناعة.

معالجة الطائفة الرابعة

وهذه الطائفة الرابعة من الأخبار ممتنعة أيضاً عن المعارضة والمنافاة مع دلالة نصوص الكرامة الذاتية بالصناعة؛ لكون الحظر والنهي المنظور في تضاعيفها قاصراً على منع توجيه رتبة معينة من التكريم والشرف الخاص للمخالف؛ فبدء السلام والتكنية والمصافحة تمثل مراتب رفيعة من المعاملة مخصصة عيناً لأهل الملة والدين لتميزهم بالإيمان؛ ونفي هذه المراتب التفاضلية لا يستلزم بالتمام نفي أصل الكرامة والحرمة الذاتية للإنسان بما هو كذلك. فالقول بتفاوت مستويات وآداب العلاقة والمعاملة بحسب رتب الأشخاص أمر عقلائي وشرعي مطرد ومسلم به بالوجدان. وعليه، فليس في هذه الأخبار معارضة حقيقية لمدعانا؛ ولا سيما بالنظر للحدود والضوابط التي سنقررها لاحقاً لقلمور الكرامة الذاتية بالصناعة.

السؤال: …

الأستاذ: سنعقد مباحث الجلسة المقبلة لتفصيل “دليل الحقوق الطبيعية” وبيان شروطها وحدودها وقلمورها الوجودي؛ وأملنا معقود على تمام هذا البحث واستكماله بالكامل قبل حلول شهر رمضان المبارك بمشيئة الله تبارك وتعالى.