The news is by your side.

الدرس السادس والعشرون، المقام الأول

الدرس السادس والعشرون
المقام الأول: دراسة وجود وعدم الكرامة الذاتية للإنسان – مباني الكرامة الذاتية للإنسان – خلاصة المقام الأول

3 شعبان 1446 هـ

عندما شرعنا في مباحثة هذه القاعدة، وبعد تبيين مفرداتها وتنقيح موضوع البحث بالكامل، قررنا في مطلع المطاف ضرورة البحث في مباني الكرامة الذاتية للإنسان وإخضاع هذه المباني للدراسة والتحقيق العلمي. وكان مقام البحث الأول متمخضاً في دراسة ذات هذه المباني؛ أولاً: في بيان الأمور المذكورة أو التي یمکن ذكرها بوصفها مبدأً للكرامة الذاتية. وثانياً: في بحث المقام الثاني حول ما إذا كانت هذه الأمور صالحة لتأسيس حقوق خاصة بالإنسان أم لا.

خلاصة المقام الأول

لقد شارف بحثنا في المقام الأول على التمام؛ والمقام الأول -كما بيّنّا- كان معنياً ببحث الأمور التي ذُكرت أو يصح طرحها بوصفها مبدأً للكرامة الذاتية للإنسان. وقد قسّمنا هذه الأمور إلى طائفتين؛ وقررنا أن الطائفة الأولى تنطوي على أمور تنهض عليها الشواهد والقرائن لإثبات ذاتية هذه الكرامة للإنسان. وضمنّا هذه الطائفة الأولى ستة موارد عيناً، وهي: العقل، والإرادة والاختيار، وتسخير الموجودات، والفطرة، والعواطف الأخلاقية والإنسانية، وأحسن تقويم. ونبهنا في مطلع المطاف أيضاً إلى أن قبولنا بهذه الأمور الستة كمبادل للكرامة الذاتية لا يعني بالضرورة استقلالها وتمايزها الذاتي بالصناعة؛ إذ مآلها بالتحليل قابل للاندماج والتداخل لترجع إلى أمرين أو ثلاثة لا تزيد. وهنالك اتجاهات متباينة في المقام:

فمنهم من يذهب إلى انحصار مبدأ الكرامة الذاتية للإنسان في ميزة “العقل” دون غيره؛ فالكرامة الواردة في الآية الشريفة: ولقد كرّمنا بني آدم؛ (كما في قوله تعالى: «وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ» [الإسراء: 70])، وما أردفها النص من تسخير ونعم شتى، مرجعها بالتمام إلى نعمة العقل بالصناعة. ولعل صاحب هذا المنزع هو العلامة الطباطبائي؛ حيث صرّح في تفسيره بأن الخصيصة الكبرى والامتياز الأوحد للإنسان في قبال سائر الكائنات هو حيازته لنعمة العقل؛ وبها يستحق وصف التكريم عيناً؛ في قبال التفضيل الذي تشترك فيه العوالم وإن فاقهم الإنسان في كثرة وجوهه. فالإرادة والاختيار، وقدرة الإنسان على إخضاع سائر الكائنات وتسخيرها لخدمته، وسعيه في توفير المسکن والملبس والمأكل وسبل العيش، وقدرته على استثمار مكونات الطبيعة قاطبة لبلوغ مقاصده؛ رائدها ومبدؤها الأصيل هو العقل البشري؛ إذ لا يحوز مخلوق آخر هذا المتسع والمكنة الوجودية. فبالعقل يترتب للإنسان تمييز النافع من الضار، والباطل من الحق، والخير من الشر بالتمام. ورغم أن العلامة لم يتعرض لمعالجة هذه الموارد الخمسة بالتفصيل؛ لجهة بيان رجوع أحسن تقویم أو الفطرة للعقل صراحة، إلا أن لسان كلماته صريح في أن عمدة الخصائص والمزايا المعبرة عن التكريم والثابتة لعموم البشر هي نعمة العقل عيناً.

السؤال: …

الأستاذ: لقد سجل بعض المحققين هذا الإشكال عيناً على كلام العلامة؛ بيد أنه غير وارد في ميزان التحقيق والصناعة؛ لكون العقل بهذا المفهوم والحد يختص بالإنسان ولا يشاركه فيه كائن آخر بحال… إذ إن حقيقة كشف المجهول مفقودة في غير الإنسان بالتمام. والملائكة قد خُلقوا على مقتضى الفعلية المحضة عيناً… فليس للقوة والاستعداد سبيل في كينونتهم؛ فهم عقول مجردة بالفعل، ويمتنع اتصافهم بالقدرة على كشف المجهول والتحليل والتفكير الذهني المتعارف بالذات؛ فلا يستقيم لهم هذا المعنى. ومن ثم، فالعقل بهذا المفهوم ميزة يتفرد بها الإنسان دون سائر الكائنات.

وقد ارتضى هذا المسلك عمدة من الأكابر؛ ويظهر من طيات كلمات الإمام الخميني (قده) تارة أن الملاك الأوحد لتفوق الإنسان على سائر المخلوقات هو العقل؛ وإن أشار في مواضع أخرى إلى نفخ الروح الإلهي وجعله مبدأً لسجود الملائكة للإنسان؛ وتارة أخرى يرجع الفضل لمقام الخلافة الإلهية بالذات. وتعدد الحيثيات يقتضي التعدد بالتبع؛ وبطبيعة الحال لسنا بصدد البحث عن مدى پيوند وارتباط سجود الملائكة ونفخ الروح أو الخلافة بمرتبة العقل هاهنا. وبناءً على ما أسلفناه في تفصيل هذه الموارد الستة المصنفة ضمن الطائفة الأولى، فإن قسماً من العلماء يقتصر على مورد أو موردين ويرجع سائر الخصال إليهما بالصناعة. وتلاحظون خلو الطائفة الأولى في مسلكنا من ذكر موارد السجود، والخلافة، ونفخ الروح، والأمانة بالتمام؛ لكوننا اعتمدنا تفكيك الطائفتين بناءً على مبرر صناعي واضح؛ ومفاده حيازة موارد الطائفة الأولى الستة لخصائص وميزات تؤهلها للاتصاف بالكرامة الذاتية دون ريب. فالعقل بأحد معنييه السالفين لا يراد به العقل المجرد المبرأ من شوائب الأوهام والكدورات الذي يفتقر إليه عمدة البشر؛ بل العقل بوصفه القوة المكتشفة للمجهول والمدركة للمعلوم، الثابتة لعموم البشر كافراً ومسلماً على السواء. وكذا العواطف الأخلاقية والفطرة الإلهية وأحسن تقويم؛ فخلق البشر روحاً وجسداً مستقر في الذروة العليا من الجمال والنظام الصنعي. فحيازتهم للعقل والفطرة والعواطف يؤول بمجموعه لتشكل حقيقة أحسن تقويم؛ وتحول هذا الحسن عاقبة المطاف لقبح وعصيان بحث آخر مستأنف؛ غير أن أصل الميزة تكريماً ثابتاً للإنسان دون سائر الكائنات بالصناعة. وكذا قررنا الفطرة عامة للبشر مسلمهم وكافرهم؛ ولذا تجدون دعوة الأنبياء والأولیاء متجهة دوماً للتذكير بنداء الفطرة المكنون، وتشريع الأحكام مبنياً على مطابقة الفطرة الإنسانية وملاءمتها بالتمام؛ فكان سعي الأنبياء منحصراً في تنبيه الإنسان وإيقاظ غفلته ولفت نظره لندائه الباطني عيناً. فهذه الأمور متحققة بالفعل في كينونة الإنسان.

وخصائص الكرامة الذاتية متوفرة بالتمام في موارد هذه الطائفة الأولى؛ لكون الإنسان يتصف بها بما هو إنسان؛ وهي ممتنعة عن السلب والانتفاء بالذات. ونحن نقرر هذا التلازم بالنظر لنوع الإنسان لا لشخصه عيناً؛ فلا يسوغ نقض البحث بحصول الجنون لبعض الأفراد أو انتفاء العقل عند آخرين بالذات. وهي ممتنعة عن التغيير والتبديل الجوهري بسلبها واستبدال غيرها بها بالصناعة. وكونها حقيقة تشكيكية في نفسها لا يضر بذاتيتها؛ فقد يقدح البعض بالقول إن التشكيك يحول دون ذاتية الكرامة بالتمام؛ لكون الاتصاف بصفة كالجود يظهر تفاوتاً بین الأفراد رتبةً ونقصاً. وهو تفاوت يصدق في مرتبة العواطف الأخلاقية والعقل أيضاً رتبةً وسعةً. غير أن تفصيل تمايز الكرامة الذاتية عن الاكتسابية مستقر في وجوه ثلاثة سلف بيانها؛ وعمدتها اتصاف ذات الإنسان بالكرامة بما هو إنسان. وهي ممتنعة عن السلب والتحول عيناً؛ وهذه الخصائص ملموسة في الموارد المذكورة بالتمام. وسواء صرنا لإرجاعها لأصل واحد أو أصلين، أو أبقيناها على استقلالها الستة، فإن ثبوتها في وجود الإنسان فعلي قائم بالفعل. فالكلام ناءٍ عن مسار الاستعداد والقوة؛ لكون البشر حائزين لها ابتداءً دون افتقار للسعي والاكتساب لتحصيلها بالذات.

وأما الطائفة الثانية التي تضم خمسة موارد، وهي: نفخ الروح الإلهي، والخلافة الإلهية، والأمانة الإلهية، وعلم الأسماء بالتحقيق العرفاني، وكونه مسجوداً للملائكة؛ فقد قررنا امتناع ثبوتها للإنسان بمعزل عن الإيمان؛ فلا تشمل كافراً أو جاحداً؛ ويمتنع القول بخلافة الكافر والظالم للباري سبحانه، أو كونه مسجوداً للملائكة، أو حاملاً للأمانة بالفعل؛ فليس للأمانة ثبوت فعلي مستقر على عاتقه عاجلاً بالصناعة.

فهذه الموارد خارجة عن ذات الكينونة الإنسانية ابتداءً؛ ولذا اعتمدنا تفكيكها عن الطائفة الأولى خلافاً للاتجاهين السالفين في الباب. فنحن نذهب لكون العبد يحوز استعداد وقابلية الخلافة الإلهية، والأمانة، ومسجودية الملائكة، وتجلي الأسماء في وجوده… فقوله تعالى بنفخ الروح يؤول لحيازته الأهلية والوعاء لتجلي الروح الإلهي في وجوده بالعمل؛ ويمتنع بالوجدان وصف شمر بن ذي الجوشن أو يزيد بن معاوية أو نتانياهو بالخلافة الإلهية والمسجودية للملائكة، أو القول بحلول الروح الإلهي في وجودهم بالتمام. بل غاية ما في الباب حيازتهم لاستعداد وقابلية ترقيهم لنيل ذرى هذه الكمالات والكرامات بالاكتساب والعمل. ولذا صرنا إلى كون موارد الطائفة الثانية كرامات اكتسابية بالصناعة، وقررنا موارد الطائفة الأولى كرامات ذاتية عيناً. وهذا هو تفصيل مذهبنا في الباب.

وفي قبال هذا المسلك، تبرز وجهتا نظر أخريان أشرنا إليهما في مطلع البحث:

الرأي الأول: يذهب لعدم صلاحية هذه الموارد الأحد عشر لإثبات الكرامة الذاتية للإنسان أصلاً؛ فینفي أتباع هذا المسلك وجود كرامة ذاتية للإنسان بالكلية، ويصيّرونها كرامة استعدادية أو اقتضائية فحسب؛ بمعنى حيازته لأهلية كسب المقامات ونيل الدرجات العالية بالعمل؛ فلا وجود لكرامة ذاتية مستقرة عندهم بالذات. ويظهر هذا المعنى من طيات عبارات ثلة من الأكابر؛ كآية الله جوادي آملي، ومحقق المصباح اليزدي؛ وبعض كلمات الشهيد مطهري؛ لكون الأخير يبسط الكلام في مقامات متعددة بكيفيات متباينة يمتنع معها استخلاص رأي واحد مستقر له في الباب؛ فتارة يقرر ذاتية الكرامة بجهات معينة، وأخرى يصرح بانتفاء القيمة والشرف للإنسان من دون الإيمان بالكامل.

الرأي الثاني: يذهب لكون الموارد الأحد عشر بأسرها كرامات ذاتية للإنسان؛ فلا يفرق بین موارد الطائفة الأولى والثانية بالصناعة. فيضع العقل والفطرة والعواطف والإرادة في رتبة واحدة مع الخلافة وعلم الأسماء ومسجودية الملائكة، ويصيّرها قاطبة كرامات ذاتية ثابتة للإنسان. ومستندهم في ذلك أن مجرد حيازة العبد لاستعداد وقابلية الخلافة والمسجودية يمثل ميزة وامتيازاً وجودياً تفتقر إليه سائر الكائنات؛ فبهذا المنظار أدرجوا الموارد قاطبة في عداد الكرامة الذاتية.

غير أن هذا المسلك غير تام بالصناعة عندنا؛ ويتعين التفكيك والفرز بين الطائفتين بموجب ما أسلفناه من تفصيل علمي. ونحن نرى الموارد الستة (دون اصرار على حصرها في العدد ستة لكونها قابلة للدمج في أصلين أو ثلاثة) كرامات ذاتية ثابتة للبشر قاطبة عيناً؛ وثبوتها الفعلي في كينونة الكافر والمسلم مقطوع به بالوجدان بموجب الشواهد المقررة في محالها.

بيد أن هناك نكتة هامة ينبغي التذكير بها هاهنا؛ ومفادها حصول النقض في بعض الموارد كالفطرة والعواطف الإنسانية بملاحظة عروض الانطفاء والخماد التام للفطرة والعواطف عند طائفة من السفاكين والمجرمين من البشر. فلو کانت ذاتية لامتنع زوالها وانطفاؤها بالذات؛ لكون خصائص الكرامة الذاتية تقتضي امتناع السلب والتحول والاختيار في ثبوتها؛ وهذه الخصائص مفقودة عند هؤلاء الأفراد بالوجدان.

وقد أجبنا عن هذا النقض في موضعه بكون الفطرة كامنة في جبلة البشر قاطبة، وهي المرتكز والركن الركين لدعوة الأنبياء قاطبة؛ فمقامهم بوصفهم “مذكرين” منبثق من استنادهم لهذا النداء الباطني عيناً. والرسائل الموجهة لأئمة الكفر ومحاجة موسى (ع) لفرعون وخطابات النبي (ص) لكسرى وقيصر تدور في فلك إيقاظ هذا النداء الكامن والفطرة المستورة؛ فالجميع يحوز الفطرة بالتمام عيناً. وعروض الحجب والصدأ والرين على الفطرة لا يؤول لموتها وعدمها بالكلية؛ ولذا تجدون غلبة الحسرة والندم والتقريع الباطني تحيط بالعبد ولو في اللحظات الأخيرة من عمره بالوجدان. وكذا الشأن يسير في العواطف الأخلاقية؛ فرغم اقتراف الطغاة لأبشع المجازر إلا أن عذاب الوجدان والتقريع الداخلي يحيط بهم ولا يبارح نفوسهم عيناً. فهي حقائق فعلية متحققة ثبوتاً.

ومن ثم، فموارد الطائفة الأولى تنهض كرامة ذاتية حقيقية للإنسان بما هو إنسان، وهبها الباري سبحانه للبشر قاطبة دون مشارك في النشأة الوجودية بالتمام. وأما موارد الطائفة الثانية فهي استعدادات وطاقات وهبها الحق للعبد ليستثمرها في كسب الكرامات ونيل مقام الخلافة، وحمل الأمانة، ومسجودية الملائكة، وتجلي الأسماء الإلهية في وجوده؛ فلا وجود لفعليتها في عموم البشر ابتداءً؛ وحال إرجاع نفخ الروح للفطرة فمآله معلوم بالصناعة؛ وحال إرادة تجلي الأسماء والصفات فالأمر صريح عيناً؛ وكذا الشأن في علم الأسماء. وعليه فالطائفة الثانية ممتنعة بالتمام عن تأسيس ملاك الكرامة الذاتية بالذات. وهذا القول يمثل تفصيلاً علمياً نرتضيه في قبال القولين السالفين في الباب.

السؤال: …

الأستاذ: ذهب فريق لنفي هذه الأمور قاطبة جملة وتفصيلاً؛ وتصدى فريق آخر لقبولها برمتها على السواء؛ وصار مسلكنا للتفصيل بينهما بقبول بعضها وركن بعضها الآخر بالدقة والصناعة العلمية.

بحث الجلسة المقبلة

وننتقل الآن لولوج معترك البحث في المقام الثاني؛ والمقام الثاني يتصف بأهمية بالغة بالصناعة؛ ومفاده: بعد ثبوت وتأسيس الكرامة الذاتية للإنسان، هل تصلح هذه الكرامة لتكون مبدأً ومنشأً لتفرع حقوق خاصة للإنسان عيناً أم لا؟ وهنا تظهر الثمرة الحقيقية للمطلب وجدواها العملية بالذات. وكما أسلفنا في مطلع المباحثة، فإن مدار البحث يدور في هذين المقامين؛ وهذا المقام الثاني على جانب عظيم من الأهمية الفقهية والأصولية. فلو حاز الإنسان عاطفة وعقلاً وإرادة وحرية اختيار، فهل يترتب على هذا الاتصاف ثبوت حقوق خاصة للإنسان بالصناعة؟ وهل تؤسس هذه الكرامة الموهوبة لحق فريد متميز يتجاوز دائرة الحقوق الوضعية ليصير حقاً طبيعياً بالذات؟ ويتعين علينا بسط الكلام في حقيقة “الحقوق الطبيعية” ومعالمها الفقهية في الجلسة المقبلة بمشيئة الله تبارك وتعالى.