The news is by your side.

الدرس الحادي والعشرون، المقام الأول

الدرس الحادي والعشرون
المقام الأول: دراسة وجود وعدم الكرامة الذاتية للإنسان – مباني الكرامة الذاتية للإنسان – الطائفة الثانية: 2. الخلافة الإلهية – احتمالات أربعة في المستخلَف عنه – متعلق الخلافة – الخلافة الإلهية كرامة اكتسابية لا ذاتية – الشواهد

5 رجب 1446 هـ

كان البحث في الطائفة الثانية من الأمور التي يمكن دراستها ومحاكمتها بوصفها مبدأً للكرامة الذاتية للإنسان. وقد عرضنا في الجلسة السابقة لبيان أمر واحد من هذه الطائفة، وهو نفخ الروح الإلهي في الإنسان؛ وخلصنا في خاتمة المطاف إلى انتفاء صلاحية هذا الأمر ليكون مبدأً تؤسس عليه الكرامة الذاتية للإنسان.

2. الخلافة الإلهية

والأمر الثاني من هذه الطائفة هو الخلافة الإلهية؛ حيث أشارت آيات متعددة في الذكر الحكيم إلى مسألة الخلافة الإلهية للإنسان، وأنه تبارك وتعالى قد جعل الإنسان خليفة في الأرض؛ كما في قوله تعالى: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة قالوا أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك قال إني أعلم ما لا تعلمون؛ (كما في قوله تعالى: «…إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ» [البقرة: 30]). فمسألة الخلافة الإلهية للإنسان ثابتة بآيات متعددة لا يتطرق إليها الريب؛ ومنها الآيات الشريفة التي استعملت لفظ الخلافة بالإفراد (خليفة) أو بالجمع (خلائف)؛ كالآية التي تلوناها آنفاً، وكذا قوله تعالى في سورة فاطر: هو الذي جعلكم خلائف في الأرض؛ (كما في قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ» [فاطر: 39]). ونظير هذه الآية ورد بصيغة الجمع في سورة الأنعام الآية 165، وفي سورة يونس الآية 14.

وبالجملة، فقد نُصب الإنسان خليفة في الأرض بموجب قوله تعالى: «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً». غير أن جعل الخلافة هاهنا ليس أمراً تكوينياً بالذات؛ إذ قوله تبارك وتعالى: إني جعلت الإنسان خليفة، يفيد معنى النصب والتعيين ليكون نائباً وجانشیناً عن الذات الإلهية، لا أن نوع الإنسان يتصف بالخلافة تكويناً وجبلة. وهذا المطلب يفتقر إلى مزيد تبيين سنعرض له لاحقاً.

وينبغي لنا أولاً تحقيق هوية “المستخلَف عنه” ومن يكون الإنسان خليفة عنه، وثانياً بيان متعلق الخلافة وموردها؛ إذ الخلافة تعني النيابة والجانشينية، والنيابة تارة تقع في شؤون وأمور شتى، وأخرى تكون من قِبل أشخاص متعددين. وبناءً على هذا، يثور هاهنا بحثان في حقيقة الخلافة؛ ومتى ما تبيّن وجه الحق فيهما، تعين علينا الانتقال لبحث كونها كرامة أولاً، وكون هذه الكرامة ذاتية أو اكتسابية ثانياً؛ وعليه تنحصر المسألة في مقامات أربعة هاهنا.

احتمالات أربعة في المستخلَف عنه

يمكن تصوير أربعة احتمالات أو أنظار حظيت بمؤيدين في كلمات المفسرين حول من تنوب عنه هذه الخلافة ويقع الإنسان خليفة له:

الاحتمال الأول

أن يكون الإنسان خليفة ونائباً عن الملائكة أو الجن؛ بمعنى أن الله جعل الإنسان خلفاً وخليفة للجن الذين كانوا يعمرون الأرض قبل خلق آدم، وكان من شأنهم الفساد وسفك الدماء، وهو ما استوجب تذكير الملائكة وعرضهم للاستفهام بـ: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؛ (كما في قوله تعالى: «أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ…» [البقرة: 30]). غير أن القول بكون الملائكة هم المستخلَف عنهم مستبعد جداً؛ نظراً لكون الفساد وسفك الدماء لا يُنسب إليهم ولا يتصور في حقهم لكونهم معصومين مطهرين.

دراسة الاحتمال الأول

وهذا الاحتمال مردود صناعة؛ نظراً لجهتين:

أولاً: إن طبيعة الملائكة تأبى السكون والاستقرار في الأرض بالذات؛ لكون الملائكة مجردات منزهة عن المادة، وطبيعة الحياة المادية الأرضية تباين مقتضيات الأرواح المجردة؛ فلا يستقيم معنى لسکنی الملائكة في الأرض ثم استخلاف الإنسان عنهم فيها.

ثانياً: إن الجن وإن كانت تتهيأ لهم أسباب العيش في النشأة الأرضية والمادية، إلا أن مقتضيات خلقهم وتركيبهم الوجودي لا تتطابق تمام الانطباق مع الطبيعة المادية المحضة. ومن ثم تأبى الروايات وظواهر بعض الآيات الملازمة لهذا الاحتمال.

الاحتمال الثاني

الاحتمال الثاني يقرر وجود مخلوقات أخرى سكنت الأرض وعمرتها قبل خلق الإنسان، وكانت تتصف بالفساد وسفك الدماء، فأخبر الباري عز وجل بجعل الإنسان خلفاً وجانشیناً لهم.

دراسة الاحتمال الثاني

وهذا الوجه لا ينهض عليه مؤيد تفرعاً، كما لا يتلاءم مع سياق الآيات الشريفة ونظمها.

الاحتمال الثالث

أن يكون الإنسان خليفة لبشر آخرين سكنوا هذا الكوكب الأرضي وعمروه قبل نشأة نسل آدم، وكان من شأنهم الإفساد وسفك الدماء؛ فجاء استفهام الملائكة تالياً ومستنداً إلى سابق معرفتهم بما اقترفته الطائفة السابقة من البشر. وهذا الاحتمال مسجل في جملة من الكلمات والكتب التفسيرية، وربما تؤيده طائفة من الأخبار والروايات؛ وقد أشار إليه ثلة من الأكابر كشيخ الطائفة الطوسي في “التبيان” وأمین الإسلام الطبرسي في “مجمع البيان”.

دراسة الاحتمال الثالث

وهذا الوجه مردود بالنظر إلى القرائن والشواهد المحيطة بذات الآية الشريفة (والتی سنشیر إليها لاحقاً)، ولم يرتضه إلا قلة من المفسرين، بينما انصرف السواد الأعظم إلى الاحتمال الرابع.

الاحتمال الرابع

وهو الاحتمال المشهور المستقر في كلمات مفسري الفريقين (الشيعة والسنة)، ومفاده: أن الإنسان خليفة عن الله سبحانه وجانشین له في الأرض؛ فقوله تعالى: «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» يؤول بالدقة لمعنى: إني واضع جانشیناً ونائباً عني في ملكي وأرضي. وقد نُقل هذا الوجه عن ابن مسعود وهو من أوائل المفسرين، ثم استقر القول به في جل تفاسير الفريقين؛ وتؤيده طائفة مستفيضة من الأخبار والروايات في الباب. ومن ذلك ما صرّح به صاحب “مجمع البيان” بقوله: «أراد بالخلیفة آدم (ع) فهو خلیفة الله في أرضه»، فآدم هو خليفة الله في أرضه.

دراسة الاحتمال الرابع

وكما أسلفنا، فإن هذا الوجه هو المتلقى بالقبول عند الأغلبية الساحقة من المفسرين، وتنهض عليه شواهد متعددة في سياق ذات الآية وآيات أخرى، فضلاً عن الروايات الشريفة؛ ومنها:

  1. إن الله تبارك وتعالى لما قال: «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً»، واجهته الملائكة بالقول: ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك؛ (كما في قوله تعالى: «…وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ…» [البقرة: 30])؛ فكأنهم يعرضون بديل الخلافة قائلين: أتجعل خليفة ونائباً عنك من يتصف بالفساد وسفك الدماء، في حين نقوم نحن بتقديرك وحمدك والثناء عليك؟ فهذا الفهم المنقدح في أذهان الملائكة وخطابهم للباري شاهد ومؤيد جلي على أن مسار البحث يدور مدار “الخلافة الإلهية” والنيابة عن الذات القدسية؛ إذ أرادوا بيان قربهم واستحقاقهم لهذه المنزلة العالية في قبال الكائن الأرضي المتصف بالفساد والدموية بالنظر لطبيعته المادية.

  2. ما جاء في جواب الباري جل وعلا لخطابهم وتساؤلهم بقوله: وعلم آدم الأسماء كلها؛ (كما في قوله تعالى: «وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا» [البقرة: 31])، ثم قال: إني أعلم ما لا تعلمون؛ (كما في قوله تعالى: «…إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ» [البقرة: 30]). فهذا التعليم الإلهي لآدم جاء في معرض دفع الشبهة المثارة من الملائكة وإبطال توهمهم؛ فكأن الملائكة لما قالوا إننا نقوم بحمدك وتقديسك فما وجه استخلاف غيرنا، أجابهم الحق سبحانه بتعليم آدم الأسماء كلها وبأني أعلم ما خفي عن علمكم. وهذا ناظر بدقة إلى الخصائص الذاتية والكمالات المودعة في طينة الإنسان وقابليته لحیازة معارف وأسرار تؤهله لمرتبة الخلافة الإلهية في الأرض بالصناعة.

إذن، مقتضى قوله تعالى: «إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» هو جعل الخلافة للإنسان بوصفها خلافة إلهية ونيابة عن الله في ملكه وأرضه. فالإنسان خليفة عن الله سبحانه، وليس خليفة عن سائر الموجودات من جن وملائكة وبشر سالفين، وهو ما ثبت بمقتضى القرائن السياقية والأخبار المأثورة في ذيل الآية الشريفة.

السؤال: …

الأستاذ: الإنسان هو خليفة الله… وقد بيّنا في مطلع البحث ورود أسئلة متعددة تجب الإجابة عنها؛ أولها: من هو المستخلف عنه؟ وأجبنا عنه بكونه الذات الإلهية تبارك وتعالى.

متعلق الخلافة

وما حقيقة هذه الخلافة والنيابة؟ أو بتعبير صناعي: ما هو متعلق الخلافة وبمَ تتقوم؟ بالنظر إلى اتصاف الباري جل وعلا بالخير المطلق وكونه منبع الكمالات ومبدأ الفيوضات ومفيض الوجود؛ فإنه بمقتضى ضرورة السنخية والمناسبة المفترضة بين الخليفة والمستخلَف عنه، يتعين اتصاف الخليفة والنائب بصفات المستخلَف عنه وخصائصه بالقدر الممكن للوجود الإمكاني. وسواء صرنا إلى كون الأسماء والصفات الإلهية ألفاً أو تزيد، أو حصرناها في نيف وثلاثين صفة (على الخلاف المقرر في محله)، فإن مقتضى استخلاف الإنسان عن الله هو جانشینیه في هذه الشؤون والأسماء والصفات بالتبع. ومن ثم يقرر العرفاء والأصوليون أن الإنسان الكامل هو المجلى والظاهر للأسماء والصفات الإلهية قاطبة. ورغم امتناع وصول المخلوق إلى كنه الذات الأحدية واستحالة كشف حقيقتها عيناً، إلا أن الاتصاف بجمالها وجلالها ميسور للوجود الإمكاني بفيض الجود الإلهي؛ فيتحقق للإنسان الاتصاف بالكرم والجود، والرحمة والعفو، والصفح والسخاء، والعلم والقدرة، والانتقام والغيرة؛ أي يتجلى بالأسماء والصفات الإلهية على قدر سعته الوجودية؛ فمتى بلغ المكلف هذه الرتبة صار خليفة لله بحق. ولست بصدد معالجة مسألة القوة والفعلية هاهنا… وإنما السؤال المثار يدور في فلك حقيقة الخلافة ومتعلقها؛ والجواب يكمن في كون هذه الخلافة واقعة في حدود الوجود الإمكاني مستوعبة للأسماء والصفات الإلهية قاطبة عدا الاسم الأعظم المأثور الذي استأثر الله به في علم الغيب عنده.

الخلافة الإلهية كرامة اكتسابية لا ذاتية

وهل يعد هذا شرفاً وكرامة للإنسان بالصناعة؟ لا ريب في كونه كرامة شريفة؛ فتنصيب الإنسان من قِبل الباري سبحانه مقطوع بكونه تشريفاً وتكريماً عظيماً؛ إذ تنصيب شخص في مقام النيابة والجانشينية حجة على عظم شأنه ومقامه ومنزلته عند المستخلِف. وتفرّد الإنسان بالاستخلاف عن الله من بين سائر المخلوقات وبأمر صادر منه تعالى دليل قاطع على عظم التشريف وجلالة التكريم؛ بموجب قوله تعالى: هو الذي جعلكم خلائف في الأرض؛ (كما في قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ» [فاطر: 39]). فهذا المطلب من الجلاء والوضوح بمكان بحيث لا نفتقر لإقامة المزيد من الأدلة لإثباته.

بيد أن معترك البحث يدور في فلك المحور الرابع: هل هذه الكرامة ذاتية ثابتة للإنسان بما هو إنسان، أم أنها كرامة اكتسابية؟ فالأقسام الثلاثة السالفة متفق عليها ولا خلاف يذكر فيها؛ لكون منزلة الخلافة كرامة بلا شك، وتنصيب الإنسان لها من لدن الحق أمر مسلم به عيناً. وينصب البحث فعلاً حول ذاتية هذه الكرامة أو اكتسابيتها؛ فهل يتصف البشر قاطبة بالفعلية في مقام الخلافة الإلهية، أم أنهم واجدون لأهليتها فحسب؟ يظهر بالدقة أن الخلافة الإلهية تندرج ضمن الكرامات الاكتسابية للإنسان، وليست من الكرامة الذاتية في شيء.

ولنستذكر أولاً معنى الكرامة الاكتسابية قبل التعرض للشواهد والقرائن الدالة عليها.

إن مفاد قوله تبارك وتعالى بتنصيب الإنسان في مقام الخلافة وجعله خليفة في الأرض، يؤول لعلو كعب الإنسان بما هو إنسان وحيازته لخصائص وأهليات تمكنه من الرقي لنيل مقام الخلافة بالاستعداد والقوة، لا اتصافه بالفعلية في هذا مقام ابتداءً. فمتى استثمر الإنسان هذه الوجيبة والطاقة المكنونة، وسلك طريق الطاعة والعمل بمقتضى الإرادة والاختيار والعمل الصالح طبقاً لتعاليم الأنبياء والرسل، بلغ منزلة الخلافة الإلهية فعلاً. وتتفاوت رتب الخلافة بتفاوت الالتزام بالشرائع الإلهية، وعظم الهمة والسعي، وإرادة تفعيل هذا الاستعداد الكامن. ولما كانت هذه المرتبة مفتقرة لاتباع خارطة الطريق وسلوك المقصد بإرادة وعمل، صرنا إلى كونها كرامة اكتسابية. فلا يسوغ القول باتصاف كل من صدق عليه عنوان الإنسان بالخلافة بالفعل؛ فهل يصح مساواة المؤمن المخلص بمن يقيم في أقصى الأرض جاحداً لوجود الصانع منكراً للرسالات في مقام الخلافة؟ وهل يتصف السفاكون والقتلة والمفسدون بالنيابة عن الله والجانشينية له؟ يمتنع بالوجدان والصناعة القول بخلافة هؤلاء السفاكين المفسدين لله؛ فكيف يتصف بالخلافة من تباعد عن ساحة الحق وعاداها وناصبها العداء؟ فالخليفة يجب أن يتسم بالسنخية والمناسبة مع المستخلِف عنه.

ولکن البشر قاطبة يحوزون القابلية والاستعداد لسلوك هذا الطريق مستعينين برأس مال الفطرة، والنزوع الباطني نحو الكمال المطلق، ومجاهدة الأهواء النفسية، مستضيئين بنور العقل والفكر وبإرشاد الأنبياء والأولياء للوصول إلى منبع الكمال المطلق. فرأس المال الداخلي والخارجي مهيأ للإنسان لبلوغ هذا المقصد؛ فالمقصد معلوم، والوسائل مبذولة، والاستعداد حاصل بالتمام.

الشواهد

وقد أسلفنا انتفاء كون هذه الكرامة ذاتية، وثبوت كونها استعداداً وقابلية لا فعلية متحققة؛ وهو ما تنهض لإثباته ذات الآيات الشريفة بموجب الشواهد الآتية:

الشاهد الأول

ما ورد في سورة الأنعام الآية 165، حيث عَقّب الحق سبحانه على ذکر الخلافة بالإشارة إلى الابتلاء والتفاوت في الدرجات والمقامات بقوله: ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم؛ (كما في قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ…» [الأنعام: 165]). فهذا الابتلاء والامتحان الإلهي الوارد في سياق الخلافة حجة واضحة على انتفاء تكوينية الخلافة؛ فلولا كون الخلافة معلقة على العمل والابتلاء لما استقام التفاوت والامتحان بالذات، ولكان شأنها كشورية الملح تكويناً وجبلة. فالأمر يدور في فلك الاكتساب والعمل، وبموجبه يترقى المكلف في الدرجات، وهو ما ينطق به ظاهر الآية من الابتلاء والتفاضل.

وتؤید ذلك رواية منقولة في ذيل الآية عن الإمام الصادق (ع) يقرر فيها: «لَا نَقُولُ دَرَجَةً وَاحِدَةً، إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ دَرَجَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ، إِنَّمَا تَفَاضَلَ الْقَوْمُ بِالْأَعْمَالِ»؛ فالتفاضل والتفاوت إنما يقع بالأعمال والسعي. فهذه قرينة واضحة من ذات النص على اكتسابية هذه الكرامة.

الشاهد الثاني

ما ورد في سورة يونس الآية 14 عند التعرض للخلافة بقوله تعالى: لننظر كيف تعملون؛ (كما في قوله تعالى: «ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ» [يونس: 14]). فلو اتصف البشر بالخلافة بالفعل والتكوين الجبلي، لما كان لتعليق الأمر على النظر في كيفية العمل مستند عقلائي وصناعي؛ لكون صنيع الخليفة التكويني معلوماً ومقدراً مسبقاً. فالعمل والسعي هو الذي يرسم معالم المستقبل ويحدد مصير العبد في رتبة الخلافة بالتبع.

الشاهد الثالث

ما ورد في سورة فاطر الآية 39 عقيب التعرض للخلافة بقوله تعالى: فمن كفر فعليه كفره ولا يزيد الكافرين كفرهم عند ربهم إلا مقتاً ولا يزيد الكافرين كفرهم إلا خساراً؛ (كما في قوله تعالى: «هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إِلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إِلَّا خَسَارًا» [فاطر: 39]). فهذا النص الصريح يقرر تحمّل الكافر مغبة كفره لكونه قادراً على سلوك طريق الإيمان والتسليم؛ وحصول الكفر منه يخرجه بالتمام عن حيز الخلافة ليصير عدواً لله تعالى؛ ويمتنع بالضرورة اجتماع رتبة الخلافة والعداوة في كائن واحد. فلا يصح إدراج الكافرين والظالمين والضالين في عداد خلفاء الله في الأرض. فيبين الباري خسارة هؤلاء الكافرين بانتخابهم هذا المسير المهلك بإرادتهم وسعيهم؛ وكان بمقدورهم النأي بأنفسهم عن الكفر وسلوك طريق الخلافة الإلهية والنیابة عن الباري عز وجل.

إذن، وكما أسلفنا في مطلع المقال، فإن الخلافة قد جُعلت للإنسان بـ “الجعل التشريعي” لا الجعل التكويني الذاتي؛ ومفاده حيازة الإنسان لأهلية وقابلية الخلافة بالاستعداد، وبمقدوره استثمار سائر النعم والوسائل الباطنية والظاهرية لبلوغ مقام الخلافة الفعلي بالاستحقاق والعمل.

السؤال: …

الأستاذ: تلك هي المراتب العليا والمقامات السامية؛ بموجب قوله: ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم في ما آتاكم؛ (كما في قوله تعالى: «…وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ» [الأنعام: 165])… نعم، ولكنها ذات درجات ومراتب متفاوتة… فقد يترقى بعضهم في خصلة أو صفة دون غيرها، بيد أن الإنسان الكامل يمثل المجلى الفعلي التام لسائر الأسماء والصفات الإلهية في النشأة الأرضية؛ فالإنسان الكامل واجد لأرقى مراتب الكمال في هذه الصفات قاطبة. نعم، وهنالك تفاوت في الرتبة والمقام بین الكمل أنفسهم؛ فلا ريب في تفوق النبي الأعظم (ص) على وصيه أمير المؤمنين (ع)، وكذا تفوقه (ص) على سائر الأنبياء والرسل؛ بموجب ما ورد في كلمات أمير المؤمنين (ع) نفسه عند وصفه للنبي الأعظم (ص) وبيان عظيم رتبته ومنزلته الرفيعة. فالأمر برمته يرجع إلى مساحة الاستعداد والأهلية.

ومتى ثبت كون الكرامة الناشئة عن الخلافة الإلهية كرامة اكتسابية لا ذاتية، لزم من ذلك قابلیتها للزوال والتحول ثبوتاً ونفياً؛ لكونها استعداداً مكنوناً يفتقر للتفعيل؛ فلا تصلح بالصناعة لتكون مبدأً تؤسس عليه الكرامة الذاتية للإنسان. لكون هذه المرتبة شأن من شؤون “الإنسان مع الإيمان”، والمنقطع عنها هو “الإنسان من دون الإيمان” المتجرّد من هذه المزايا بالتبع. نعم، قد يتصف غیر المؤمن ببعض الصفات الجميلة لجهات عقلائية كالكرم والجود كحاتم الطائي مثلاً، فيحصل له بذلك نوع مناسبة وقرب من ساحة الجود الإلهي بالتبع، ويحظى بنصيب من التكريم الإلهي بموجبها؛ ولذا لاحظنا صنيع النبي الأعظم (ص) مع أهل بیت حاتم الطائي بعد انتهاء الحرب رعايةً لنسبهم ومكانتهم. ويختلف غير المؤمن لجهل وقصور بالتمام عن غير المؤمن لخصومة وعناد. فالقرب من الذات الإلهية يدور مدار الاتصاف بصفاتها وجمالها؛ ومن خلوج النفس من هذه الخصال تباعدت رتبته. وعليه فلیست الخلافة الإلهية صالحة لبيان ملاك الكرامة الذاتية.

ونختم بالإشارة إلى أن هذه الخلافة موجهة لـ “نوع الإنسان” لا لشخصه بالذات؛ فآدم (ع) لم يتفرد بالخلافة لذاته عيناً، بل جُعل هذا الاستعداد موهوباً لنوع البشر قاطبة بالصناعة.