الدرس الرابع عشر، المقام الأول
الدرس الرابع عشر
المقام الأول: دراسة وجود وعدم الكرامة الذاتية في الإنسان – مباني الكرامة الذاتية للإنسان – الطائفة الأولى: 3. الفطرة – معنى الفطرة – الفرق بين الفطرة والغريزة والطبيعة – أنواع الفطريات – 1. الفطريات المتعلقة بالمعارف – 2. الفطريات المتعلقة بالنزوعات – النتيجة 9 جمادى الأولى 1445 هـ
الأمر الثالث الذي يمكن أن يكون مبناً للكرامة الذاتية، وبتعبير آخر المصداق الثالث من مصاديق الكرامة الذاتية للإنسان، هو مسألة الفطرة. فالفطرة قد تتقاطع في بعض شعبها مع العقل أو تنطبق عليه من جهة ما، أو لعل بعضهم يفسر الفطرة بمعنى العقل أساساً، لا سيما بالمعنى الثاني الذي سطرناه للعقل، أو بالنظر إلى التوسعة التشريعية والمفهومية التي يضفونها على معنى الفطرة. ونحن لا شأن لنا بهذه الأمور التي يمكن أن تصبح بنحو ما منشأً لسؤال أو إبهام هاهنا؛ وإنما ذكرنا ذلك تنبيهاً على أن ما نقرره ليس ناشئاً عن الغفلة عن هذا الموضوع. وسأوضح الآن أن الفطرة تشكل كرامة خاصة بالإنسان، وكيف أنها تمتاز عن العقل في الجملة لا بالجملة.
معنى الفطرة
الفطرة التي وردت في الآية الشريفة: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) [الروم: 30]، تأتي بمعنى الخلق، والإنشاء، والإبداع؛ أي الخلق على غير مثال سابق ومن دون خلفية تاريخية تكوينية. وصيغة “فِطْرَة” على وزن “فِعْلَة” -والتي لم ترد إلا في هذه الآية المباركة ولم تتكرر في موضع آخر من القرآن الكريم- تفيد دلالةً على نوع خاص من الخلق والآفرينش. قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) [الروم: 30]؛ فالفطرة كباقي الموارد التي صيغت على هذا الوزن المشخص، تشير إلى نمط خاص وجوهر متميز من الخلقة والإنشاء التكويني. وحينما يقرر الحق جل وعلا: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)، فإنه يعني بذلك ذلك النمط الخاص من الخلقة الإلهية التي أوجد الله البشر عليها ووایمهم بها. وهذا في حقيقته يشير لمداليل وسلسلة من الأمور المستقرة في النفس الإنسانية بنحو خاص؛ إذ إن ذات لفظ الفطرة ينهض شاهداً على تميز الإنسان البنيوي عن سائر الموجودات والحيوانات قاطبة.
الفرق بين الفطرة والغريزة والطبيعة
ولأجل مزيد من التركيز والتمحيص في هذه الجهة الاختصاصية التكوينية، يحسن بنا أن نشير إشارة موجزة ومختصرة للتمايز الدلالي بين واژة ولفظ الفطرة من جهة، ولفتي الغريزة والطبيعة من جهة أخرى.
الطبيعة
تطلق الطبيعة نوعاً وبحسب الاصطلاح على الخصائص الذاتية الملازمة للأشياء الجامدة وغير الحية؛ وقد يستعمل هذا اللفظ في موارد أخرى اتساعاً حتى يشمل الحيوان أو الإنسان، بيد أن الاستعمال الصحيح والموافق لوضع اللفظ يقتضي قصره على الميزات الخاصة والذاتية للأشياء الفاقدة للحياة الروحية؛ فحينما يراد الإخبار عن خاصية مادة ما أو جسم معین، يجري العرف عادةً على استعمال کلمة الطبيعة. ويمكننا تصوير حد الطبيعة بكونها: الخصوصية التكوينية التي تعد منشأً لأثر خاص مستقر في الأشياء.
الغريزة
والغريزة عبارة عن الخصائص والسمات المخصوصة المستقرة في الحيوانات بالذات، بحيث لا تستعمل بحال في حق الجمادات والنباتات؛ فالطبيعة تجري في حق النبات والجماد بخلاف الغريزة المقيدة بالكائنات الحية ذات الحرمة، وتحديداً الحيوانات. نعم، قد تستعمل الغريزة في جهات ما في حق الإنسان، لا سيما في ذلك الجانب المتصل بالنزوعات والرغبات الجسدية البدنية؛ وسأشير لهذا التفصيل لاحقاً بالتبع، نظراً لوقوع البحث في ذات المسألة؛ لكون رغبات الإنسان ونزوعاته تمثل شعبة من الفطرة الإنسانية التي يعبر عنها تارة بالفطرة وتارة أخرى بالغريزة. فالخلاف هاهنا خلاف اصطلاحي محض؛ كإطلاق لفظ الفطرة أو الغريزة على ميل الإنسان نحو الغذاء، أو حاجته الجنسية، أو نزوعه لرفع عطشه؛ فحتى لو وُصف ذلك بالفطرة، فإنه يقع في مساحة خاصة سأبينها.
وعلى أية حال، فالغريزة تمثل حالة غير مكتسبة تشق طريقها في وجود الحيوان، وينحو بموجبها لإنجاز أفعاله وحرکاته التكوينية؛ فهي ميزات داخلية مخصوصة ترسم في الحقيقة هداية تكوينية لخط حياة الحيوانات. فالولد من الحيوان ما إن يولد تلقاءً، حتى ينهض في فوره ومن دون رعاية أو معونة من أحد، ليتجه تلقاء ثدي أمه فيرتضع اللبن. وهذه الحالة منتفية في حق الإنسان بالوجدان؛ إذ يفتقر الطفل الإنساني إلى الهداية والمعونة ليتعلم كیفية التقام الثدي والارتضاع؛ بينما يمتلك الحيوان بغريزته هذا المرشد الداخلي المستقر في جبلته، والذي يدفعه نحو ثدي الأم ليشرع في امتصاص اللبن منذ اللحظة الأولى. ومن هنا، يوصف الفعل الغريزي بكونه فعلاً “شبه واعي”؛ فهو من جهة غير واعي لكونه حالة داخلية جبلّية في وجود الحيوان ترشده دون فكر، وهو من جهة أخرى واعي لكونه يمثل ميلاً ونزوعاً يجده الحيوان ويشعر به بالوجدان، فمن هذه الحيثية يصفونه بالوعي؛ فكونه لا يفتقر لمرشد أو معلم خارجي يجعله غير واعي، وكونه ميلاً مدركاً يلتفت إليه وله علم حضوري بذات الميل يجعله واعياً، غير أنه جاهل بكنه هذا الميل وكيفيته، ولا علم له بعلمه ولا يدرك حقيقته وصناعته.
الفطرة
وأما الفطرة، فهي تلتقي من جهة بالطبيعة والغريزة؛ لكون الفطرة أمراً تكوينياً جبلّياً أيضاً. ونعني بكونها تكوينية أنها مستقرة في طينة الإنسان وسريرته وليست من الأمور المكتسبة بالتعلم والتحصيل. غير أنها تتقدم على الغريزة برتبة؛ لكون الفطرة أمراً واعياً بالكامل؛ فالغريزة موصوفة بالوعي النسبي (شبه واعية) بينما الفطرة واعية بالتمام. ومعناه أن هذا الميل أو الإحساس أو الإدراك -لكونه يقع في حيز الإدراکات والمتلقيات الإنسانية- مستقر في ذات الإنسان، وهو على علم والتفات تام بهذا الميل والطلب والنزوع؛ ولهذا افترقت الفطرة عن الغريزة؛ فالغريزة شبه واعية بخلاف الفطرة الموصوفة بالوعي الكامل؛ لكون الإنسان يمتلك علماً حضورياً بتلك المتلقيات والنزوعات، كما أنه واعي وملتفت لعلمه هذا بالتبع. وبناءً عليه، فالفطرة واعية بالكلية.
التمايز بین الفطرة والغريزة
يفترق سنخ الفطرة عن الغريزة في أمرين جوهريين:
-
أن الفطرة واعية بالكامل؛ فالإنسان يمتلك أموراً وقضايا تصنف في دایرة الفطريات، وهو يعلم التفاتاً بالوجدان أنه واجد لهذه الفطريات والنزوعات. بينما لا يسير الأمر على هذا النسق في الغريزة؛ فالكائن الغريزي وإن علم بميل مستقر في داخله وتحرك بموجبه، إلا أنه فاقد للوعي بهذا الوعي والعلم بهذا العلم.
-
والفرق الثاني يكمن في قصر الغريزة على مساحة المسائل المادية المحضة؛ بخلاف الفطريات التي تتسامى وتتجاوز المعطى المادي بالكامل. ولو رمنا بسط الكلام في الشعب والجهات التي تتوجه إليها الفطرة الإنسانية، لافتقر ذلك لبحث طويل وموسع.
ومثاله: أن الإنسان يعلم بالوجدان أن جزاء الإحسان هو الإحسان؛ فمكافأة المعروف لا تكون إلا بالمعروف؛ ولكن من أين له هذا العلم؟ وكيف وقف على معرفة أن جزاء النية الطيبة هو الخير؟ لأجل هذا يقرر المولى سبحانه في محكم کتابه: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) [الرحمن: 60]؛ فهو في الحقيقة يستفهم ويسأل عن أمر كامن وجلي في أعماق البشر وسريرتهم. ويراد من هذا السؤال أن يرجع الإنسان عند مواجهته إلى باطنه ووجدانه ليصوغ الإجابة من صميم ذاته. وحقاً، فإن باطن الإنسان -من دون معلم أو مرشد ومن نأی عن التلقينات الخارحية أو تحمّل الضرورات الاجتماعية كما يزعم بعضهم- يدرك هذا الأمر تلقائياً؛ فهذا مصداق لأمر فطري. وكذا طلب الحقيقة، ونزوع الكمال، وفعل الخير، وعبادة الله وتوحيده؛ فهذه كلها من الأمور الصريحة التي يدركها الإنسان دون افتقار لمعلم وصناعة تدوينية.
السؤال: …
الأستاذ: يمتلك الحصان الآن ميزات وخصائص مشخصة تميزه بنيوياً عن الدب، وتميزه عن الكلب والذئب، وتميزه عن الدلفين؛ وكون كل فرد من هذه الأنواع قد اشتهر بين عامة الناس بصفة مخصوصة أو جرى تشبيه البشر ببعض هذه الحيوانات، فإنما يعود لوجود هذه التمايزات التكوينية بالذات. ولكن ما هو معلول هذه التمايزات؟ إنها الخلقة الإلهية المستقرة في ركيزة التكوين غير الواعي بالبيان المتقدم؛ أي إن هذا يمثل واقع غريزتها المشخصة. وحتى في فلك الحيوانات، نجد أن حيواناً كالمهر (كُرة الحصان) يتمايز في كیفية سلوكه وفعل حركته بعد الولادة مباشرة عن بعض الحيوانات الأخرى. ومعناه أنه بالرغم من كون هذه الحركات تكوينية في الجميع، إلا أن وضعها التكويني ورد فعلها حال الولادة متباين بوضوح؛ فالطير الذي يخرق البيضة يباين في سلوكه الدواب التي تولد من بطون أمهاتها، وكذا الزواحف التي قد تخرج من البيض أيضاً؛ فهذه الأنماط متباينة بالكامل، وتسير حركتها قاطبة في المبتدأ وفي امتداد خط الحياة بموجب هداية الغريزة التكوينية.
السؤال: …
الأستاذ: ليس أصل هذا الأمر سلبياً بذاته؛ وإنما يطرأ الوصف السلبي عليه جراء الإفراط والتفريط بالصناعة. … فالحرص في حقيقته وبحسب ما قرره الأعلام، يمثل إفراطاً وجنوحاً في جانب واحد من جوانب طلب الكمال الإنساني. وقد ورد في حديث جنود العقل والجهل تعداد لطائفة كبیره من جنود العقل والجهل، حيث يقع لها جانب إفراط وتفريط؛ ويكون الاعتدال والاستقامة بين هذين الحدين هو عينه الكمال والفضيلة الموصوفة. … ومثاله في مساحة الشهوة، فإن اعتدالها يؤول بالتبع لعفة النفس وترفعها.
ونحن نثبت بالصناعة وجود فطرة مخمورة وفطرة محجوبة؛ فالفطرة المخمورة هي ذات الفطرة التي خُمر الإنسان عليها وصيغت طينته بموجبها وأُنشئ على أساسها. وحينما تشاب هذه الفطرة بتلك الشوائب والإثارات الخارحية التي أشرنا إليها، يعلوها الران وتصير فطرة محجوبة بالتبع.
أنواع الفطريات
قسم الأصوليون والفلاسفة الفطرة إلى شعبتين رئيستين؛ بمعنى أن هذا الأمر المستقر في باطن الإنسان والموصوف بالفطريات، ينقسم إلى قسمين كليين: قسم من الفطريات يتصل بالمتلقيات والمعارف والإدراكات الإنسانية؛ وقسم آخر يتصل بالطلبات والنزوعات والميول الجبلّية.
1. الفطريات المتعلقة بالمعارف
الأمور الفطرية التي تقع في دائرة المعرفة والإدراك، تعني جملة من المعلومات والقضايا البديهية التي يضعها الإنسان أساساً وقاعدة يبني عليها سائر معارفه اللاحقة؛ وهي ذات القضايا التي نصطلح عليها بالبدیهیات؛ فمن أين تُلِّقيت هذه البديهیات وعُلِّمت للإنسان؟ يبرز هاهنا خلاف علمي في منشأ هذه البديهیات وجذرها؛ فأفلاطون يذهب مثلاً إلى أن الإنسان يولد وهو عالم بهذه القضايا قبل ولادته، وأنه يرد الدنيا وهو مجهز بها بالكامل؛ ومعناه عند أفلاطون أن الروح الإنسانية كانت عالمة بهذه الأمور منذ الأزل، وهي ذات الأمور المتصلة بالفطريات من جهة الطلبات الإنسانية. وحالياً، يذهب فريق من الفلاسفة والمناطقة إلى أن جملة منها تمثل العناصر الذهنية والأوليات التي يعمل الإنسان على استخدامها وتطبيقها بمرور الأيام؛ فيقررون أن الطفل حينما يولد يكون لوح ذهنه خالياً ولا يعلم شيئاً؛ فلا قدرة له على تصور الكل ولا الجزء، حتى يتأتى له الحكم لاحقاً بأن الكل أعظم من الجزء. ولكن حينما يعيش في الدنيا شطراً ويصير قادراً على تصور بعض المفاهيم، فإنه بمجرد تصورها يثبت له التصديق الفطري بها تلقائياً؛ كإدراك النسبة بين الكل والجزء، أو دراسة فعل الخير وحكم: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) [الرحمن: 60]. وهذه هي حقيقة القضايا الشاخصة بوصفها فطريات إدراكية.
السؤال: …
الأستاذ: ذهب فريق من العلماء -استناداً لقوله تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [النحل: 78]- إلى أن الإنسان حينما يولد يكون لوح ضميره ناصعاً وخالياً بالكلية، ولكنه يشرع في تلقي هذه الأمور والمعارف بمرور الزمن؛ أي إنها تندرج في حيز الاكتساب والتحصيل الخارجي. وثمة فريق آخر ممن لا يعتقدون بهذه المباني الفلسفية، يرون أن الضرورات الاجتماعية والمعايشة الميدانية هي التي تلقن الإنسان هذه المسائل وتوقف عذاره عليها؛ ومعناه أنه حينما يرد معترك الحياة وتباغته الأحداث والوقائع، يقف الإنسان عند ذاك على وجوب جريان الأمور على هذا النسق.
بيد أن الذي يمكننا تقريره بوصفه يمثل منطق القرآن العظيم ومنطق الدين الحنيف، هو أن الإنسان وإن بدا في المبتدأ جاهلاً لا يعلم شيئاً تفصیلياً، إلا أنه ليس فاقداً لأساس التفكير وقواعده الكامنة في ذهنه وعقله. فهناك قضايا مفطورة في جهة الإدراك والمعرفة؛ أي إن الله سبحانه خلق الإنسان ووايمه بهذا الحد من المعرفة والقدرة على الإدراك الصائب. وبعبارة صناعية: لقد أودع الله أصول التفكير وقواعده الفطرية في جبلة الإنسان. ونعني بأصول التفكير تلك القواعد التي لا يمكن تحصيلها بالتجربة، ولا بالاستدلال، ولا بالاكتساب الخارجي، ولا بأي طريق صناعي آخر، بل هي محض خلق إلهي صِيغ الإنسان بموجبه. ولهذا، فمتى ما تصور مفهوم الكل ومفهوم الجزء، حكم في فوره وبالبدهية بكون الكل أكبر من الجزء وارتفع عنه الشك. وإن ورود ذكر التذكر والذكرى في بعض الآيات الكريمة، ينهض شاهداً ومؤيداً لكون هذه الأصول مستقرة وموجودة في ذهن المكلف وأن الله أوجد الإنسان واجداً لها؛ قال جل وعلا لنبيه الأکرم(ص): (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) [الغاشية: 21-22]؛ فالحديث عن التذكير يؤول في حقيقته لمعنى وجود قضايا كامنة في باطن البشر؛ كطلب الحقيقة ونزوع الكمال، وتكون وظيفتك هي تذكير البشر وتنبیههم نحو ما هو مستقر في أذهانهم وميولهم الجبلّية بالذات.
السؤال: …
الأستاذ: تلك الأصول التي تشكل في واقعها مبنى التوحید وعبادة الخالق جل وعلا. وأما كون صلاة الصبح ركعتين، فمعلوم أن هذا ليس مما يقع التذكير به بالفطرة … فأصل النزوع والميل نحو الله تعالى ونحو الدين والعبادة مستقر في وجود الإنسان بالضرورة، ولهذا دار الكلام في سياق التذكير، ووصف النبي(ص) بكونه مذكرًا. وهذا البيان لا ينافي بحال قوله تعالى بأنكم خرجتم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً. نعم؛ فالإنسان حينما يرد الدنيا لا يعلم شيئاً بالفعل، ولكنه بالسمع والأبصار والأفئدة يدرك هذه الأمور ويتصور الموضوعات، غير أن هذا الوجود وهذه الخلقة وهذا النمط الخاص من الإنشاء الإلهي قد صِيغ بنحو يجعله قادراً على بناء تفكيره بموجب تلك القواعد والأصول المستقرة فيه … وقد أسلفنا أن الفطرة تنقسم إلى شعبتين وقسمين: قسم يتصل بالإدراك والمعرفة؛ ومعناه أن الإنسان خُلق واجداً لمعرفة وإدراك مشخصين. وهذا لا يسمى علماً تفصيلياً كسبياً، بل هو واجدیة وحيازة لأصول التفكير وقواعده. والأمر الذي يعلمه وندعي بداهته، لِمَ نصفه بالبديهي؟ نعم، البديهيات تندرج في قسم المعلومات، ولكنها معلومات فطرية مستقرة في جهة الإدراك والمعرفة … وإذن، فهذا بخش وشعبة من الأمور الفطرية.
2. الفطريات المتعلقة بالنزوعات
والقسم الثاني من فطريات الإنسان يتصل بالميول، والنزوعات، والطلبات الباطنية، وهذا الأخير لا ربط له بجهة الإدراك والمعرفة العقلية محاذاةً. فمن المسلّم أن الإنسان واجد لسلسلة من النزوعات والميول التكوينية؛ ولا أريد الخوض هاهنا في تبيين اختلاف الأنظار والآراء المسجلة دراسةً، بل المراد إجمالاً أن الإنسان يُخلق منذ المبتدأ وهو واجد لطلبات وميول مشخصة؛ وأصل قوله سبحانه: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) [الروم: 30] يفيد هذا النمط الخاص من الخلقة والإنشاء الذي أوجد الله الإنسان عليه بموجب هذه الخصائص الذاتية. ففي مساحة النزوعات والميول، نجد أن الإنسان قد خُلق واجداً لهذه النزوعات بنحو اختصاصي. فما هي هذه النزوعات والميول؟ يذكر الأعلام مصادیق شتى لها، ولعلهم يدرجونها قاطبة تحت عنوان “النزوعات الإنسانية” أو ما وسمه الشهيد المطهري بـ “النزوعات المقدسة”. فالإنسان واجد لجملة من الميول والنزوعات المقدسة والإنسانية الشاخصة، والتي تنقسم بدورها إلى أنواع ومصاديق متعددة؛ حيث سُجلت خمس مقولات رئيسة تقع في دایرة الفطريات النزوعية والطلبات الإنسانية الجبلّية، وهي: مقولة طلب الحقيقة؛ ومقولة الفن والجمال؛ ومقولة الخير والفضيلة؛ ومقولة الإبداع والابتكار؛ ومقولة العشق والعبادة. فهذه المقولات الخمس تمثل في حقيقتها ينابيع تتفجر من الفطرة الإنسانية ومستقرة في نهاد البشر وسريرتهم؛ فهذه الميول الخمسة أمور فطرية بالذات؛ فالإنسان باحث عن الحقيقة بفطرته، ومائل للجمال بفطرته، وأهل خير ونزوع للفضيلة بفطرته، وطالب للإبداع والابتكار بفطرته، كما أنه أهل عشق وعبادة وخضوع بفطرته التكوينية. وبطبيعة الحال، فإن معرفة الله والتدين يمثلان جزءاً لا يتجزأ من هذه المقولة الشاخصة.
النتيجة
هذا المقدار كافٍ في المقام؛ ويتعين علينا ذكر الشواهد والأدلة المقررة لاحقاً. إن البشر قاطبة -بمعزل عن مذاهبهم، وألوانهم، وأعراقهم، وعقائدهم- قد خُلقوا على نمط وجوهر خاص بموجب نص الكتاب العزيز: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) [الروم: 30]؛ وكانت هذه بداية البحث السيرورتی بيد أننا سنشير إليها ضمناً خلال عرض الشواهد بدقة. فهذه الميزات تمثل خصائص ذاتية ملازمة للإنسان؛ إذ خلق الله الإنسان واجداً لهذه الميزات الخصوصية. ولا يوجد كائن آخر في عالم التكوين قاطبة يحوز هذه الخصائص؛ وهي ثابتة للبشر أجمعين، كافراً ومسلماً، مؤمناً وغير مؤمن، على حد سواء؛ فلهم جملة من الفطريات المستقرة في ناحية المعرفة والإدراك، ولهم طائفة من الفطريات في ناحية الطلبات والميول، ولا تمايز ولا تفاضل بين بني الإنسان في أصل حيازتها وتملكها بالوجدان. وهذا الأمر لا يصنف في حيز الاستعداد المفهومي؛ بل هو من سنخ الفعليات التكوينية المحققة؛ فهذه الكرامة ليست كرامة مكتسبة بالتحصيل؛ فالفطرة التي أوجد الله الإنسان عليها وخلقه بموجبها لا تنال بالاكتساب بحال. نعم، إن هذه الفطريات تمثل رأس المال والمستند الأساس لاكتساب الكرامات الخاصة المتسامية والأعلى رتبة بالصناعة. … وقد يقع الحجاب على هذه الفطرة؛ ولهذا كان سعي النبي الأكرم(ص) وجهاده مستمراً حتى اللحظة الأخيرة من حياته الشريفة -حتى في حق أبي جهل وأبي سفيان- متمحضاً في جهة التذكير والتنبيه العرفي والشرعي. ولو انعدم هذا الأصل التكويني في نفوسهم، لما بذل الأنبياء والرسل كل هذا الجهد المضني حتى الرمق الأخير لإنقاذ البشر وهدايتهم. بيد أن الفطرة قد يقع عليها الحجاب وتصير محجوبة؛ وإلا فلا يتطرق الشك والريب في كون هذه الكرامة ثابتة لعموم البشر قاطبة. فهذا ثابت لها بوصفه كرامة ذاتية تكوينية، ولا مساغ لادعاء مسألة الاكتساب والتحصيل الخارجي فيها بالكلية. وحينما أقرر بأن الكثير من الباحثين يخلطون بين المسائل والقضايا في طيات بحوثهم ويسجلون الخلط في مقام الاستدلال، ليرى أحدهم أنها ذاتية ويذهب الآخر إلى كونها مكتسبة ويميل الثالث لقول آخر، فإنما يعود ذلك لعدم تنقيح هذه الجهات بدقة. ونحن سنعرض لبيان الشواهد والأدلة المفصلة في الجلسة المقبلة بمشيئة الله تعالى.