The news is by your side.

الدرس الثالث عشرري، المقام الأول

الدرس الثالث عشر
المقام الأول: دراسة وجود الكرامة الذاتية في الإنسان وعدمها – مباني الكرامة الذاتية للإنسان – الطائفة الأولى: 2. الإرادة والاختيار – رأي الملا صدرا حول ذاتية كرامة الإرادة – الشواهد – الشاهد الأول إلى التاسع

3 جمادى الأولى 1446 هـ

خلاصة الدرس السابق

تمحور بحثنا حول مباني الكرامة الذاتية للإنسان؛ وقد أوردنا شواهد على ذاتية هذه الكرامة التي وهبها الله للإنسان بخصوص العقل. والمورد الثاني هو الإرادة والاختيار، وإن كان ثمة جدل حول ما إذا كانا يشكلان عاملاً مستقلاً أم يُعدان من شعب العقل؛ وقد أفردناهما بالذكر لكونهما مرتكز الدعوة الإلهية ودعوة الأنبياء، وأساس ثبوت التكليف والأوامر والنواهي.

الشواهد

وتتوافر شواهد على أن هذه الكرامة ذاتية، بمعنى أنها ثابتة للإنسان على وجه الخصوص من لدن الله تبارك وتعالى؛ فالكرامة الذاتية تعني تكريماً إلهياً للإنسان دون سواه؛ بحيث يشترك فيه جميع البشر. وهناك شواهد على ذلك؛ وقد أشرنا لأحدها في الدرس المنصرم.

رأي الملا صدرا حول ذاتية كرامة الإرادة

قبل الخوض في تفاصيل هذا الشاهد، سأتلو عبارة لصدر المتألهين من كتاب “الأسفار”؛ حيث يكتب: «بهذه الإرادة أفردك الله عن البهائم إكراماً وتعظيماً لبني آدم، كما أفردك عنها بمعرفة العواقب»؛ فهذه الإرادة المبحوث عنها، والتي يقرر بها الإنسان ويعزم على الإقدام، وينتقي بها الأفضل، وهو ما نسميه الاختيار؛ قد وُهبت لجميع البشر من باب الإكرام والتكريم، وهي حكر على الإنسان ولا يشاركه فيها أي كائن آخر. ثم يضيف: وفي الوقت عينه، فإن القدرة على معرفة العواقب، وتوقع نتائج الأفعال، وتمييز المنافع والمضار قبل الاختيار، هي أيضاً خصيصة إنسانية بحتة؛ فليس للبهائم والحيوانات قدرة على تقدير نتائج أفعالها ومضارها لتتولد لديها الإرادة بناءً على ذلك.

الشاهد الأول

وعلى أية حال، فالشاهد الأول الذي ألمحنا إليه إجمالاً في الدرس السابق، هو أن تكليف البشر بالأحكام والأوامر والنواهي الإلهية، ودعوة الله للحق، وإرسال الرسل وإنزال الكتب، بل ونظام التشريع بأسره وتبعات الجعل التشريعي الإلهي وآثاره، لا معنى لها البتة بدون الإرادة والاختيار. فهذه هي طبيعة نظام التشريع والجعل الذي يقود الإنسان نحو السعادة وفقاً لخارطة الطريق التي وضعها الله، أو يودي به للتهلكة والدمار إن هو اختار طريق الشقاء.
ويتضمن الشاهد الأول بُعداً إيجابياً يختص بالإنسان، وهو أن الإرادة والاختيار هما أساس تكليفه. بل إن الملائكة أنفسهم محرومون من هذه النعمة؛ وقد ذكرنا في مبحث العقل أنهم يحظون بنعمة العقل، ولكننا قررنا في الوقت ذاته أن الملائكة خارجون أساساً من شمولية آية ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾. بيد أنه يجب الالتفات هنا لنكتة؛ فإذا سلمنا بالفرق بين التكريم والتفضيل، وقلنا إن التكريم يختص بما يتفرد به الإنسان، بينما يرتبط التفضيل بما يشترك فيه مع كائنات أخرى ولكن نصيبه منه أوفى؛ فحينئذ، حتى لو قلنا بخروج الملائكة من شمولية الآية، فإن امتلاكهم لنعمة العقل يثير تساؤلاً: فأي تكريم للإنسان إذن؟ وكيف تكون هذه الكرامة ذاتية للإنسان؟ إذ كان البحث يدور حول خروج الملائكة من هذه الآية؛ ونحن نقول: لنفترض خروج الملائكة منها؛ وقد أشرنا هناك، وأؤكد هنا مجدداً، أنه رغم امتلاك الملائكة للعقل والشعور، فليس من المعلوم امتلاكهم لقدرة ترتيب المعلومات لكشف المجهولات. نعم، هم يمتلكون العقل، ولكن عقلهم قد بلغ تمام الفعلية؛ فلا توجد غياهب مجهولة يتلمسون كشفها بضم بعض المعلومات لبلوغ مرتبة أسمى. ولذا يقول الله تبارك وتعالى في سورة التحريم: ﴿مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾؛ فهم لا يمتلكون إرادة واختياراً؛ والملائكة الغلاظ الشداد، كصنف من الملائكة، لا يعصون أمر الله ويأتمرون بما يُؤمرون. أو كقوله في سورة النحل: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.

السؤال: …
الأستاذ: لا يمتلكون إرادة واختياراً البتة؛ بمعنى القدرة على المعصية. كأن يوضعوا في مفترق طرق ويختاروا طريق الشر؛ بل حتى حرية اختيار طريق الخير الأسمى منتفية في حقهم. فهم كائنات، بحسب المشهور والمعروف، قد بلغت ذروة الفعلية، ولا يمتلكون أي استعداد أو قوة للرقي أكثر.

السؤال: …
الأستاذ: قوله: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ أي يأتمرون بما يؤمرون، ﴿لَّا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ﴾، وهذا نص القرآن. وإحدى الجهات المطروحة في قصة خلق الإنسان، هي أن هذا لا يشير لواقعة وحوار فعلي بين الله والملائكة؛ بل هو تصوير رمزي لبيان خلق الإنسان وأفضليته على الملائكة (مع استثناء تمرد الشيطان بطبيعة الحال)؛ وإلا فقد قال البعض إن الملائكة لم يعترضوا أساساً ولم يكن ذلك اعتراضاً؛ فما صنعه الملائكة في تلك الحادثة كان مردّه إحاطتهم بالأحداث، وقال آخرون إن هذا التساؤل نشأ عن سابقة لإنسان عاش قبل النبي آدم. ويرى فريق أن الملائكة طرحوا هذا التساؤل لشدة حبهم لله وفنائهم فيه، … بل ويطرحون هذا حتى في شأن إبليس. … فقد قال بعض أهل الفن إن اعتراض إبليس وقوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ﴾، نبع من سابقة عبادته لآلاف السنين وحبه لله، وهو ما دفعه لطرح ذلك التساؤل ووقوع تلك الأحداث، وكأنه يقول: أأسجد أنا لهذا الإنسان؟
وعلى أية حال، فلم يكن للملائكة إرادة ولا اختيار، بل كانوا مأمورين ومعذورين محضاً؛ فالله يأمرهم وهم يأتمرون. وهذه التساؤلات والاعتراضات إما أن تحمل طابعاً رمزياً، أو أنها نبعت من إحاطتهم بالأحداث السابقة أو اللاحقة، وعجزهم عن استيعاب كنه هذا الكائن. ولذا قال لهم الله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. …

السؤال: …
الأستاذ: قوله: ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ يشير لحد معين ومحدد؛ وهذا الحد لا يقبل التغيير؛ أما الإنسان فلا حد له. … فهذا هو منتهى حدهم ولن يتجاوزوه … أولاً، إنهم بشر؛ … وفي بداية البحث، تلوت عبارة لصدر المتألهين: «بهذه الإرادة أفردك الله عن البهائم إكراماً وتعظیماً لبني آدم کما أفردك عنها بمعرفة العواقب»، فهذا تكريم وتعظيم لبني آدم؛ فقد امتاز الإنسان عن البهائم … فما معنى ﴿وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ﴾ إذن؟ … على أية حال، لدينا سبعة أو ثمانية شواهد؛ ولكم أن تروا ما تقبلونه منها وما ترفضونه.
سأذكر تسعة شواهد. الشاهد الأول، الذي بيّنّاه في الدرس الماضي وأشرنا إليه في هذا الدرس أيضاً، هو أن الإرادة والاختيار هما الأساس في تكليف البشر، ومحاسبتهم، ودعوة الأنبياء والرسل، وإنزال الكتب؛ فكل هذا لا معنى له إطلاقاً بغير الإرادة والاختيار.

الشاهد الثاني

﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾؛ يقسم بالنفس وما سواها. ولا نروم هنا الخوض في مبحث تسوية النفس؛ فهذه الآيات غنية بالمباحث، وسنكتفي بالإشارة إلى الجزء الذي يهمنا هنا. فقوله إنه ألهمها طريق الفسق والفجور والشر، وطريق التقوى وضبط النفس وتجنب الفسق والفجور؛ وإلهامه إياها كلا الطريقين يشير إلى قدرتها على اختيار أي منهما لتسلكه.

السؤال: …
الأستاذ: نحن نقرر الآن أن الإنسان يمتلك هذه الإرادة، ولم يثبت مثل ذلك لغيره من الكائنات، بل ذكر خلافه.
فهذا يقيناً لا يصدق على البهائم والحيوانات، ولا يصدق قطعاً على الملائكة؛ فالفجور لا معنى له في حقهم.

الشاهد الثالث

﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾؛ أي هديناه إلى أحد الطريقين أو نهديه. وكل آية تتضمن بياناً لطريقي السعادة والشقاء، والخير والشر، والفجور والتقوى، والشكر والكفر، فهي تحكي عن وجود الإرادة في الإنسان.

الشاهد الرابع

﴿كُلّاً نُّمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ﴾؛ فرغم عدم إرادة الله لانحراف أي من عباده نحو الشر والفساد، إلا أنه منحه حرية الاختيار، وهذا دليل على الإرادة.

الشاهد الخامس

﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً﴾؛ فلو أراد الله تبارك وتعالى، لخلق جميع من في الأرض مؤمنين. … فالله لم يشأ أن يؤمن الناس جبراً وتكويناً، بل معناه ومفهومه أنه لم يرد ذلك؛ بل أراد أن يتاح لهم كلا الطريقين، ليختاروا هم بأنفسهم، وهذا يدل على الإرادة والاختيار.

الشاهد السادس

﴿أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾؛ أتريد إكراه الناس على الإيمان؟ يقول الله للنبي (ص): أتريد إجبار الناس على الإيمان؟ لقد ابتعدنا كثيراً عن هذه التعاليم؛ ففي بعض النقاشات والنزاعات، والمجادلات التي تُطرح أحياناً على المستوى العام بين النفي والإثبات، لا يتم تحرير محل النزاع بدقة؛ فيدعي النافون والمثبتون أمراً خاطئاً، وتُهدر الطاقات والجهود سدى. فالله يقول للنبي (ص): أتريد إجبار الناس على الإيمان؟ هذا غير وارد؛ فهذا يتنافى تماماً مع خلقة الإنسان وهذه الكرامة الموهوبة له. ولو أراد أحد إكراه الناس على الإيمان خلافاً لهذه الكرامة الموهوبة، لكان الإشكال الأول موجهاً لله تبارك وتعالى: لماذا خلقت البشر على هذا النحو؟ فلو أراد الله ذلك، لفعله منذ البداية ولما آلت الأمور إلى ما آلت إليه؛ ولو كان الأمر كذلك، لما كان له أي قيمة. فهذه الإرادة والاختيار هما ما يمنحان الإنسان قيمته، ويمكنانه من اكتساب تلك الكرامة الاكتسابية وبلوغ درجات لم يبلغها حتى الملائكة.

السؤال: …
الأستاذ: الكثير من الأمور تُعد من المسلمات، بدءاً من الطهارة وصولاً إلى الديات؛ وهذه بعض الشبهات التي يتعين علينا الإجابة عنها لاحقاً. إما بتصحيحها أو الرد عليها وتوجيهها؛ نقبل بعضها ونوجه البعض الآخر. … فأساس الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو الدعوة؛ وإلا فلولا الإرادة والاختيار، فما مسوغ التذكير والأمر والنهي؟ بأي معنى فهمناه. فأساس حركة النبي (ص) كان الدعوة؛ وقد استهل النبيان موسى وعيسى (عليهما السلام) مسيرتهما بالدعوة؛ فلماذا فعلا ذلك؟ فرغم علمهما بعدم إيمانهم، إلا أن هذا الأصل وهذه السنة الإلهية لم تُترك.

الشاهد السابع

﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾؛ تبيّن هذه الآية بوضوح أننا نرشده إلى الطريق؛ والإنسان هو من يختار بعد ذلك أن يكون إما شاكراً وإما كفوراً.

الشاهد الثامن

﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾؛ فيقول إننا خلقنا الموت والحياة لنختبركم ونرى أيكم أحسن عملاً. فهل لهذا الابتلاء الإلهي لتمييز أحسن الأعمال وأفضلها معنى بغير إرادة الإنسان واختياره؟

الشاهد التاسع

﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾؛ وهنا أيضاً يقرر أن ما جعلناه على الأرض زينة، هو لاختبارهم لتمييز أحسنهم عملاً. فابتلاء الله تبارك وتعالى أو اختباره لتمييز من يأتِ بأحسن عمل، يدل بوضوح على إمكانية اختيار الأحسن، وإلا فلا معنى لـ “أحسن عملاً”. فالقدرة على الاختيار والانتقاء قائمة أساساً؛ وكون الله قد جعل أساس موت البشر وحياتهم، وأساس ما في هذه الدنيا من زينة كالأموال والبنين وغيرها، لتمييز أحسنهم عملاً، يثبت ذلك. فـ “أحسن عملاً” لا معنى له إطلاقاً بغير إمكانية الاختيار، وانتقاء الأفضل، وهو ما نعبر عنه بالاختيار أو الحرية؛ والاختيار والحرية لا معنى لهما بغير الإرادة. ولا يسع أحداً القول بوجود اختيار بلا إرادة؛ بل وحتى العكس، أي القول بوجود إرادة بلا اختيار؛ فهما متلازمان. فالإرادة تعني الشوق المؤكد بعد التصديق بالفائدة وموازنة المنافع والمضار؛ مما يولد شوقاً مؤكداً يعقبه تحفيز العضلات. فالإرادة والاختيار متلازمان لا ينفكان؛ فإذا انتفت إمكانية الاختيار، فلا معنى للإرادة أصلاً، والعكس صحيح؛ فالحرية والإرادة كلاهما من لوازم العقل، ولا يقبلان التفكيك والانفصال.

السؤال: …
الأستاذ: لا أريد القول إن الشواهد تنحصر في هذه الآيات … بل توجد آيات أخرى تدل على أن الإرادة والاختيار كرامة موهوبة من الله خصيصاً للإنسان، ولا يشاركه فيها أي كائن آخر بهذا المعنى. ورغم أن الحيوان قد يمتلك إرادة لفعل ما بمستوى معين من الشعور، إلا أنها مبنية على الغريزة. فالإرادة بهذا المعنى لا تنطبق عليه أساساً؛ وقد تحدثنا عن الملائكة أيضاً.
إذن، فهذه كرامة ذاتية للإنسان؛ وهي كرامة وهبها الله خصيصاً للإنسان، ويمتلكها جميع البشر، مؤمنهم وكافرهم؛ فلا يختلف الأمر بين الإيمان والكفر هنا؛ فقد يكون الكافر قوي الإرادة جداً، وقد يكون المؤمن كذلك؛ وقد يكون الكافر ضعيف الإرادة، والمؤمن كذلك. وقد يحسن الكافر الاختيار والانتقاء؛ وقد يسيء المؤمن الاختيار والعكس صحيح. ولا جدال حقاً في ذاتية هذا الأمر، والشواهد النقلية والوجدانية تثبت ذلك؛ فنحن ندرك وجود هذا بالوجدان.
وكما أشرت في بداية البحث، ثمة اختلاف حول ما إذا كانت الإرادة والاختيار من شعب العقل، أم إنهما مبنى مستقل. ولكننا قررنا أن الأولى اعتبارهما مبنى مستقلاً.

السؤال: …
الأستاذ: لا تمتلك الملائكة ذلك العقل؛ … فلا يمتلكون قوة التحليل وتفكيك المعلومات وترتيبها لكشف المجهول. …