The news is by your side.

الدرس الثامن والثلاثون، المسألة السابعة، الفرع الأول، أدلة عدم صحة نکاح السفيه بدون إذن الولي

الدرس الثامن والثلاثون

المسألة السابعة – الفرع الأول – أدلة عدم صحة نکاح السفيه بدون إذن الولي – شروط صحة نکاح السفيه – الشرط الأول – دليل الاشتراط – الشرط الثاني – دراسة الشرط الثاني

2 رجب 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

انقضى البحث في حکم المسألة السابعة؛ وتلخصت النتيجة في أن نکاح السفيه المطلق، سواء أکانت سفاهته في الأمور المالية أم في الأمور غير المالية، لا يصح من دون إذن الولي. وأما نکاح من کان سفيهاً في الأمور المالية فحسب، لکنه بلغ الرشد في أمر النکاح واختيار الزوج، فإنه يصح من دون إذن الولي.

شروط صحة نکاح السفيه

الشرط الأول

ثم إن للإمام (قدس سره) عبارة في هذا السياق يقول فيها: «وتعيين المهر والمرأة إلى الولي». وهذا في الحقيقة شرط لجواز عقد نکاح السفيه ونفوذه أو صحته. بمعنى أن إذن الولي هو الذي يوجب صحة نکاح السفيه، لکن شريطة أن يتولى الولي تعيين المهر وتعيين الزوجة؛ لأنه لو أذن في أصل النکاح دون أن يتدخل في المهر واختيار الزوجة ولم يبدِ رأيه فيهما، فإن ذات المحذور والمهلكة المتصورة في أصل النکاح ستتجلى في قالب هذين الموضوعين. فهذا هو الشرط الأول لنفوذ نکاح السفيه. وبالجملة، فإن النکاح لا يصح من دون إذن الولي أصلاً؛ ومع الإذن يصح النکاح. لکن بناءً على هذه العبارة في التحرير وكلمات كثير من الفقهاء، يشترط في ذلك أن يتولى الولي اختيار المهر والزوجة. ولئن عُبّر في النص بـ «وتعيين المهر والمرأة»، فإن الفتاة السفيهة إذا أرادت التزويج، يصبح التعبير هناك: تعيين المهر والرجل إلى الولي؛ إذ بطبيعة الحال، إذا أرادت البنت التزوج، فإن تعيين المهر وتعيين الرجل الذي ترغب في الاقتران به يكون على عاتق الولي.

دليل الاشتراط

إن وجه هذا الاشتراط جليّ تماماً؛ فلو لم يبدِ الولي رأيه في المهر واختيار الزوج ولم يعينهما، لربما أدى ذلك إلى الفساد؛ لأن السفيه هو من لا يعلم صلاحه وفساده، وعدم تدخل الولي في هذين الموضوعين يؤول إلى الفساد، ولا يكون في مصلحة المولى عليه. وهذه هي العبارة الواردة في التحرير المشيرة إلى هذا الشرط عينه؛ تعيين المهر والزوجة معاً. وقهراً، فإن هذا الشرط (أي تعيين المهر) إنما يلزم في فرض عدم امتلاك الشخص للرشد المالي؛ لنفرض أن شخصاً يفتقر إلى الرشد المالي لکنه رشيد في الأمور غير المالية ويمكنه اختيار زوجته؛ ففي هذا الفرض لا يلزم إذن الأب أو الجد. وإذا کان الشخص قادراً على اختيار زوجته بنفسه، فلا وجه هاهنا لجعل تعيين الزوجة على عاتق الولي. مضافاً إلى ذلك، فإنه في الفرض الذي يفتقر فيه الشخص للرشد المالي مع اتصافه بالرشد غير المالي، قد سلف منا أن أصل النکاح من دون إذن الولي صحيح على مبنانا. فمن کان واجداً للرشد في الأمور غير المالية، لا تتوقف صحة نکاحه على إذن الولي أو الجد، بل لا يكون تعيين المهر شرطاً في صحة النکاح أيضاً. نعم، لو تولى هو تعيين المهر بنفسه، بطل المهر؛ لما قررناه من إمكان التفكيك بين أصل النکاح والمهر؛ فيصح أصل النکاح ويبطل المهر. أما لو كان المهر بإذن الأب ونظره، لم يبطل المهر أيضاً، ولا يرجع إلى مهر المثل.

فمن ثم، تارة نريد إبداء الرأي في اشتراط المهر وتعيين الزوجة على مبنى المشهور (والذي يعد الإمام (قدس سره) في ظاهر الأمر منهم)، وتارة على مبنانا الخاص. فعلى مبنانا، إذا كان الشخص رشيداً في الأمور غير المالية، فإن هذا النکاح لا يفتقر إلى إذن الولي ويقع صحيحاً؛ فلا يشترط تعيين المرأة. كما أن تعيين المهر ليس شرطاً في صحة النکاح، بل تعيين المهر شرط في صحة المهر فحسب. ولكن بناءً على مبنى المشهور أو الإمام (قدس سره) أنه إذا كانت لديه سفاهة مالية -ولو لم تكن في الأمور غير المالية- فلا بد أن يكون النکاح بإذن الولي؛ فهذه الأمور شروط، وطبيعياً يكون لتعيين الجد أو الأب مدخلية في صحة النکاح. وعليه، فبناءً على رأينا، لا تثبت شرطية تعيين الزوج أو الزوجة إلا في فرض اتصاف الشخص بالسفاهة في أمر النکاح أو في الأمور غير المالية أيضاً؛ وإلا فلو لم تكن لديه سفاهة في أمر النکاح أو في مطلق الأمور غير المالية، فلا يشترط تعيين المرأة. وتعيين المهر كذلك -على مبنانا- ليس شرطاً في صحة النکاح، بل هو شرط في صحة المهر؛ إذ يمنع من بطلان المهر، وإلا فلا تأثير له في أصل النکاح. نعم، لو التزم أحد بالوحدة في المطلوب، لوجب عليه عده شرطاً.

الشرط الثاني

والشرط الثاني الذي لم يرد ذكره في كلمات الإمام والمرحوم السيد، هو “الاضطرار”؛ حيث أفاد المحقق في الشرائع: «والمحجور عليه للتبذير لا يجوز له أن يتزوج غير مضطر ولو أوقع كان العقد فاسداً»؛ فهو يقرر أن من يحجر عليه ويمنع من التصرف في أمواله بسبب التبذير والإسراف -وهو السفيه- فكأنه يقول: «والسفيه لا يجوز له أن يتزوج غير مضطر»، فالسفه ما لم يبلغ حد الاضطرار لا يسوغ له الزواج؛ أي إن إذن الأب وحده لا يكفي، بل لا بد من بلوغه حد الاضطرار إلى النکاح أيضاً. فلو أوقع السفيه العقد من دون أن يعرض له اضطرار، كان العقد فاسداً. وهذا الشرط لم يُنقل في عبارة العروة ولا في عبارة التحرير؛ إذ لم يشر المرحوم السيد في المسألة السابعة من العروة إلى مسألة الاضطرار أصلاً. والاضطرار إلى النکاح يعني بلوغه حداً بحيث لو لم يتزوج لترتبت عليه آثار وعواقب سيئة؛ كأن يقع -العياذ بالله- في الحرام والمعصية، أو يترتب على ذلك آثار جسدية ونفسية بليغة السوء في حقه. فالمضطر إلى النکاح هو من يتضرر ضرراً شديداً بترك الزواج والنکاح؛ فلا بد من بلوغ هذه المرحلة ليأذن له الأب ويتمكن من الزواج.

دراسة الشرط الثاني

ويبدو أنه لا وجه لهذا الشرط؛ فإن أصل النکاح ليس جائزاً فحسب، بل هو مستحب، ومن المستحبات المؤكدة؛ وهذا حکم عام وثابت للجميع. غاية الأمر أنه بسبب المانع، مُنع البعض ومنهم السفيه والصبي؛ وهو منع من الإقدام دون إذن الولي ورضاه. وعلى كل حال، فقد عُدّ نکاح هؤلاء مشروعاً ومستساغاً في ظروف خاصة. والحال أن السفيه إنما مُنع لأجل التبذير ولأنه لا يسعه تشخيص صلاحه وفساده؛ غير أن تعيين المرأة وتشخيص الصلاح والفساد في أمر النکاح قد أُوكل إلى الولي وقيل إنه لا يتزوج دون إذنه؛ فمن أين جاء قيد الاضطرار هاهنا؟ وبأي دليل نقول إن الشخص السفيه لا يسوغ له الزواج ما لم يبلغ حد الاضطرار؟ ففي ذلك الحكم العام باستحباب النکاح لا مطرح لمسألة الاضطرار؛ فنکاح من لا اضطرار له مطلقاً ويميل إلى الانتفاع بمزايا النکاح لا إشكال فيه بل هو محط تأكيد بليغ. فبأي دليل نشترط الاضطرار في حق السفيه؟ ولذا أبدى المرحوم صاحب الجواهر تعجبه من اشتراط المرحوم المحقق وقال: «وهو عجيبٌ، فإن الولي يجوز له أن يأذن السفيه بالتمتع على نحو ما يتمتع غيره من العقلاء»، فلوليه أن يبيح له ويأذن للسفيه في التمتع على النحو الذي يتمتع به سائر العقلاء؛ «ومن الواضح أن العقلاء لا يكون نکاحهم محصوراً في مواقع الاضطرار»، فهل ينحصر نکاح العقلاء في حال عروض الاضطرار فحسب؟ «بل قد لا يكونون مضطرين إليه ولكن ينتفعون به انتفاعاً مباحاً فلم لا يجوز للسفيه»، فكما لا يلزم في حق العقلاء بلوغ حد الاضطرار لأجل نيل الانتفاع في باب النکاح، فكذا الشأن في السفيه؛ إذ ليس للسفيه إلا مشكلة ومانع واحد وهو أنه لا يحسن الإنفاق، فإذا فُوض أمره إلى الولي ارتفع هذا المانع. ثم يقول: «فهل يجري مثله في السكنى وأكل الفواكه ولبس الثياب لتحدد بالاضطرار»، ففي باب السكنى في موضع ما، وأكل الفاكهة، ولبس الثياب، هل حدد أحد هذه الأمور بالاضطرار؟ هل قال أحد إن السفيه لأجل أكل الفاكهة ولبس الثياب والسكنى في دار لا بد أن يبلغ حد الاضطرار؟ كلا؛ فإنها من الانتفاع المباح الذي لا يسعه التصرف فيه رأساً بمفرده، ولأبيه أو جده الإذن له في كل نوع من أنواع الانتفاع المباح وإن لم يبلغ حد الاضطرار؛ والمسألة في النکاح تجري على هذا المنوال عينه.

السؤال:

الأستاذ: السفيه ليس فاقداً للعقل ولا جنون به؛ فالسفيه هو من به خفة عقل بمعنى أنه لا يعلم صلاحه وفساده، ولكنه واجد للغريزة الجنسية. فالسفيه كباقي البشر يميل إلى الغذاء والطعام وله حاجات عاطفية، وكل هذه الأمور ثابتة في حقه… فلِمَ يجب أن يبلغ حد الاضطرار؟ فلو كان السفيه قادراً على التحمل فليتحمل؛ أما الآن وهو لم يبلغ حد الاضطرار، فبأي دليل نقول بهذا؟… إن للاضطرار مراتب؛ فتارة يكون في حد أكل الميتة؛ كأن تنحصر في موضع ولا تجد طعاماً وتشرف على الهلاك مخمصةً، وهناك ذبيحة غير مزكاة؛ كشاة لم تذکّ تذكية شرعية؛ فهنا قالوا يسوغ لك تناول اللحم غير المزكى لإنقاذ حياتك. فهذه أشد مراتب الاضطرار. وفي مرتبة أدنى، لنفرض أنك بلغت موضعاً ما وكان الماء كدراً، فهنا لئن لم يكن شرب هذا الماء ممنوعاً شرعاً، إلا أنك تشربه لرفع الظمأ. فهذا اضطرار؛ أي بالحد الذي تجد نفسك فيه مدفوعاً ومضطراً لفعل ذلك العمل. ومثاله: من أصيب بمرض عضال ولزمه الإنفاق واضطر لبيع داره؛ فهنا يقال إنه قد عرض له الاضطرار إلى البيع؛ أي إن عاملاً ألجأه لهذا الصنيع، ولولا هذا العامل لما باع داره. فبأي دليل نشترط الاضطرار في صحة نکاح السفيه؟ أي إن السفيه ما لم يبلغ هذا الحد لا يسوغ له التزوج؟ والقول في هذا: ما الفارق بين هذا وبين سائر انتفاعاته المباحة؟ وهل يقول أحد إن السفيه لزمه بلوغ حد الاضطرار ليأكل ويأذن له أبوه أو يتصرف في ماله؟ كلا.

وبناءً على هذا في المجموع، فإن الاضطرار بوصفه شرطاً في صحة نکاح السفيه غير قابل للقبول. ولذا لم يرد هذا الشرط في كلام الإمام (ره) ولا في كلام المرحوم السيد.

فإذن، بناءً على مبنى المشهور، فإن الشرط الوحيد هو أنه مضافاً إلى إذن الولي، يتعين عليه تعيين المهر والمرأة أيضاً؛ غير أنه قد سجلنا إشكالاً على هذا المطلب عينه وقلنا إن تعيين المهر والمرأة لازم في بعض الفروض لا في جميع فروض المسألة. وعلى كل حال، فإذا كان فاقداً للرشد المالي وواجداً للرشد في الأمور غير المالية، فلا تعيين المهر شرط ولا تعيين المرأة؛ لكونه قادراً بنفسه على تعيين الزوجة ولا سفاهة لديه فيها؛ وفي مورد المهر قلنا إن غاية الأمر أنه لو عين المهر بنفسه لم يبطل أصل النکاح وإنما يبطل المهر فحسب. نعم، تعيين المهر شرط لصحة المهر لا لصحة النکاح. وأما في الموضع الذي يفتقر فيه للرشد المالي وغير المالي معاً، فهناك يكون تعيين المرأة على عهدة الولي؛ ولكن لا يزال تعيين المهر ليس شرطاً في صحة النکاح بل شرط في صحة المهر. وإذا كان هذا الشخص رشيداً في الأمور غير المالية وغير رشيد في الأمور المالية، فهنا أيضاً هكذا؛ تعيين المرأة ليس شرطاً في صحة النکاح، وتتعيين المهر شرط في صحة المهر. ولو كان رشيداً في الأمور المالية وغير رشيد في الأمور غير المالية، فهنا أيضاً تتوقف صحة نکاحه على إذن الولي.

السؤال:

الأستاذ: إننا خلافاً للمشهور الذين قصروا السفيه على من لا يشخص صلاحه وفساده في الأمور المالية فحسب، قلنا إن هذا لا يختص بالأمور المالية.

وعليه، فإن من يفتقر للرشد في الأمور غير المالية وإن كان رشيداً في الأمور المالية، فإن صحة نکاحه تتوقف أيضاً على إذن الولي. وبطبيعة الحال، فإن تعيين المهر شرط في صحة المهر، ولكن يتعين أن يكون اختيار الزوجة بيد الولي أيضاً؛ فلو لم يعين الولي الزوجة، لم يصح ذلك النکاح.

هذا تمام الكلام في الفرع الأول مع كافة الملاحظات.