الدرس السادس والثلاثون، مسألة 7، الفرع الأول، أدلة عدم صحة نكاح السفيه بدون إذن الولي، الدليل الثاني
الدرس السادس والثلاثون
مسألة 7 – الفرع الأول – أدلة عدم صحة نكاح السفيه بدون إذن الولي – الدليل الثاني: الروايات – الطائفة الثانية ودراستها – الإشكال الأول والثاني والإجابة عنهما
29 جمادى الآخرة 1447 هـ
خلاصة الدرس السابق
كان البحث في الدليل الثاني على عدم صحة نكاح السفيه بدون إذن الولي. الدليل الثاني هو الروايات؛ وقد ذكرنا أنه يمكن الاستدلال بعدة طوائف من الروايات. الطائفة الأولى، هي الروايات التي تمنع بنحو عام من أي نوع من تصرفات السفيه. وقلنا إنه يمكن الاستناد إلى إطلاق هذه الروايات والقول بأن النكاح يُعد أيضاً من تصرفات السفيه، ولذا فهو ممنوع.
الطائفة الثانية
الطائفة الثانية، هي الروايات التي تمنع من معاملات السفيه وتصرفاته المالية؛ ففي بعض الروايات مُنع السفيه من أي نوع من الدخل والتصرف في أمواله. فإذا أطلقنا مصطلح “السفيه” وفقاً للاصطلاح المشهور على من لا يستطيع تشخيص صلاحه وفساده في الأمور المالية (بما أن موضوع المسألة هو السفيه المبذر، أي السفيه الذي لا يملك القدرة على التشخيص في الأمور المالية)، فإن نكاحه استناداً إلى هذه الروايات يُعد غير جائز.
وتقريب الاستدلال بهذه الطائفة من الروايات التي تمنع من التصرفات المالية للسفيه، هو أن الشارع إذا لم يعتبر تصرف السفيه المالي بدون إذن الولي صحيحاً، فمن باب أولى يجب ألا يعتبره صحيحاً في مورد النكاح. بعبارة أخرى، نحن نقوم بـ “إلغاء الخصوصية” من الأمور المالية ونقول: عندما لا يكون له حق الاختيار في أبسط وأصغر التصرفات المالية ويُمنع من أي نوع من التصرف المالي (سواء كان صغيراً أو كبيراً)، فإنه قهراً في أمر الزواج الذي يُعد مسألة مهمة (إن لم نقل بطريق الأولوية، فهو على الأقل يندرج في مصاف الأمور المالية) يكون ممنوعاً.
السؤال: …
الأستاذ: يقع البحث في هذا الأمر بالتحديد؛ فالدليل الأول الذي أوردنا عليه إشكالاً، كان يرتكز على أن النكاح أمر مالي، وبما أن هذا الشخص سفيه، فلا يمكنه الزواج بدون إذن الولي؛ لأن النكاح يستلزم مهراً ونفقة؛ ونحن رددنا هذا القول. أما مسألة أن يكون الشخص غير سفيه في الأمور المالية ولكنه سفيه في أمر اختيار الزوجة، فهي مسألة طرحها المرحوم السيد (اليزدي) في المسألة الثامنة من العروة. وقد طرحها الإمام (الخميني) (قدس سره) معاً في مورد واحد، لأن حكمهما لا يختلف. وبناءً على ذلك، فإن الأدلة التي نقيمها مطلقة؛ سواء لمن كان سفيهاً في الأمور المالية أو من كان سفيهاً في اختيار الزوجة. فلو كان شخص ما سفيهاً في الأمور المالية ولكنه لم يكن سفيهاً في اختيار الزوجة، وكان قادراً على اختيار زوجته، فهل يبطل نكاحه بدون إذن الولي أيضاً؟ نحن سندرس هذه الأدلة من هذه الزاوية.
وبناءً عليه، فإن الطائفة الثانية هي الروايات التي وإن منعت من التصرفات المالية، إلا أنه من خلال إلغاء الخصوصية أو عن طريق الأولوية، يمكننا القول بشمولها للنكاح أيضاً. وبطبيعة الحال، فإن الأولوية هنا متحققة حتماً قياساً بالتصرفات المالية الجزئية؛ فأمر النكاح قطعاً أهم من التصرفات المالية الجزئية. أما في التصرفات الكبيرة والكلية، فليس من المعلوم أن نتمكن من إثبات الأولوية للنكاح قياساً بها.
وعلى أي حال، فإن الطائفة الثانية من الروايات الدالة على المنع من التصرفات والمعاملات المالية للسفيه، تدل بإلغاء الخصوصية أو بطريق الأولوية على المنع من نكاح السفيه بدون إذن الولي.
ولا بد من الالتفات إلى نكتة واحدة فقط؛ وهي أن هذه الطائفة تشمل السفيه المطلق؛ أي الشخص الذي يعاني من السفاهة في الأمور المالية وفي أمر اختيار الزوجة وأمثال ذلك معاً. أما إذا كان الشخص سفيهاً في الأمور المالية ولكنه ليس سفيهاً في أمر اختيار الزوجة، أي يمكنه التشخيص بدقة من هي التي تصلح للعيش معه ومن هي التي لا تصلح، ويمكنه تشخيص صلاحه وفساده في هذا الأمر؛ فهل يشمل هذا الشخص أيضاً عنوان هذه الطائفة؟ يبدو ذلك مستبعداً؛ إلا إذا قال قائل بالتلازم بينهما؛ بمعنى أن من كان سفيهاً في الأمور المالية، فإنه لا يمتلك القدرة على اختيار الزوجة ولا يمكنه تشخيص صلاحه وفساده في هذه المسألة أيضاً. ولكن فرض ذلك لا إشكال فيه؛ فإذا افترضنا (وهو أمر غير مستبعد أيضاً) شخصاً يعاني من السفاهة في الأمور المالية ولا يمكنه تشخيص صلاحه وفساده فيها، ولكنه من الناحية العلمية وفي شؤون الحياة بمعنى قدرته على فهم من هي الزوجة المناسبة له لا يعاني من مشكلة من هذه الجهة؛ فهل يمكننا أن نعتبر هذه الفئة وهذا الشخص مشمولاً لهذه الطائفة؟ يبدو أن هذا الأمر مشكل.
السؤال: …
الأستاذ: ليس أمراً شاملاً لا يتبعّض بل يقبل التجزئة؛ فقد يكون شخص ما سفيهاً حقاً في الأمور المالية والحسابات والمداخيل والمخارج ولا يمكنه تشخيص صلاحه وفساده، ولكنه ليس كذلك في أمر اختيار الزوجة؛ وقد أوضحنا ذلك.
على أية حال، فإن الطائفة الثانية من الروايات تشمل حتماً السفيه في الأمور المالية والسفيه في أمر اختيار الزوجة؛ لأن إلغاء الخصوصية صحيح، بل وفي بعض الموارد تكون الأولوية في الجملة مقبولة أيضاً. ولذا، إذا مُنع السفيه المطلق من التصرف في الأمور المالية، فإنه يُمنع من النكاح بدون إذن الولي أيضاً. أما القول بشمول هذه الطائفة للسفيه في الأمور المالية وغير السفيه في أمر الزواج، فهذا مشكل. بعبارة أخرى، إذا أردنا أن نقول بنحو مطلق إن من كان سفيهاً في الأمور المالية فهو ممنوع أيضاً من النكاح بدون إذن الولي في أمر الزواج، حتى وإن كان يمتلك القدرة على اختيار الزوجة، فإن هذا مشكل ونحن لا نقبل هذا الإطلاق.
السؤال: …
الأستاذ: أنت تقول إذا كان شخص قادراً على اختيار الزوجة (لأن اختيار المرأة وتحديد المهر هو أهم ركن في النكاح) ولكنه يعاني من السفاهة في الأمور المالية، فهو ممنوع من تحديد المهر؛ لأن هذا تصرف مالي ولذا فالعقد والمهر باطلان؛ فلماذا نقول بذلك؟ هذا يشبه البحث السابق الذي اختار فيه البعض هذا القول نفسه؛ فلو افترضنا أن السفيه المالي أقدم على النكاح بدون إذن الولي، أي الشخص الذي لا يستطيع تشخيص صلاحه وفساده في الأمر المالي ولكنه لا يعاني من مشكلة في اختيار الزوجة، فإننا نقول إن هذا العقد يمكن أن يكون صحيحاً ولكن بما أن المهر يُعد إقداماً وتصرفاً مالياً ولم يكن له حق التصرف المالي، فهو باطل ويُرجع إلى مهر المثل. وقد ذهب الإمام (الخميني) وبعض الأعلام الآخرين إلى هذا الرأي في المسألة السابقة؛ نعم، أورد البعض إشكالاً بأنه لا يمكن تفكيك أصل النكاح عن المهر، لأن لدينا وحدة مطلوب وليس هناك تعدد مطلوب في البين؛ وهذا مبنى آخر. وقد قلنا نحن: ما الإشكال في ذلك؟ وهذا كان رأي الشيخ الأنصاري والإمام (الخميني). وفقاً لمبنى تعدد المطلوب، ما المحذور في ألا نحكم ببطلان النكاح بل نحكم ببطلان المهر والرجوع إلى مهر المثل؟ …. وكان البحث يدور حول ما إذا كان بإمكاننا اعتبار أصل الزوجية مع المهر أمرين مستقلين والقول بأنهما مسألتان أم لا. فإذا قلنا بتعدد المطلوب، فما هو المحذور؟ وهنا نفعل الشيء نفسه؛ فلماذا نقول بالبطلان؟ إذن، قولك: كيف يمكن الحكم بصحة النكاح بدون إذن الولي في حين أن المهر هو أحد أركان النكاح والفرض أن هذا الشخص سفيه في الأمور المالية؛ فجوابه أننا نفكك بينهما ونقول: إن الحيثية التي لم تكن فيها مشكلة ولم تكن تصرفاً ممنوعاً منه، نحكم بصحتها، أما فيما يخص المهر فنقول إنه باطل ويُرجع إلى مهر المثل. لأن الفرض أن الطائفة الثانية تقول: إذا كان ممنوع التصرف في الأمور المالية، فهو ممنوع في سائر التصرفات أيضاً؛ لعدم وجود خصوصية للأمور المالية أو أن النكاح ممنوع بطريق الأولوية. ونحن نقول: هذا يختص بمورد تكون له سفاهة في ذلك المجال؛ فإذا لم يكن هذا الشخص سفيهاً في أمر النكاح واختيار الزوجة، فلماذا نحكم بالبطلان؟
الطائفة الثالثة
الطائفة الثالثة، هي الروايات الخاصة؛ والمقصود من الروايات الخاصة، أي الروايات التي وردت بخصوص أمر زواج السفيه. فالطائفة الأولى والثانية، كانت تتعلق إما بمطلق التصرفات أو بالتصرفات المالية؛ غاية الأمر أننا أردنا شمولها للنكاح من طريق الإطلاق أو إلغاء الخصوصية والأولوية. أما هذه الطائفة فهي واردة في النكاح بالخصوص. والمشكلة الوحيدة فيها أنها وردت في خصوص المرأة. «الْمَرْأَةُ الَّتِي قَدْ مَلَكَتْ نَفْسَهَا غَيْرُ السَّفِيهَةِ وَ لَا الْمُوَلَّى عَلَيْهَا تَزْوِيجُهَا بِغَيْرِ وَلِيٍّ جَائِزٌ»؛ يقول الإمام الباقر (عليه السلام): المرأة التي أمرها واختيارها بيدها ولا ولاية لأحد عليها، … ثم يوضح أن «قد ملكت نفسها» تعني المرأة التي ليست بسفيهة؛ أي المرأة التي ليست مولى عليها؛ ولا ولاية للأب أو الجد عليها لأي سبب كان؛ فإذا زوجها أحد بدون إذن وليها، فهذا جائز. وبناءً على هذه الرواية، فقد قُيد استقلال هذه المرأة في أمر النكاح بعد البلوغ بعدم كونها سفيهة؛ لأنه عندما يقول «قد ملكت نفسها» فهذا يعني المرأة التي بلغت؛ فقبل البلوغ لم تكن مالكة لنفسها وكان لها ولي؛ أما عندما بلغت، فأمر نكاحها بيدها ولكن بشرط واحد وهو ألا تكون سفيهة. إذن، السفاهة مانعة من الاختيار في أمر النكاح؛ فإذا كانت المرأة سفيهة، لا يمكنها الزواج بدون الحصول على إذن من أبيها أو جدها.
دراسة الطائفة الثالثة
وقد سُجلت إشكالات على هذه الرواية.
الإشكال الأول
الإشكال الأول هو أن هذه الرواية مختصة بالمرأة؛ لأننا نبحث في خصوص هذه الرواية. فهذه الرواية وأمثالها تمنع من تزويج البنت وتقول إن المرأة السفيهة لا يمكنها الزواج بدون إذن الأب؛ ولذا فهي لا تشمل الابن. وغاية ما في الأمر، أنه إذا قُبل سند هذه الرواية (وهو لا يعاني من مشكلة من الناحية السندية بطبيعة الحال) ولم تكن دلالتها فيها مشكلة أيضاً، فإنها تختص بزواج البنت ولم تمنع من نكاح وزواج الابن السفيه.
الجواب
الجواب هو أنه يمكننا من طريق الأولوية استفادة المنع بالنسبة للرجل السفيه أيضاً؛ لأنه إذا كانت السفيهة البالغة التي لا يُطلب منها تحديد مهر ولا تجب عليها نفقة، أي أن مسألة زواجها غير مرتبطة بأمر مالي، قد مُنعت من هذا العمل مع ذلك، فبطريق الأولوية يُمنع الابن الذي يجب عليه تحديد المهر ودفع النفقة من الزواج بدون إذن الولي.
الإشكال الثاني
الإشكال الآخر هو أن هذه الرواية هي إحدى الروايات التي استُند إليها في أمر نكاح البنت البالغة الرشيدة، وإذا كنتم تذكرون، فقد تعددت الأقوال هناك؛ حول ما إذا كان يحق للبنت البالغة الرشيدة الزواج بدون إذن الأب أم لا. فذهب فريق إلى المنع؛ وذهب فريق إلى الجواز استقلالاً؛ وقال بعض بالاشتراك، أي أنهم اعتبروا إذن الأب وإذن البنت معاً دخيلين في صحة النكاح. وكانت هذه الرواية إحدى مستندات القائلين باستقلال البالغة الرشيدة في أمر النكاح. لكننا ذكرنا هناك أن هذه الرواية لها معارض؛ أي أنه طبقاً لبعض الروايات، لا يحق لها القيام بذلك. وفي بعض الروايات يلزم انضمام رضا البنت وإذن الأب. ومع وجود هذه الروايات المعارضة، لعلنا لا نتمكن من الاستناد إلى هذه الرواية.
الجواب
يمكن الإجابة عن هذا الإشكال. والجواب هو أنه على أي حال لا تأثير لجهة السفاهة في المسألة؛ أي سواء قلنا بالاستقلال أو قلنا بالاشتراك، فإن قيد “عدم السفاهة” معتبر في المسألة في نهاية المطاف. ولذا، ليس من المستبعد أن نقبل دلالة هذه الرواية.