The news is by your side.

الدرس الثلاثون، المسألة السادسة، الفرض الثاني، القول الثاني

الدرس الثلاثون
المسألة السادسة – الفرض الثاني – القول الثاني: بطلان العقد والمهر – أدلة القول الثاني – الدليل الخامس – القول الثالث: صحة العقد وبطلان المهر – أدلة القول الثالث – الدليل الأول ودراسته – الإشكال الأول والثاني ودراستهما

16 جمادى الآخرة 1447 هـ

خلاصة الدرس السابق

يدور البحث حول القول ببطلان العقد والمهر في المورد الذي يزوج فيه الولي الولد غير البالغ أو البنت غير البالغة بأكثر من مهر المثل أو أقل منه. وقد ذكرنا أربعة أدلة لهذا القول، وسُجلت إشكالات عليها جميعاً. وقبل أن نتطرق للقول الثالث، أي القول بصحة العقد وبطلان المهر، بقي دليل واحد من أدلة القول الثاني، سنذكره إن شاء الله ثم نشرع في القول الثالث.

الدليل الخامس

الدليل الخامس للبطلان هو التعليل الوارد في رواية أبي حمزة الثمالي، والذي يُحذّر من التصرف في مال الولد بأكثر من الضرورة: «عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الثُّمَالِيِّ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (ع) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (ص) لِرَجُلٍ أَنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ ثُمَّ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ (ع) وَمَا أُحِبُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِ ابْنِهِ إِلَّا مَا احْتَاجَ إِلَيْهِ مِمَّا لَا بُدَّ مِنْهُ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لا يُحِبُّ الْفَسادَ». وقد قرأنا هذه الرواية سابقاً؛ وبموجب هذه الرواية يقول الإمام الباقر (ع) لأبي حمزة الثمالي: للأب صلاحية على الولد وأمواله. لكنه يتابع قائلاً: لا أحب للأب أن يأخذ من مال ولده أكثر من مقدار الحاجة؛ فبإمكانه أن يأخذ من مال ولده المقدار الذي لا بد منه وبقدر الضرورة والحاجة؛ ولا يحق له التصرف بأكثر من ذلك. ثم بيّن علة هذا الأمر قائلاً: «إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَسادَ». إذن، فأخذ أكثر من مقدار الحاجة والضرورة يُعد مصداقاً للفساد الذي لا يحبه الله. وبناءً على ذلك، لو زوّج شخص ولده بأكثر من مهر المثل، فكأنه أخذ من ماله أكثر من مقدار الضرورة؛ ففي النهاية لمهر المثل مقدار محدد، وإذا جعلوا مهراً أكثر من مهر المثل، فهذا يعني الفساد، والله لا يحب الفساد. ولذا، فالعقد الذي يُبنى على هذا الأساس، يقع في إشكال بسبب هذه المسألة؛ ففي النهاية جعل مثل هذا المهر يوجب الفساد والاختلاف ويؤدي إلى النزاع، وهذا مشمول للتحريم و«إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَسادَ».

دراسة الدليل الخامس

لا يمكن لهذا الدليل أن يثبت بطلان العقد؛ غاية ما يثبته هو بطلان المهر نفسه. لأن موضوع الكلام هو جعل المهر أكثر من مهر المثل؛ فلو اعتبرنا هذا مصداقاً للتصرف في مال الولد بأكثر من مقدار الضرورة والحاجة، فغاية ما هنالك هو فساد هذا المهر وبطلانه. أما ما هو معنى البطلان، فلا شأن لنا به الآن، ولكن بأي دليل يكون العقد نفسه باطلاً؟ لو كان ثمة طريق لإرجاع هذه الأموال، كأن نضع هذا تحت اختيار الولد مثلاً، فإذا قَبِل هو ورضي بهذا المهر (المهر الذي هو أكثر من مهر المثل)، فهنا لا يكون مشمولاً لـ«إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَسادَ»؛ لأن الولد نفسه راضٍ ويمتلك هذا الخيار والحق. ولذا، فهذا التعليل الوارد في ذيل الرواية، لا يمكنه إثبات بطلان العقد.
ولا يوجد دليل آخر في هذه المسألة؛ سوى أن المرحوم السيد الحكيم قد ذكر مطلباً في ذيل الاستناد إلى “لا ضرر”، وسنعرضه إن شاء الله.

القول الثالث: صحة العقد وبطلان المهر

القول الثالث هو القول بصحة العقد وبطلان المهر. وقد التزم الإمام (رضي الله عنه) بهذا القول في متن التحرير قائلاً: «فَالْأَقْوَى صِحَّةُ الْعَقْدِ وَلُزُومُهُ وَبُطْلَانُ الْمَهْرِ»؛ ثم بيّن معنى البطلان، أي ما هو معنى بطلان المهر: «بِمَعْنَى عَدَمِ نُفُوذِهِ وَتَوَقُّفِهِ عَلَى الْإِجَازَةِ بَعْدَ الْبُلُوغِ»، فالمقصود من بطلان المهر هو أن هذا المهر غير نافذ بل متوقف على الإجازة بعد البلوغ. «فَإِنْ أَجَازَ اسْتَقَرَّ، وَإِلَّا رَجَعَ إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ»، فلو أجاز هذا الولد أو البنت بعد البلوغ، فإن هذا العقد يستقر؛ أما إذا لم يُجز العقد فلا يبطل، بل يُرجع إلى مهر المثل. وبناءً عليه فالعقد صحيح، ولكن يُجعل مهر المثل هو الملاك والمعيار بدلاً من المهر المسمى. وهذا المعنى من البطلان، ليس من قبيل ما يُقال في العقد الفضولي؛ بل هذا يختص بالمهر فقط. فلو كان البطلان يعني أن يبطل العقد كلياً في صورة عدم الإجازة، فهذا يعني كأنهم يقولون بصحة شأنية لهذا العقد، لا فعلية؛ لأن كل شيء يدور مدار الإجازة؛ فلو لم يُجز، بطل العقد. الإمام لا يريد القول بهذا هنا؛ بل يقول لو أجاز استقر العقد، أما إذا لم يُجز، فالمهر المسمى فقط يتبدل.

كلام المرحوم السيد

وقد اختار المرحوم الشيخ الأنصاري هذا القول أيضاً في رسالة النكاح، خلافاً للمرحوم السيد. وقد قرأنا عبارة المرحوم السيد حيث قال: «أَقْوَاهُمَا الثَّانِي»؛ وقد أوضحنا “الثاني” وقلنا إنه يعني بطلان العقد والمهر. ثم بيّن معنى البطلان قائلاً: «وَالْمُرَادُ مِنَ الْبُطْلَانِ عَدَمُ النُّفُوذِ بِمَعْنَى تَوَقُّفِهِ عَلَى إِجَازَتِهَا بَعْدَ الْبُلُوغِ»؛ وهذا هو نفسه الذي يُستفاد من عبارة الإمام. فالبطلان يعني عدم نفوذ المهر وتوقفه على إجازة الصغير أو الصغيرة.
وقد ذكر المرحوم السيد في التتمة احتمالاً آخر للبطلان، والذي أُشكل عليه من قِبل بعض المحشين؛ فقد قال المرحوم السيد: «وَيُحْتَمَلُ الْبُطْلَانُ وَلَوْ مَعَ الْإِجَازَةِ»، أي يُحتمل أن نقول بالبطلان ولو مع الإجازة. «بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ وُجُودِ الْمُجِيزِ فِي الْحَالِ»، بناءً على وجوب وجود المجيز في حال العقد وامتلاكه لأهلية الإجازة، وهذا غير متحقق هنا؛ أي حتى لو أجاز، فإن هذه الإجازة لا تنفع وليست بنافذة. لأنه في حال العقد لم يكن يمتلك أهلية الإجازة ولم يكن بالغاً بعد؛ فوفقاً لهذا المبنى، تكون الإجازة نافذة في صورة وجود المجيز في حال العقد؛ أي أن يمتلك أهلية الإجازة؛ في حين أنه لم يكن بالغاً وقت العقد ولم يكن يمتلك أهلية الإجازة. ولذا، فقد احتمل المرحوم السيد البطلان، حتى مع الإجازة.
وهذا الاحتمال قد أُشكل عليه من قِبل بعض المحشين، ومنهم الإمام (رضي الله عنه) نفسه؛ ففي ذيل هذه العبارة للمرحوم السيد والتي قال فيها: «وَيُحْتَمَلُ الْبُطْلَانُ»، علّق قائلاً: «مَرَّ ضَعْفُهُ»، فهذا الاحتمال ضعيف؛ لأن أصل ذلك المبنى غير صحيح. فالمبنى نفسه محل إشكال.
وقد علّق كل من المرحوم المحقق العراقي والمحقق النائيني هنا أيضاً؛ فقد كتب المحقق العراقي: «وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدّاً وَوَجْهُهُ وَاضِحٌ»؛ فهو يقول إن هذا الاحتمال ضعيف جداً ووجهه واضح أيضاً. وللمحقق النائيني تعليقة هنا أيضاً: «تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَقْوَى خِلَافُهُ»، فالأقوى خلاف هذا الاحتمال.
وعلى أي حال، في مورد القول بصحة العقد وبطلان المهر الذي تبناه الإمام (رضي الله عنه)، يوجد احتمالان آخران في تفسير بطلان المهر، غير هذه النقطة التي ذكرناها. فما هو معنى قولنا إن العقد صحيح والمهر باطل؟
أحد الاحتمالين هو ما ورد في عبارة التحرير: «بِمَعْنَى عَدَمِ نُفُوذِهِ وَتَوَقُّفِهِ عَلَى الْإِجَازَةِ بَعْدَ الْبُلُوغِ فَإِنْ أَجَازَ اسْتَقَرَّ وَإِلَّا رَجَعَ إِلَى مَهْرِ الْمِثْلِ»؛ فلو أجاز، استقر هذا المهر نفسه، وإلا رُجع إلى مهر المثل؛ فلو لم يُجز هذا المهر، رُجع إلى مهر المثل.
والاحتمال الآخر في البطلان، هو أنه لو لم يقبل هذا الشخص، رُجع إلى مهر المثل؛ بمعنى أن العقد صحيح منذ البداية، أما في مورد المهر، فينتقل إلى مهر المثل دون توقف على الإجازة. وهذا الاحتمال يُستفاد من بعض العبارات؛ بمعنى أنه غير متوقف على إجازته؛ بل ينتقل ابتداءً إلى مهر المثل. وهذا غير الاحتمال الوارد في عبارة المرحوم السيد؛ فهذا الاحتمال غير صحيح أيضاً.
وخلاصة القول هي أن القول الثالث هو القول بصحة العقد وبطلان المهر.
السؤال: …
الأستاذ: يعني مثلاً زُوج بأكثر من مهر المثل وهذا متوقف على إجازة الولد؛ فلو لم يُجز الولد والفرض هو الرجوع إلى مهر المثل. فهنا على القاعدة، من لا يقبل هي البنت؛ لأن هذا لصالح الولد هنا؛ فالمهر المسمى الذي كان أكثر من مهر المثل قد قلّ. … المشكلة التي قد تحدث هي من ناحية البنت؛ فهي قد رضيت بالمهر المسمى ولكنها قد لا ترضى بمهر المثل، فما العمل هنا؟ … دعوني أذكر أدلة هذا القول؛ فهذا مطروح كشبهة في التتمة. بمعنى أن ندرس الأدلة التي أُقيمت على هذا القول القائل ببطلان المهر وصحة العقد، وعندها يكون هذا السؤال في محله؛ لأن إشكالكم وشبهتكم هذه تَرِد تلقائياً بعد أدلة هؤلاء الأعلام. سأذكر هذه الأدلة الآن لعلها تساعد في فهم أفضل لهذا الإشكال ونقطة الضعف الموجودة في هذا القول.

أدلة القول الثالث

العمدة هي أن نرى ما هو الدليل على هذه المسألة؛ فلماذا العقد صحيح والمهر باطل؟ لعلنا نتمكن هنا من ذكر بضعة أدلة لهذا القول.

الدليل الأول

قال الشيخ الأنصاري: العقد المُنشأ يَنحلّ إلى أمرين. فلدينا هنا شيئان؛ أحدهما التزويج والآخر المهر. فلا توجد أية مشكلة من ناحية التزويج؛ فالفرض هو أن هذا التزويج قد بُني على أساس عدم المفسدة وأن الولي قد لاحظ هذه النقطة في هذا التزويج. إذن فهذا لا إشكال فيه. أما من ناحية المهر، فلدينا مشكلة؛ فهذا ضرر على الزوج؛ فلو زُوج الولد بأكثر من مهر المثل، ففي ذلك ضرر على الزوج، ولذا نحن نرى أن المهر خصوصاً يكتنفه الإشكال؛ أما التزويج فلا مشكلة فيه. وبما أنهما أمران مستقلان، فيمكننا الحكم بصحة العقد ولكن نعتبر المهر باطلاً. صحيح أن هذا إنشاء واحد بظاهره، ولكنه “فِي قُوَّةِ إِنْشَائَيْنِ”، فهو في قوة إنشائين؛ وهذا من قبيل تعدد المطلوب. بمعنى وجود مطلوبين هنا؛ مطلوب هو أصل التزويج، ومطلوب آخر هو المهر. فلو وقع إشكال في أحد المطلوبين، فهل نقول إن المطلوب الآخر لم يتحقق أيضاً؟ إذن فالمسألة تبتني على اعتبارنا العقد والمهر شيئاً واحداً من قبيل القيد والمقيد ووحدة المطلوب، أو من قبيل تعدد المطلوب. وبما أن المطلوب في هذا العقد متعدد، فيمكننا القول بالنسبة إلى المهر إن هذا المهر باطل، أما بالنسبة للعقد فلا توجد مشكلة. وهذا ليس من قبيل القيد والمقيد، ولذا فلا مانع من انحلالهما؛ وهذا نظير “بَيْعِ مَا يُمْلَكُ وَمَا لَا يُمْلَكُ”؛ فالعرف يعتبر هذا في قوة إنشائين ومطلوبين، وهذا يكفي للحكم بصحة العقد وبطلان المهر. وهذا هو أهم دليل للقول الثالث.

دراسة الدليل الأول

كما عُرض، فإن الإشكال الوحيد الذي يَرِد على هذا القول هو:

الإشكال الأول

أنهما مطلوب واحد؛ فالتزويج والمهر من قبيل المقيد والقيد، ولأنهما مطلوب واحد، فإن فساد أحدهما يؤدي إلى فساد الآخر أيضاً. “إِذَا انْتَفَى الْقَيْدُ، انْتَفَى الْمُقَيَّدُ”؛ فعندما يكون المهر باطلاً، فإن العقد يبطل قهراً.

الإشكال الثاني

أننا نشك على الأقل في كون المطلوب واحداً أو متعدداً هنا. فلو كان المطلوب واحداً، فإن هذا العقد فاسد؛ ولو كان المطلوب متعدداً، فإن هذا العقد صحيح والمهر باطل. وفي صورة الشك في تعدد المطلوب ووحدة المطلوب، فإن “أصالة الفساد” هي المُحَكَّمة. فلو كان المطلوب واحداً، فإن هذا العقد فاسد؛ ولو كان المطلوب متعدداً، فإن هذا العقد صحيح؛ إذن نحن نشك في صحة وفساد هذا العقد، ومع الشك في الصحة والفساد، فإن “أصالة الفساد” تحكم بفساد العقد. وهذا هو الإشكال المطروح على هذا القول.

دراسة الإشكال الأول

ولكن لنرى هل أن هذا الإشكال وارد على هذا الدليل أم لا.
يبدو أنه في مورد هذه المسألة يمكننا الفصل بينهما؛ فصحيح أن صورة هذا العقد عقد واحد؛ وهو بحسب الظاهر إنشاء واحد، ولكنه قابل للانحلال إلى مطلوبين وإنشائين. فماذا يفعل العقلاء في مثل هذه الموارد؟ يقولون: إن لم تكن موافقاً على المهر، غيّرنا المهر؛ فليس الأمر بحيث لو لم يكن المهر مقبولاً، قالوا لا عقد إذن. فوفقاً للفهم العرفي ليسا من قبيل القيد والمقيد؛ لأن الفرض هو أن مسألة عدم المفسدة أو المصلحة قد روعيت في العقد؛ “إِنَّمَا الْفَسَادُ وَالضَّرَرُ فِي الْمَهْرِ”. فمجرد قدرتنا على فصل المصلحة والمفسدة في العقد عن المصلحة والمفسدة في المهر، يدل على تعدد المطلوب. فالفرض هو عدم وجود مفسدة في أصل هذا التزويج؛ والمفسدة تنحصر في هذا فقط. إذن فتفكيك المفسدتين أو المصلحتين، يؤيد أنهما ليسا من قبيل القيد والمقيد. فليس الأمر بحيث نقول: لا محالة، وبما أن هذا المهر فيه إشكال وفاسد، فالعقد فاسد إذن.

دراسة الإشكال الثاني

أما فيما يخص “أصالة الفساد”؛ فهذا في حال شكنا في صحة العقد وفساده وهو مبني أيضاً على عدم تعدد المطلوب أو تعدده. فعندما نقول بوضوح إن المطلوب متعدد وإمكانية تفكيك المطلوبين موجودة، فلا تصل النوبة إذن إلى “أصالة الفساد”. ولهذا البحث تتمة سنبينها في الدرس القادم.