The news is by your side.

الدرس السادس والستون، أصل البراءة، أدلة البراءة، الدليل الثاني

لدرس السادس والستون

أصل البراءة – أدلة البراءة – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى: حديث الرفع – دراسة دلالة حديث الرفع – الجزء الأول: الرفع – المطلب الثالث: رفع ظاهري أم واقعي؟ – الشاهد السادس (كلام الشهيد الصدر) – البعد السلبي (نفي التقريب الأول للرفع الواقعي)

28 ذو الحجة 1405 هـ / 8 دي 1404 ش

خلاصة الجلسة الماضية

تَمحْوَر البحث في الجهة الثالثة المرتبطة بلفظ «الرفع» في حديث الرفع حول تساؤل أساسي: هل المقصود من الرفع هو الرفع الظاهري أم الواقعي؟ وقد عُرض هذا البحث لأن البعض توهّم أن دلالة الحديث على البراءة تنحصر في فرض كونه ظاهرياً، وأنه لو كان واقعياً لسقط عن الصلاحية للاستدلال. وفي هذا السياق، جرى استعراض ومحاكمة خمسة شواهد أُقيمت لإثبات الرفع الظاهري، حيث أُوردت المناقشات على أغلبها بينما قُبِل بعضها الآخر.

الشاهد السادس (كلام الشهيد الصدر)

الشاهد السادس في مضمار إثبات الرفع الظاهري مستفاد من كلمات المحقق الشهيد الصدر (قدس سره)، وهو ما ندرسه ونحاكمه في هذه الجلسة.

أفاد الشهيد الصدر ببيان مبسوط في المقام، حيث تصدى للرد على القائلين بأن سبك الحديث يقتضي الرفع الواقعي، وأقام شواهد بديلة تثبت أن الرفع ظاهري، ولكن بصياغة صناعية مغايرة. وقد نبّه (رحمه الله) أولاً على نكتة أصولية؛ وهي أنه حتى لو فرضنا إجمال الحديث وتردده بين الرفع الواقعي والظاهري، فإن ذلك لا يسقط حجيته في إثبات البراءة، فليست دلالته منوطة من الأساس بوجوب إثبات الرفع الظاهري. إلا أنه مع ذلك، يرى أن الحديث في بعض الفروض ظاهرة في الرفع الظاهري.

وعليه، ينقسم كلامه إلى حجرين أساسيين:

  1. البعد السلبي: وهو تفنيد وحل دعوى دلالة الحديث على الرفع الواقعي.

  2. البعد الإيجابي: وهو إثبات ظهور الحديث في الرفع الظاهري.

وسنركز في هذا الدرس على “البعد السلبي” صياغةً ومحاكمة.

البعد السلبي (نفي التقريب الأول للرفع الواقعي)

ادعى جماعة من الأساطين أن حديث الرفع – بقطع النظر عن القرائن الخارجية – يمتلك ظهوراً ذاتياً في الرفع الواقعي. وحجتهم في ذلك: أن الحمل على الرفع الظاهري يحتاج إلى مؤونة زائدة وضَمّ قرينة تصرّف اللفظ عن حقيقته، في حين أن الرفع الواقعي يجري على مقتضى الأصل بلا مؤونة.

وقد صاغ الشهيد الصدر لهذه المؤونة المدعاة تقريبين، لبيان كيف حاول مستدل الرفع الواقعي إثبات لزوم القرينة الزائدة للقول بالرفع الظاهري.

التقريب الأول: (برهان وحدة السياق والمصب)

يتألف قوله «رُفع ما لا يعلمون» من ركنين أساسيين يفتقر كل منهما إلى متعلَّق:

  • الأول: فعل «رُفع»، وهو يطلب متعلَّقاً (المرفوع).

  • الثاني: الموصول والصلة «ما لا يعلمون»، وهو يطلب متعلَّقاً (المعلوم/المنفي علمه).

وبمقتضى الظهور السياقي المستقر في الجملة الواحدة، يجب اتحاد متعلَّق الرفع وعدم العلم؛ إذ يمتنع التفكيك في المصب بأن يكون المرفوع شيئاً وما لا يُعلم شيئاً آخر، وإلا انخرمت وحدة السياق. بناءً على هذا، لو جعلنا متعلَّق عدم العلم هو “الحكم الواقعي”، وجعلنا المرفوع هو “الحكم الظاهري” (وجوب الاحتياط)، لحدث التفكيك المستبشع؛ إذ كيف يصح صياغةً أن يقال: “رُفع وجوب الاحتياط الظاهري عما لا يعلمون من الحكم الواقعي”؟ فهذا تدافع صياغي.

إذن، لا بد أن يتحد المصب، ويصبح المرفوع هو عينه المشكوك والمنفي علمه. وحيث إن المنفي علمه هو الحكم الواقعي، فيتعين عقلاً وصناعة أن يكون المرفوع هو ذات الحكم الواقعي، وهذا هو معنى الرفع الواقعي.

إن قلتَ (إشكال وافتراض):

ما المانع من الالتزام بوحدة المتعلَّق من خلال فرض أن المصب في الكلمتين هو «ذات الحكم» (بمعنى جنس الحكم الكلي الصادق على الواقعي والظاهري بلا عوارض مشخصة)؟ فيكون المعنى: أن جنس الحكم مرفوع في ظرف الجهل بجنس الحكم، وبهذا تحفَظ وحدة السياق في الجملة، ولا يتعين الرفع الواقعي.

قلتَ (رد الافتراض):

إن أريد بـ «ذات الحكم» المفهوم الكلي الانتزاعي المجرد عن المصاديق والسريان، فالرفع لا يتوجه إليه؛ لأن رفع المفهوم الكلي في صقع الذهن لغو لا أثر له شرعاً، وعلمنا أو جهلنا به لا قيمة له في مقام الامتنان. وإن أريد به الحكم الساري في أفراده، فلا يخلو إما أن ينطبق على الواقعي أو الظاهري، فتعود المشكلة.

محصل التقريب الأول: أن القرينة الداخلية (وحدة السياق) تقضي باتحاد المصب، وحيث إن المشكوك هو الواقعي، فالمرفوع هو الواقعي، فثبت الرفع الواقعي؛ ومن أراد إثبات الرفع الظاهري فعليه بتقديم مؤونة زائدة وقرينة صارفة.

رد الشهيد الصدر على التقريب الأول

أجاب الشهيد الصدر عن هذا التقريب بمنع الملازمة بين “اتحاد المتعلَّق” وبين “كون الرفع واقعياً”، مبيناً إمكان الحفاظ على وحدة السياق كاملة مع القول بالرفع الظاهري.

وأفاد في صياغة الرد: نحن نوافق مستدل الرفع الواقعي على أن متعلَّق عدم العلم هو «الحكم الواقعي»، ونوافقه أيضاً على أن المرفوع والمصب لـ «رفع» هو عينه «الحكم الواقعي». فالوحدة محفوظة والمصب واحد لم يتعدد.

ولكن، أين مكمن الافتراق؟ مكمنه في جهة وعين الرفع. فنحن نقول: إن هذا الحكم الواقعي المجهول يُرفع في ظرف الشك رفعاً ظاهرياً (أي في مقام الظاهر والعمل، لا أنه يُستأصل من لوح الواقع وثبوت الجعل). وعليه، فالمرفوع هو الحكم الواقعي، والجهل متوجه للحكم الواقعي، بيد أن صبغة الرفع صبغة ظاهرية؛ وهذا المعنى هو عين ما ذهب إليه صاحب الكفاية (المحقق الآخوند) وتبعه عليه السيد الخوئي والمحققون؛ من أن الرفع في الحديث رفع ظاهري للمرفوع الواقعي، وليس رفعاً واقعياً للواقعي، وبذلك يرتفع إشكال التفكيك ووحدة السياق تماماً.

نكتة الدرس: إن برهان الرفع الواقعي يبتني على تخيل ملازمة صياغية بين “اتحاد مصب الجملة” وبين “حقيقة الرفع الثبوتي”، وقد فكك الشهيد الصدر هذه الملازمة بإثبات أن المصب يمكن أن يتحد موضوعاً (وهو الحكم الواقعي) مع بقاء الرفع في الأثر والظاهر.

سؤال من أحد الأفاضل:

الأستاذ: أحسنت، المستدل بالرفع الواقعي جعل وحدة السياق دليلاً على الرفع الواقعي، والشهيد الصدر أثبت أن وحدة السياق تجتمع مع الرفع الظاهري للمرفوع الواقعي فلا تدل على مدعاه. أما كيف يرتفع الحكم الواقعي ظاهرياً؟ وما هو التوجيه الصناعي الدقيق لتعلق الرفع الظاهري بالحكم الواقعي؟ فهذا ما يتكفل به البيان التوضيحي في الجلسة القادمة إن شاء الله. والحمد لله رب العالمين.