The news is by your side.

الدرس السابع والستون، أصالة البراءة، أدلة البراءة، الدليل الثاني

الدرس السابع والستون
أصالة البراءة – أدلة البراءة – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى: حديث الرفع – الدراسة الدلالية لحديث الرفع – الجزء الأول: الرفع – المطلب الثالث: الرفع الظاهري أم الواقعي؟ – الشاهد السادس (كلام الشهيد الصدر) – دراسة الشاهد السادس – الإشكال الأول والثاني والثالث

10 رجب 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

انصب البحث حول الشاهد والدليل السادس على إثبات الرفع الظاهري. وهذا الدليل والشاهد مأخوذ من كلام الشهيد الصدر في سياق الرد على بعض القائلين بالرفع الواقعي. وقد بُيّن إجمالاً أن البعض يذهب إلى القول بالرفع الواقعي، ودليلهم في ذلك أن الرفع الظاهري يفتقر إلى مؤونة زائدة، في حين أن الرفع الواقعي لا يحتاج إلى مثل هذه المؤونة. ولتحقيق هذا الغرض، قُدّم تقريران.

ومفاد التقرير الأول الذي عُرض في الجلسة السابقة، هو أن وحدة السياق في الآية نفسها تقتضي أن يكون الرفع واقعياً؛ لأن ما تعلق به «مَا لَا يَعْلَمُونَ» هو الحكم الواقعي، وما تم رفعه هو الحكم الواقعي عينه. وبناءً عليه، يجب أن يكون الرفع واقعياً أيضاً لكي تُحفظ هذه الوحدة. ثم ذُكر إشكال وجوابه، وكانت النتيجة أن مقتضى التقرير الأول هو كون الرفع واقعياً لا ظاهرياً. وقلنا إن الشهيد الصدر طرح مطلباً في مقام الرد، وهو عين شاهدنا السادس. وبالطبع، من باب التذكير يُشار إلى أن كلام الشهيد الصدر يشتمل على بعد سلبي وبعد إيجابي. فبعده السلبي يتمثل في نفي الرفع الواقعي، وهو نوع من استكمال البيان لظاهرية الرفع. وفي البعد الإيجابي أيضاً توجد مسألة سنقوم بعرضها كذلك.

استكمال الشاهد السادس (كلام الشهيد الصدر)

وحاصل كلام الشهيد الصدر الذي بقي غير مكتمل وعُرض بالأمس، هو أن متعلق «مَا لَا يَعْلَمُونَ» هو الحكم الواقعي، والمرفوع أيضاً هو الحكم الواقعي عينه، لكن الرفع ظاهري؛ كما تفضل المرحوم الآخوند قائلاً: «فالإلزام المجهول إلى ما لا يعلمون فهو مرفوع فعلاً»؛ والمراد بـ “الرفع الفعلي” هنا ليس الفعلية في مقابل الإنشاء، بل المقصود هو الرفع الظاهري نفسه. وهو يرمي إلى حمل كلام الآخوند على ذات المعنى الذي بيّنه بنفسه. والآن نبيّن المطلب الذي بقي توضيحه (لأننا بيّنا أصل الادعاء بالأمس وبقي توضيح كلام الشهيد الصدر).

فإنه (قدس سره) يقول: يمكن للحكم الواقعي أن يكون له وضعان ورفعان:
الوضع والجعل الأول للحكم الواقعي، هو ثبوت الحكم في ظرف الشك، حتى وإن لم يكن المكلف ملزماً به؛ أي إن الحكم الذي جعله الشارع بحسب الواقع ثابت للجميع، ومن جملتهم الشخص الشاك، ففي اللوح المحفوظ وفي عالم الواقع، لا فرق بين الشاك وغير الشاك، والعالم وغير العالم؛ وإن لم يكن المكلف الشاك ملزماً بالإتيان به حالياً. ولذا، فإن ذلك الحكم الواقعي موجود.

والجعل الثاني هو أن يوجب الاحتياط على الشاك حتى يحصل له اليقين بالوصول إلى الواقع؛ بمعنى أن يقول: أنا أبتغي حفظ الواقع على كل حال، بيد أنه يجعل ذلك في قالب الإلزام بالاحتياط. وتعبيره في ذلك هو: «جعل ثقله على المكلف ووضعه على عاتقه بمعنى إلزامه بالاحتياط به احتياطاً»؛ أي أن يجعل ثقله على المكلف ويضعه على عاتقه بأي وجه كان، ويلزمه احتياطاً بغية الوصول إلى الواقع وحفظ تلك الواقعية (الحكم الواقعي)؛ فيوجب عليه الاحتياط. بمعنى أنه يجب عليه الإتيان بذلك الحكم الواقعي بأي ثمن، ولو من طريق الاحتياط.

وعليه، فإن للحكم الواقعي وضعين وجعلين: أحدهما جعل الحكم للجميع، حتى وإن كان المكلف شاكاً ولم يكن ملزماً بالإتيان به حالياً. وقولنا إنه لا يكون ملزماً بالإتيان به يعني أن يُعطى الترخيص في الترك. وهذا جعل واحد. والجعل الثاني يمكن أن يكون على النحو الآتي (وهو يطرح ذلك كخيارات ممكنة، لا أن الشارع يمتلك بالضرورة وضعين وجعلين) وهو أن يضع هذا التكليف على عهدة المكلف في كل الأحوال، ويقول له: يجب عليك الإتيان به بأي ثمن، ولو من طريق الاحتياط. هذان الوضعان أو الجعلان يرتبطان بالحكم الواقعي؛ فيمكن للشارع أن يجعل التكليف على ذلك النحو وعلى هذا النحو.

وتناسباً مع هذين الوضعين والجعلين، يقول إن لدينا رفعين أيضاً:
الرفع في مقابل الجعل الأول، يعني أن يكون ذلك الحكم بحسب الواقع ونفس الأمر مرفوعاً، أي يزول ذلك الحكم بالكلية ولا يبقى أي حكم للشخص الشاك.
أما الرفع في مقابل الجعل الثاني، فيعني رفع وجوب الاحتياط؛ بمعنى أن يقول: أنا لا أريد منك الإتيان بهذا التكليف بأي ثمن ولو من طريق الاحتياط؛ وغاية الأمر أنك ستفقد الواقع أيضاً، وأنت معذور.

وبناءً عليه، يمكن أن تتحقق حالتان ووضعان في حق الشخص الشاك.
وما يُستفاد من حديث الرفع هنا، هو أن الرفع هنا يحمل المعنى أو الاحتمال الثاني. فـ «رفع مَا لَا يَعْلَمُونَ» يعني أن كل من يجهل الحكم الواقعي أو يشك فيه، فإن ذلك الحكم الواقعي يُرفع عنه ظاهراً؛ أي يُرفع ذلك الوجوب الاحتياطي الذي شُرّع لدرك الواقع. إذن، فإن رفع وجوب الاحتياط بحديث الرفع يفيد معنى الرفع الظاهري.

إذن، في الوضع والجعل بالمعنى الأول، يكون الحكم الواقعي موجوداً وثابتاً للشخص الشاك أيضاً، غاية الأمر أن الشارع يعطي الترخيص في الترك. أما في الموقف الثاني، فإن معنى الوضع والجعل هو أن ثقل هذا التكليف يثبت على عاتق المكلف من خلال وجوب الاحتياط على أي حال؛ أي يجب على المكلف الإتيان بالحكم الواقعي بأي ثمن، ولو من طريق الاحتياط. ولذا سيكون الرفع متناسباً معه أيضاً. وهو يقول: إن المعنى الثاني هو المقصود هنا، وهو المراد.

ويقول (قدس سره): بهذا النحو تُحفظ وحدة السياق، ومن هنا لا يمكننا القول بعد ذلك إن الرفع واقعي، لسبب وهو أنه لو كان الرفع واقعياً والمرفوع واقعياً و«مَا لَا يَعْلَمُونَ» هو الحكم الواقعي أيضاً، فإن هذا لا يتلاءم مع قاعدة اشتراك الأحكام بين العالم والجاهل. ففي النهاية، الأحكام مشتركة بين العالم والجاهل. أما كيف يثبت هذا الاشتراك، فذلك بحث آخر. فتارة يقول قائل: الأحكام مشتركة بين العالم والجاهل، لأن أخذ قيد العلم في متعلق الحكم محال. وقد لا يقبل أحدهم هذه الاستحالة، ولكنه يقبل هذا الاشتراك من طريق آخر، فيقول: لا يوجد حكم شرعي يختص بالعالم بالحكم؛ فالحكم ثابت للجميع، سواء أكان عالماً أم جاهلاً. ولذا، لا يسعنا القول بأن هذا الرفع رفعٌ واقعي.

فمتعلق «مَا لَا يَعْلَمُونَ» إذن هو الحكم الواقعي؛ ومتعلق الرفع هو الحكم الواقعي، لكن الرفع ظاهري. وكأننا أمام ثلاثة أمور: لدينا هنا رفع، ولدينا مرفوع، ولدينا «مَا لَا يَعْلَمُونَ». فيُقال: «مَا لَا يَعْلَمُونَ» هو الحكم الواقعي، والمرفوع هو الحكم الواقعي، والرفع ظاهري. هذا محصل بيانه.
وإذا قلنا إن الرفع ظاهري، فهذا يعني أن الاحتياط لم يعد واجباً. ولم يعد لازماً عليك درك الواقع بأي ثمن؛ لأنهم أخذوا الرفع بالمعنى الثاني، في مقابل الوضع بالمعنى الثاني.

دراسة الشاهد السادس

والآن، هل هذا الكلام صحيح أم لا؟ بغض النظر عن مدعى الشهيد الصدر الذي يقول إن الرفع ظاهري (أو بتعبير آخر يريد القول إن هذا الرفع ليس واقعياً، لأن هذا هو البعد السلبي لكلام الشهيد الصدر، ويريد القول إن هذا الرفع ليس واقعياً)، فهذا مدعى طُرح من قبله، إلا أن دليله محل للنظر والنقاش. والآن، توجد ملاحظتان أو ثلاث حيال هذا الدليل.

الإشكال الأول

تكمن المشكلة الأساسية في أنه لماذا يقول من الأساس إن لدينا ثلاثة أمور: أحدها متعلق «مَا لَا يَعْلَمُونَ»، والآخر متعلق الرفع، والثالث هو الرفع نفسه. لأن تعبيره كان كالتالي: متعلق «مَا لَا يَعْلَمُونَ» هو الحكم الواقعي، والمرفوع أيضاً هو الحكم الواقعي، لكن الرفع ظاهري. والإشكال هو: هل يسعنا الفصل بين الرفع والمرفوع والقول إنهما منفصلان عن بعضهما؟ نعم، يمكن لمتعلق «مَا لَا يَعْلَمُونَ» أن يكون أي شيء: إما حكماً واقعياً وإما حكماً ظاهرياً. لأنه قال: «رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ»؛ فمتعلقه هو عدم العلم، الذي يمكن أن يكون الحكم الواقعي مثلاً. ولكن هل يسعنا التفريق بين المرفوع والرفع؟ الرفع في الواقع هو الفعل، والمرفوع يكون المفعول. فهل يمكننا تقسيم هذا الفعل إلى ظاهري وواقعي؟ وإن كان لدينا نزاع، فالنزاع يكمن في تحديد المرفوع؛ ما هو؟ هل ما رُفع هو الحكم الواقعي أم الحكم الظاهري؟ إذن، فالتفكيك بين الرفع والمرفوع محل بحث ونظر. أو بتعبير آخر، يقول (قدس سره) إن متعلق «مَا لَا يَعْلَمُونَ» شيء، ومتعلق الرفع شيء آخر. فالمحقق العراقي كان يقول: «رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ» يعني رفع وجوب الاحتياط في الموارد التي يكون فيها الحكم الواقعي مجهولاً أو مشكوكاً. ولم يكن لديه بعد ذلك نقاش حول ما إذا كان الرفع ظاهرياً أم واقعياً؛ بل كان يقول إن المرفوع هو الحكم الظاهري. نعم، الحكم الواقعي غير معلوم لنا. وكأن «رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ» وفقاً لرأي المحقق العراقي هو أنه في المورد الذي لا تعلم فيه الحكم الواقعي، يُرفع هذا الحكم الظاهري المتمثل في وجوب الاحتياط، فلا يلزمك الاحتياط. ولم يتطرق إلى الرفع لكي نأتي ونقول إن الرفع واقعي أم ظاهري.
أما الشهيد الصدر، فإنه في الواقع جاء وصوّر -بالإضافة إلى المرفوع و«مَا لَا يَعْلَمُونَ» (اللذين هما متعلق البحث، فالبحث في المرفوع و«مَا لَا يَعْلَمُونَ» ما إذا كانا حكماً ظاهرياً أم حكماً واقعياً)- صوّر في الرفع نفسه وكأن لدينا رفعين: رفعاً واقعياً ورفعاً ظاهرياً. … في حين أنه لا وجه للتفكيك بينهما. فتارة نقول إن المرفوع هو “وجوب الاحتياط” وهو حكم ظاهري، فيكون الرفع ظاهرياً. وتارة نقول إن المرفوع هو الحكم الواقعي، فيكون الرفع واقعياً. ولذا، يتصف الرفع بكونه واقعياً أو ظاهرياً بلحاظ ما إذا كان متعلق المرفوع حكماً واقعياً أم حكماً ظاهرياً، ولا معنى له بغير ذلك.

الإشكال الثاني

قال (قدس سره) إننا لو فسرناه بهذا النحو، لحُفظت وحدة السياق ووحدة المصب. وقال إن الرفع هنا بمعنى رفع وجوب الاحتياط؛ لأن الوضع بالمعنى الثاني يعني جعل وجوب الاحتياط. إذن، رفعه يعني رفع وجوب الاحتياط. وهذا الكلام مع متعلق «مَا لَا يَعْلَمُونَ» يصبح شيئين اثنين: أحدهما صار الحكم الواقعي، والآخر صار الحكم الظاهري، وهذه ليست وحدة المصب. لقد قال إن متعلق «مَا لَا يَعْلَمُونَ» هو الحكم الواقعي، والمرفوع أيضاً هو الحكم الواقعي، أما الرفع فظاهري. أي إن هذا الحكم الواقعي قد رُفع ظاهراً. وادعى أنه بهذه الآلية تُحفظ وحدة السياق. ولكن في الواقع، بهذا البيان لم تُحفظ وحدة المصب والسياق.

الإشكال الثالث

لقد اعتبر كلامه قريباً من كلام المرحوم الآخوند وقال إن المرحوم الآخوند يبين هذا المطلب أيضاً. ومن خلال التوضيحات التي عُرضت، تبيّن جلياً أن هذا الكلام مغاير لكلام المرحوم الآخوند. فالمرحوم الآخوند أيضاً في نهاية المطاف يذهب مذهب المحقق العراقي في القول بالرفع الظاهري؛ لأنه يعتبر المرفوع حكماً ظاهرياً. لذا، فإن التباين بين كلام السيد الآخوند والسيد الصدر واضح وجلي أيضاً. وبناءً عليه، فإن حمل كلام السيد الآخوند على المعنى الذي يبتغيه ليس بصحيح أيضاً.