The news is by your side.

لدرس الثالث والسبعون، أصالة البراءة، أدلة البراءة، الدليل الثاني

لدرس الثالث والسبعون
أصالة البراءة – أدلة البراءة – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى: حديث الرفع – الدراسة الدلالية لحديث الرفع -2. “ما” الموصولة – المطلب الأول: حقيقة الإسناد أو مجازيته – الاحتمالات في الإسناد المجازي – الاحتمال الثاني ودراسته – الاحتمال الثالث – مؤيدات الاحتمال الثالث – المطلب الثاني: دراسة اختصاص أو عدم اختصاص “ما” بالشبهات الموضوعية

29 رجب 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

قلنا إنه بافتراض قبول مجازية إسناد الرفع إلى «مَا لَا يَعْلَمُونَ»، فإنه لكي يصح هذا الإسناد نحتاج إلى تقدير؛ لذا يجب علينا تقدير كلمة. وهناك عدة احتمالات بشأن المُقدّر، وقد ذكر الشيخ الأنصاري في الرسائل بعض هذه الاحتمالات، وذكرنا نحن احتمالين:
الاحتمال الأول: تقدير كلمة “المؤاخذة”، وقد بيّنا الإشكالات الواردة على هذا الاحتمال.
الاحتمال الثاني: تقدير أثر من الآثار المترتبة على هذه العناوين، وهو الأثر المتناسب مع كل عنوان؛ فمثلاً الأثر المتناسب مع الإكراه هو الصحة، وحينئذ بموجب حديث الرفع يُرفع هذا الأثر. أو في حالة الاضطرار أو في حالة الخطأ؛ وبناءً على ذلك، فإن الأثر المتناسب مع «مَا لَا يَعْلَمُونَ» هو إيجاب الاحتياط. والأثر المتناسب مع التكليف المجهول هو وجوب الاحتياط. فحينما يقول: «رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ»، يعني رفع وجوب الاحتياط للتحفظ على الواقع في الموارد التي يكون فيها التكليف مجهولاً؛ فإذا كان التكليف مجهولاً، فإن الأهم مما يتناسب مع هذا الأمر يُرفع، وهو وجوب الاحتياط عينه.

دراسة الاحتمال الثاني

الإشكال الأول

بالنظر إلى إسناد الرفع إلى العنوان نفسه، والذي أسند بحسب الظاهر إلى مجموع هذا العنوان، لا يمكن أن يكون المقصود أثراً واحداً فقط. فحينما يُقال: رُفع ما استكرهوا عليه، فلو كان المقصود هو الأثر المتناسب معه، لكان ذلك خلافاً لظاهر إسناد الرفع إلى هذا العنوان بشكل كلي، حتى وإن كان هذا الأثر هو الأثر الظاهر أو المتناسب مع هذا العنوان. ولكن حينما يُسند إلى هذا المجموع، فلماذا نحصره في أثر واحد وإن كان ذلك الأثر أثراً ظاهرياً؟
بناءً عليه، فإن وقوع أثر ما مرفوعاً لا يمكن أن يكون مصححاً للإسناد المجازي للرفع إلى مجموع ذلك العنوان وكله.

الإشكال الثاني

لو غضضنا الطرف عن الإشكال الأول، فإن معنى هذا الكلام هو بقاء سائر الآثار؛ فحينما تعتبرون أثراً واحداً فقط من بين عدة آثار مرفوعاً (وإن كان ذلك الأثر أبرز تلك الآثار)، فمعنى ذلك أن بقية الآثار لم تُرفع وبقيت. ووجود بقية الآثار يدل على بقاء ذلك العنوان نفسه في عالم التشريع، وهذا لا يتلاءم مع ظاهر هذا الحديث.
بعبارة أخرى، فإن رفع أثر واحد وبقاء سائر الآثار يعني بقاء ذلك العنوان نفسه، في حين أننا حينما نلاحظ «رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ» أو «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي تِسْعَةٌ»، فكأن النبي (صلى الله عليه وآله) يريد القول إن هذه الأمور لا مكان لها في عالم التشريع والجعل، وهذا لا يتناسب مع رفع أثر واحد.
وروح هذين الإشكالين هي كونه خلافاً للظاهر، ولكن في كل من هذين الإشكالين تم التركيز على حيثية معينة.
إذن، الاحتمال الثاني المتمثل في تقدير الأثر المناسب أو الأثر الظاهر أو أهم أثر، مردود أيضاً.

الاحتمال الثالث

الاحتمال الثالث هو أن يكون المقصود جميع الآثار. فـ «رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ» يعني رفع جميع الآثار الشرعية المترتبة على «مَا لَا يَعْلَمُونَ»، وكذلك الأمر في «مَا لَا يُطِيقُونَ» و«مَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ». وبالطبع، هناك إشكالات بشأن بعض العناوين، وسنقوم بدراستها؛ فما مدى تناسب الوسوسة في الخلق والحسد مع سائر العناوين؟ سنبحث ذلك لاحقاً. أي إننا مضطرون للتطرق إلى بعض فقرات هذا الحديث وتفسيرها، ولكن باستثناء ذلك، فإن هذه العناوين نفسها، وتلك التي ترتبط بالمكلفين، قد رُفعت جميع الآثار الشرعية المترتبة عليها.

مؤيدات الاحتمال الثالث

بالنظر إلى الإشكالات التي أوردناها على الاحتمالين السابقين، يمكننا تخمين مؤيدات هذه الاحتمالات.
أولاً: حينما يُسند الرفع إلى هذه العناوين نفسها، فهذا يعني أن جميع الآثار مقصودة، ولذا يمكن أن يكون مصححاً لإسناد الرفع إلى هذا العنوان نفسه؛ فـ «رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ» أي «رفع جميع آثار ما لا يعلمون»، فجميع الآثار الشرعية، وجميع ما يمكن أن يترتب على «مَا لَا يَعْلَمُونَ» في عالم التشريع، قد رُفع بموجب هذا الحديث.
ثانياً: إن حديث الرفع وارد في مقام الامتنان، ومقتضى هذا المقام هو رفع جميع الآثار. وبطبيعة الحال، فإن الامتنان والمنة واللطف والتفضل بشأن هذه العناوين يقتضي رفع جميع الآثار التي تلحق بالناس من جراء هذه العناوين. إذن، مقام الامتنان يقتضي رفع جميع الآثار.
فيكون هذا إذن مطابقاً لظاهر الحديث، ومطابقاً لمقام الامتنان في الوقت ذاته، لأن الامتنان على الأمة يقتضي رفع جميع الآثار الشرعية لهذه الأمور.
وبناءً عليه، فإن ما يمكن أن يكون مصححاً لهذا الإسناد هو تقدير كلمة “جميع الآثار”.
هذا إذا قبلنا بمجازية الإسناد، وهذا هو الفرض هنا؛ لأن هناك ادعاءات أخرى طُرحت أحياناً بأن هذا الإسناد حقيقي ولكن ببيان آخر. وقد بينا إجمالاً بياناً للمحقق النائيني مفاده أن الرفع أُسند إلى «مَا لَا يَعْلَمُونَ»، وهذا الإسناد إسناد حقيقي. وقد عرضنا القرائن والشواهد ومدعاه ودرسناها ورددناها، وكانت النتيجة أن هذا الإسناد إسناد مجازي.
ويريد البعض بتقرير آخر القول إن هذا الإسناد إسناد حقيقي. وكيف يمكن أن يكون الإسناد حقيقياً ويكون الرفع متعلقاً بهذه الأمور نفسها؟ فإذا كان الإسناد حقيقياً، فلا حاجة حينئذ لتقدير شيء. ونحن نقول بما أن الرفع لا يمكن أن يتعلق بهذه الأمور نفسها، فيجب أن نقول بوجود مجاز في الإسناد. فإما مجاز في الكلمة أو مجاز في الإسناد. أو لا، يقول البعض إن هذا الإسناد حقيقي لأنه لا مشكلة في إسناد الرفع إلى هذه الأمور نفسها، لأن الرفع رفع ادعائي وليس حقيقياً. وهناك فرق بين الرفع الحقيقي والرفع الادعائي. وبالطبع يختلف هذا عن الرفع الواقعي والظاهري.
وقد طرحنا سابقاً بحثاً حول كلمة «الرفع»، وما إذا كان هذا الرفع ظاهرياً أم واقعياً، وتوصلنا هناك إلى أن هذا الرفع ظاهري وليس واقعياً.
ويقول البعض إن هذا الرفع هاهنا رفع ادعائي. فما معنى الرفع الادعائي؟ الرفع الادعائي لأي شيء؟ وما هو المرفوع هنا؟ هذا بحد ذاته يثير بحثاً حول ما إذا كان الرفع الادعائي يتعلق بهذه الأمور نفسها أم بأحكامها، أم بما في ذمة المكلف؟ يوجد هنا مثل هذا البحث وسنقوم بدراسته لاحقاً.
والعمدة هي: ما هو معنى «مَا لَا يَعْلَمُونَ»؟ قلنا إن هذا الحديث يتكون من أجزاء، واستُعملت فيه كلمات مثل «الرفع»، و«ما»، و«لا يعلمون»؛ والآن يجب علينا تفسير «لا يعلمون» نفسها وما تعنيه؛ فهل «لا يعلمون» بمعنى عدم العلم وبمعنى الجهل، أم تشمل الشك أيضاً؟ أو لا، عدم العلم بمعنى عدم الالتفات، والجهل والشك والغفلة، وعدم الالتفات في مقابله الغفلة. فما معنى «لا يعلمون»؟ هل تشمل جميع هذه الأمور؟ من المسلَّم به أنها لا تشمل النسيان، لأن عنوان النسيان قد ورد في هذا الحديث نفسه، ولا تشمل الخطأ والاشتباه؛ لأنه ذُكر الخطأ صراحة بعد ذلك بـ «مَا أَخْطَأُوا…». ومنشأ الخطأ والنسيان هو الغفلة أيضاً. فما الذي يجعل الإنسان يخطئ؟ الغفلة؛ وما الذي يجعله ينسى؟ (وبالطبع فالغفلة تختلف عن النسيان).
إذن، يجب تحديد معنى «لا يعلمون»، ولكن قبل ذلك يجب علينا تحديد مطلب آخر بشأن كلمة “ما”. انتبهوا وراعوا التسلسل المنطقي للبحث.
بالنسبة للرفع، قلنا أولاً إن الرفع باقٍ على معناه الحقيقي وليس بمعنى الدفع، وثانياً قلنا إن الرفع هاهنا بمعنى الرفع الظاهري لا الواقعي، وثالثاً قلنا إن “ما” الموصولة هاهنا يقيناً لا يمكن أن تكون هي هذه الأمور نفسها في بعض الفقرات مثل «مَا لَا يُطِيقُونَ» وأمثالها، بل المقصود هو متعلق هذه الأمور. وقلنا أيضاً بالمناسبة إنه يُبحث ما إذا كان إسناد الرفع إلى هذه المتعلقات حقيقياً أم مجازياً؟ وقد طرحنا هذا البحث.

المطلب الثاني: دراسة اختصاص أو عدم اختصاص “ما” بالشبهات الموضوعية

البحث الآخر الذي يلزم طرحه بشأن “ما” هو: هل المقصود من “ما” هو الفعل الخارجي أم الحكم الشرعي؟ فهل «رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ» يعني رفع تلك الأفعال والموضوعات الخارجية المشكوكة، أم رفع تلك الأحكام المشكوكة؟ بعبارة أخرى، هل «رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ» يختص بالشبهات الموضوعية أم يشمل الشبهات الحكمية أيضاً؟
فإذا قلنا باختصاصه بالشبهات الموضوعية، فمعنى ذلك أن هذا الحديث لا يجدي في إثبات البراءة، أما إذا قلنا إنه يعم الشبهات الموضوعية والحكمية، فيمكننا الاستناد إلى هذا الحديث في إثبات البراءة؛ لأن موضوع بحثنا هنا هو أنه في موارد التكاليف المشكوكة والأحكام التي نشك في وجوبها أو حرمتها (الشبهات الوجوبية والشبهات التحريمية)، هل يمكننا إثبات رفع الوجوب أو الحرمة أم لا؟
يضاف إلى ذلك أن هذا الأمر قد طُرح أساساً كإشكال على الاستدلال بحديث الرفع. إذن، فقد اتضح لماذا نتطرق إلى هذا الحديث ونبحث عما إذا كان المقصود من “ما” الموصولة هو الأفعال الخارجية أم الأحكام الشرعية؟
لقد قال البعض في مقام الإشكال على الاستدلال بحديث الرفع في مبحث البراءة، إن الموصول في «مَا لَا يَعْلَمُونَ» يختص بالشبهات الموضوعية، مما يعني أن “ما” بمعنى الفعل الخارجي. أي إن حديث الرفع يكون مجدياً فقط في الموارد التي تشكون فيها مثلاً في خمرية شيء ما.
ففي رأي المُشكِل، فإن المقصود من “ما” الموصولة في حديث الرفع هو الأفعال الخارجية. وبناءً عليه، فإن هذا الحديث لا يصلح للاستدلال به على البراءة. في حين أن بحثنا في البراءة يتعلق بالحكم نفسه، فالحكم نفسه مشكوك. ولذا، لا يمكننا الاستدلال بهذا الحديث بعد ذلك. فتارة نشك هل هذا السائل خمر أم لا؟ وهل ما فعلته هو شرب خمر أم لا؟ وتارة أخرى يكون حكم السائل مشكوكاً. لذا نطرح هذا البحث.

مبحث الجلسة المقبلة

هنا، سعى الذين أشكلوا على هذا الحديث وقالوا باختصاصه بالشبهات الموضوعية، إلى إثبات هذا المطلب بخمسة طرق، وقالوا إنه بناءً على هذه الأدلة والشواهد والقرائن والطرق الخمسة (وقد قال ذلك أشخاص مختلفون بالطبع)، فإن هذا الحديث يختص بالشبهات الموضوعية، والمقصود من “ما” هو الفعل الخارجي المشكوك أو غير المعلوم، ولذا لا يسعنا الاستدلال بهذا الحديث إطلاقاً. ويجب علينا دراسة هذه الأدلة ليتضح ما إذا كان هذا الحديث يختص بالشبهات الموضوعية أم يشمل الشبهات الحكمية أيضاً.