The news is by your side.

الدرس الثامن والستون، أصالة البراءة، أدلة البراءة، الدليل الثاني

الدرس الثامن والستون
أصالة البراءة – أدلة البراءة – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى: حديث الرفع – الدراسة الدلالية لحديث الرفع – الجزء الأول: الرفع – المطلب الثالث: الرفع الظاهري أم الواقعي؟ – الشاهد السابع: التقرير الثاني – إشكال الشهيد الصدر على التقرير الثاني – دراسة الشاهد السابع

22 رجب 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

إن من جملة الأمور التي تخضع للدراسة والبحث في حديث الرفع، هو أن كلمة “الرفع” في الحديث هل جاءت بمعنى الرفع الظاهري أم الواقعي؟

وقد أوضحنا أن الأقوال والأنظار متباينة في هذا الصدد؛ وكان أحد الأقوال يذهب إلى أن الرفع هاهنا رفع ظاهري؛ وقد ذُكرت شواهد وأدلة على أن المقصود هو الرفع الظاهري. وإلى هنا، بيّنا ستة شواهد وأدلة على هذا الأمر، وخضعت هذه الشواهد للدراسة والموازنة واحداً تلو الآخر. وقد سُجلت إشكالات على كثير منها، غير أن بعض هذه الشواهد لقي قبولاً في الجملة.

ولعلكم تذكرون أننا قلنا سابقاً إن القائلين بأن الرفع في حديث الرفع هو رفع واقعي، يستندون في أحد أدلتهم إلى أن الرفع الظاهري يفتقر إلى عناية ومؤونة زائدة، ولذا يتعين علينا حمله على الرفع الواقعي لكي لا نتحمل عبء هذه المؤونة الزائدة. وقد أوضحنا أنه قُدّم بيانان وتقريران لتبيين هذه المؤونة الزائدة:

ذكرنا البيان الأول منضماً إلى إجابة الشهيد الصدر عنه، وهو ما شكّل في الواقع الشاهد السادس عينه؛ فالدليل السادس على أن هذا الرفع ليس واقعياً بل ظاهرياً، هو الإجابة التي قدمها الشهيد الصدر على البيان الأول للقائلين بواقعية الرفع هاهنا؛ حيث قالوا إن الرفع لو أريد له أن يكون ظاهرياً، لافتقر إلى مؤونة زائدة تتمثل في اختلاف مصب الآية واختلال وحدة سياقها ومصبها، ولذا، ولتلافي حدوث هذه المشكلة، فإن الرفع الظاهري هو المقصود.

وقد قدم الشهيد الصدر إجابة عرضناها بوصفها الشاهد السادس، وأخضعناها للدراسة والموازنة بطبيعة الحال.

الشاهد السابع

التقرير الثاني

وثمة بيان آخر ذُكر لإثبات أن المراد بالرفع هاهنا هو الرفع الظاهري، وسنجعله الشاهد السابع. وحاصل هذا البيان هو أنه من الأساس لو أُريد لكلمة الرفع في «رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ» أن تُحمل على الرفع الظاهري، لكان ذلك خلافاً للظاهر. فعبارة «رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ» متى ما تجردت عن القرينة والشاهد المحيط بها، تعين حملها على معناها الأصلي؛ والرفع ظاهر في الرفع الواقعي، لكون كل كلمة متى ما استُعملت بلا قرينة حُملت على مصداقها الواقعي. وعليه، فإن «رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ» بحسب الطبع الأولي لهذه الجملة يفيد معنى: أن ما لا تعلمونه قد رُفع حقيقة وواقعاً.

وذلك لكون هذا في الواقع وصفاً، وموصوفه هو الحكم؛ فـ «رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ» يعني أن الحكم الذي لا تعلمونه قد رُفع. أما لو أردتم صرف الرفع عن هذا المعنى، فأنتم مضطرون في الواقع للقول بأن المرفوع هو بعض شؤون الحكم لا الحكم نفسه. فلو حُمل على الحكم الظاهري وأنه قد رُفع ظاهراً، فأنتم ملزمون بحمله على بعض شؤون الحكم لا الحكم ذاته، وهذا خلاف للظاهر وغير صحيح.

فلو أردتم استظهار هذا المعنى من الرواية، فكأنكم في الواقع تفرضون معنى وتحملونه على الرواية تحميلاً. أما لو حملناه على الرفع الواقعي، فلن تكون هناك أية مؤونة ولا مخالفة للظاهر بتاتاً. يضاف إلى ذلك أن تحميل الظاهرية على الرفع يفتقر إلى قرينة، وبدون القرينة لا يمكن استظهار هذا المعنى من الرفع، ومثل هذه القرينة منتفية هاهنا.

وهذا في الواقع هو التقرير الثاني للمؤونة الزائدة والعناية، والذي ذكره القائلون بأن المراد من الرفع في حديث الرفع هو المعنى الواقعي.

إشكال الشهيد الصدر على التقرير الثاني

وقد قدم الشهيد الصدر إجابة على هذا التقرير أيضاً، والتي يمكننا -وإن كان بتكلف- اعتبارها الشاهد والدليل السابع على كون الرفع ظاهرياً.

فإنه (قدس سره) يقول: صحيح أننا لو خُلينا وحديث «رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ»، لكانت كلمة الرفع محمولة على المعنى الواقعي، أي ينبغي أن نقول إن الرفع هاهنا بمعنى رفع الحكم الواقعي. إلا أننا مضطرون لارتكاب هذا الخلاف للظاهر؛ لكون الحمل على الرفع الواقعي يستلزم تالياً فاسداً؛ ويتمثل هذا التالي الفاسد في اختصاص الأحكام بالعالم.

فحينما تقولون إن «رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ» يعني بحسب الواقع أن من لا علم له بالحكم يُرفع ذلك الحكم عنه؛ فإن معنى ذلك هو اختصاص الأحكام بالعالم، وألا يشمل أي حكم واقعي غير العالمين -أو بعبارة أخرى الجاهلين- أو الشاكين في الحكم، بل يختص بالذين يعلمون بالأحكام، وهذا ما يكتنفه الإشكال.

ولذا، ومن أجل دفع مثل هذا التالي الفاسد وتجنب الوقوع في هذا المحذور، يتعين علينا القول بأن المقصود بالرفع هاهنا ليس الرفع الواقعي، بل نحن مضطرون لحمله على خلاف الظاهر. وعليه، فإن «رَفْعُ مَا لَا يَعْلَمُونَ» يعني أنه قد رُفع إما الحكم الظاهري أو بعض شؤون الحكم، وهذا أمر لا مناص منه للخروج من ذلك المحذور الذي أشرنا إليه. هذا في الواقع هو المطلب الذي صرح به الشهيد الصدر في سياق رده على التقرير الثاني.

والآن، كيف يُعدّ هذا الشاهد السابع على كون الرفع ظاهرياً؟

دراسة الشاهد السابع

إن الذين ذهبوا إلى القول بأن هذا الرفع واقعي، قالوا إنه لو أريد له أن يكون رفعاً ظاهرياً لكان ذلك خلافاً لظاهر هذه الجملة. فأجاب الشهيد الصدر قائلاً: صحيح أنه خلاف للظاهر، ولكنه مما لا بد منه، وهذا بحد ذاته كافٍ لكي لا نحمله على الرفع الواقعي؛ لأنه يستلزم تالياً فاسداً لا يسعنا الالتزام به.

أولاً: إن ما ذكره الشهيد الصدر هو أقرب إلى نفي واقعية الرفع منه إلى إثبات ظاهريته؛ لكونها مسألتين كما أسلفنا القول. فالشهيد الصدر يطرح هذا البحث من جهتين: إحداهما البعد الإيجابي والأخرى البعد السلبي؛ فالبعد السلبي يتمثل في أن هذا الرفع ليس واقعياً، والبعد الإيجابي يتلخص في أن هذا الرفع ظاهري. وما ذكره في الرد على التقرير الثاني ناظر في الغالب إلى البعد السلبي، ولكن ليس من الواضح تماماً أن كلامه يثبت بالضرورة ظاهرية الرفع. إذن، فهذا البيان لا ينهض كثيراً لإثبات ظاهرية الرفع، بل هو أقرب إلى نفي واقعية الحكم.

ثانياً: التساؤل المطروح هو: ما هو ذلك الحكم الظاهري الذي يُرفع هاهنا في رأيه؟ هل ذلك الحكم الظاهري شيء آخر غير وجوب الاحتياط أم هو وجوب الاحتياط عينه؟ فحينما يقول إن الحكم الظاهري يُرفع، فلا بد أن يكون الحكم الظاهري هاهنا هو وجوب الاحتياط. وذات الإشكال الذي طرحناه سابقاً حول وجوب الاحتياط في الشاهد السادس، يَرِد هاهنا أيضاً: وهو أنه لو أريد له أن يكون وجوب الاحتياط، فأي إشكال في ذلك؟