الدرس الخامس والستون، أصل البراءة، أدلة البراءة، الدليل الثاني
الدرس الخامس والستون
أصل البراءة – أدلة البراءة – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى: حديث الرفع – دراسة دلالة حديث الرفع – الجزء الأول: الرفع – المطلب الثالث: رفع ظاهري أم واقعي؟ – كلام المحقق العراقي: الشاهد الخامس ودراسته
7 رجب 1404 هـ
خلاصة الجلسة الماضية
أشرنا سابقاً إلى القول بتمخض حديث الرفع في صبغة الرفع الظاهري، مستندين إلى جملة من الشواهد المقررة في هذا الصدد. وقد تم استعراض ومحاكمة أربعة شواهد؛ ثلاثة منها تعود للسيد الخوئي، والشاهد الرابع أثاره المحقق العراقي بناءً على مقتضى «مقام الامتنان».
كما تم طرح الشاهد الخامس للمحقق العراقي في الجلسة السابقة مع بيان الإشكال الموجه إليه، وفي هذه الجلسة سنعمد إلى تعميق المحاكمة والتحليل الصياغي لهذا الشاهد.
محصل الشاهد الخامس ودراسته (كلام المحقق العراقي)
الشاهد الخامس
محصل هذا الشاهد يبتني على اقتران مقدمتين عقليتين لاستنتاج الرفع الظاهري؛ الأولى: أن «رفع كل شيء نقيض وجوده»، والثانية: أن «النقيضين في مرتبة واحدة». وقد مر بنا تفصيل كيفية استعلام الرفع الظاهري من هاتين المقدمتين.
ومعنى قضية «رفع كل شيء نقيض وجوده» هو أنه عند عروض الرفع على حقيقة ما، فإن البديل البديهي المستقر عقلاً هو حلول نقيض وجودها. وهنا ينقدح التساؤل: ما هو المتعلَّق المرفوع في حديث الرفع؟ يرى المحقق العراقي أن المرفوع هو “الحكم الظاهري”، ولعله وجوب الاحتياط؛ وبناءً عليه، يستحيل أن يتوجه الرفع إلى “الحكم الواقعي”؛ لما تبيّن من تأخر رتبة الرفع عن رتبة الحكم الواقعي بمرتبتين؛ إذ الرفع فرع عروض الشك والجهل بالحكم الواقعي، والشك والجهل متأخران رتبةً عن ذات الحكم الواقعي (المعلوم). وحيث إن الرفع متأخر بمرتبتين عن الحكم الواقعي، اختلفت المرتبة الرتبية بينهما؛ ومعه يمتنع أن يتجه الرفع بذاته إلى الحكم الواقعي؛ لاستحالة التناقض بين أمرين تباعدت رتبتهما.
فبموجب قضية «رفع كل شيء نقيض وجوده»، يتعين توجيه الرفع إلى حكمٍ يقع معه في مرتبة رتبية متحدة؛ والرفع إنما يطرأ في ظرف الشك والجهل بالحكم الواقعي، وهذا الشك صالح لأن يكون منشأً لانتزاع حكم ظاهري؛ كـ “وجوب الاحتياط”. وعليه، يؤول مساق حديث الرفع إلى بيان أنه في حال طروء الشك في الحكم الواقعي، فإن الشارع لا يثبت في حقكم حتى الحكم الظاهري المفترض. فقوله «رُفع ما لا يعلمون» مساوق لرفع الحكم الظاهري المتصور في ظرف الجهل بالحكم الواقعي؛ فيقع الرفع مسلطاً على الحكم الظاهري، ويتحدان في المرتبة الرتبية بلا محذور.
أما لو أصررنا على جعل الرفع متعلقاً بالحكم الواقعي مباشرة، لالتطم المطلب بقاعدة «النقيضان في مرتبة واحدة». فعليه، لا بد من فرض الرفع مسلطاً على وجوب الاحتياط بوصفه حكماً ظاهرياً؛ وهو الحكم الذي كان بمقدور الشارع جعلُه وتثبيتُه في ظرف الجهل بالحكم الواقعي؛ إذ كان يسوغ للمولى أن يقول: “كلما ترددت في الحكم الواقعي فعليك بالاحتياط”. فإذا ما رُفع هذا الوجوب الظاهري، ثبت نقيضه عقلاً وصناعة، وهو “عدم وجوب الاحتياط”. ومن الواضح أن وجوب الاحتياط ورفعه (عدم وجوبه) يقعان بالدقة في مرتبة رتبية واحدة؛ وهذا هو جوهر برهان المحقق العراقي.
وقد أعدتُ صياغة هذا البرهان تقريراً لإزالة الإبهام الذي تداخل على بعض الأفاضل ولم يتضح لهم وجهه تماماً.
الإشكال على الشاهد الخامس
إن الإشكال الصياغي الموجه إلى هذا الشاهد يرتكز على إرجاع برهان المحقق العراقي إلى نفس ملاك “إشكال الدور” المشهور في مسألتي “أخذ قيد العلم بالحكم في متعلق نفس الحكم” أو “أخذ قصد القربة في متعلق الأمر”. ويرى المستشكل أن المسألتين وجهان لعملة واحدة؛ بمعنى أن المحقق العراقي حاول الاستفادة من برهان استحالة أخذ قيد العلم أو قصد القربة ليتوصل هاهنا إلى إثبات الرفع الظاهري؛ فركب دليله على وزن امتناع أخذ قيد العلم في الحكم، ومن ثم فإن الجواب المحرر في دفع شبهة الدور هناك ينعطف عينه لحل المعضلة هاهنا؛ لقرابة الملاك واتحاد الصنعة.
وقد عولج إشكال الدور هناك بالتفكيك بين “الحكم بالذات” و”الحكم بالعرض”. وكما استقر في المباحث العليا، فإن الأعاظم طرحوا حلولاً متعددة لدفع الدور؛ فمنهم من فكك بين العلم الإجمالي والعلم التفصيلي، ومنهم من فكك بين الوجود الخارجي والوجود الذهني للحكم، ومنهم من عبر بالتغاير بين الحكم بالذات والحكم بالعرض. و”الحكم بالذات” هو الحقيقة الثبوتية المستقرة في علم الله وفي صقع اللوح المحفوظ، بينما “الحكم بالعرض” هو الجعل الإبرازي الحاكي عن الحكم بالذات والمتردد على لسان الرسول أو أهل بيته (عليهم السلام). وحينئذٍ ينحل الدور بالتفكيك؛ فالإصابة العلمية تتوجه بالذات إلى “الحكم بالعرض” (الوجود الخارجي)، بينما الحكم المتوقف رتبةً على العلم هو “الحكم بالذات” (الوجود الذهني)، فارتفع محذور الدور.
ومقام محاكمة الشهيد الصدر يبتني على اتحاد المشكلة ثبوتاً واتحاد علاجها صياغةً؛ ففي باب أخذ قيد العلم بالحكم، كان محط البحث ناظراً إلى مقام “وضع الجعل وإنشائه”؛ حيث قيل بامتناع مدخلية العلم في صياغة الجعل. أما في موردنا، فالبحث متوجه إلى مقام “الرفع” لا الوضع، وأردنا إقامة “الجهل” مقام “العلم”؛ لنقول بامتناع مدخلية الجهل والشك في رفع الحكم واقعاً ثبوتاً. فيتحصل أن العراقي فرّ إلى الرفع الظاهري لظنه امتناع أخذ الجهل في موضوع الرفع الواقعي؛ وهو عين ملاك امتناع أخذ العلم في وضع الحكم.
هذا هو تقرير المستشكل للشاهد الخامس ولصياغة العراقي؛ حيث رده أولاً إلى تلك القاعدة، ثم أفاد ثانياً بأن العلاج بالتفكيك بين “الحكم بالذات” و”الحكم بالعرض” كفيل بقطع حبل الدور هاهنا أيضاً؛ ومعه يستقيم فرض الرفع واقعياً وثبوتياً بلا محذور رتبي، فتبطل ثمرة الشاهد الخامس. وهذا بسطٌ لما تداولناه باختصار في الجلسة السابقة نزولاً عند رغبة السائلين.
بررسی الإشكال ومحاكمته
والسؤال المطروح: هل هذا التحليل والرد الصياغي سديد في ميزان الصناعة أم لا؟
والذي يبدو بالنظر الدقيق أن أصل إرجاع كلام المحقق العراقي إلى مسألة “امتناع أخذ قيد العلم” محل تأمل ونظر؛ ويمكننا في توجيه مرام المستشكل (الشهيد الصدر) صياغة احتمالين:
-
الاحتمال الأول: أن مقصود المستشكل هو أن المحقق العراقي يرى لزوم محذور الدور هاهنا بالدقة كما يبرهن عليه هناك؛ فجاءت محاكمة الشهيد الصدر مرجعةً لأصل البرهان والحل معاً إلى مسألة أخذ قيد العلم.
-
الاحتمال الثاني: أن المستشكل غض النظر عن اتحاد أصل المطلبين، وإنما أراد القول بأن الجواب الصناعي المستعمل لدفع الدور هناك صالحٌ للوفاء بحل المشكلة الرتبية هاهنا؛ بقطع النظر عن عينية المسألتين.
والحق أن أصل هذا الإرجاع والربط بين المطلبين مستصعب جداً؛ لأن بنيان كنعان المحقق العراقي مشيد بالكامل على المقدمتين العقليتين المقررتين: «رفع كل شيء نقيض وجوده» و«النقيضان في مرتبة واحدة». فأي رابط صياغي يجمع هذا بمسألة “أخذ قيد العلم في موضوع الحكم”؟ فالعراقي يقرر أن الرفع مساوق لثبوت نقيض المرفوع، فإذا رُفع حكمٌ وجب ثبوت نقيضه؛ وهذه قضية مستقرة؛ والمقدمة الثانية تقضي باتحاد رتبة النقيضين؛ وهي كبرى يقينية كذلك.
فإذا جئنا إلى مقام التطبيق؛ فالمستشكل يرى توجه الرفع إلى الحكم الواقعي ثبوتاً في ظرف الشك والجهل؛ ولكن هل مرتبة الحكم الواقعي متحدة مع مرتبة المرفوع؟ وجداناً وصناعةً لا رتبة واحدة بينهما؛ فالإيجاد التشريعي للواقعي متقدم بمرتبتين؛ إذ لا بد من رتبة الحكم الواقعي أولاً، ثم رتبة الجهل والشك به ثانياً، ثم رتبة الرفع ثالثاً. فكيف يصح لرفعٍ متأخر برتبتين أن يعود بالنقض الاستئصالي على حكم في رتبة متقدمة؟ إن الرفع يمتنع عقلاً أن يتعرض للمرتبة المتقدمة بالنقض برسم النقيض؛ لأن قضية التناقض تتطلب رتبة متحدة. وهذا البيان مستغنٍ بذاته عن الإرجاع لمباحث الدور السابقة؛ فالمسألتان تفترقان موضوعاً وملاكاً.
السؤال: …
الأستاذ: متى يسوغ توجيه الرفع للحكم الواقعي صياغةً؟ لو قيل بالإناطة المعلقة على ظرف «إذا شككت» أو «إذا جهلت»؛ وحيث إن عنوان «مَا لَا يَعْلَمُونَ» يعم الشك والجهل معاً بجهة عدم العلم؛ فيكون الشك في الحكم الواقعي متأخراً رتبةً عن نفس الحكم. والسؤال الصارم على وزان قضية «رفع كل شيء نقيض وجوده»: هل يمكن إيقاع الرفع في مرتبة متأخرة لينقض حكماً في مرتبة متقدمة؟ محال؛ وهذا هو مرام المحقق العراقي… فإما أن يُخدش في كبرى التناقض أو في موضوعية الرفع، أما إقحام مسألة أخذ قيد العلم فخروج عن محط البرهان؛ ولا ملازمة تقتضي انحصار الأمر في اختصاص الأحكام بالعالمين… ما أردتُ تجليته أن المطلبين في واديين شتى. وعلى فرض التسليم بالاتحاد، فالجواب منحل… نعم، الشهيد الصدر التزم بالجواب وإن كان العراقي يقبل بتمامية المقدمتين هناك وهناك. فتدبر… حسن جداً. بل النكتة المحورية أن المستشكل حاول حرف مسار البرهان العقلي للعراقي عبر صبغه بصبغة الدور الإنشائي؛ ليستنتج من ذلك إبطال الشاهد الصياغي وعودة الرفع للواقع؛ وهو خروج نافذ عن مضمار البرهان الأساس.