The news is by your side.

الدرس الثالث، المقدمات، المقدمة الثالثة

الدرس الثالث
المقدمات – المقدمة الثالثة: مقارنة إجمالية للأصول العملية بين الشيعة وأهل السنة – المقدمة الرابعة: منشأ الأصول العملية

23 ربيع الأول 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

بيّنّا في مستهل البحث في الأصول العملية أنه يتعين علينا التعرض لعدة مقدمات. وقد كانت المقدمة الأولى تدور حول أن اصطلاح “الأصل العملي” لم يكن مستعملاً في بدايات عصر الفقاهة والاجتهاد، ولكنه دخل بمرور الوقت في حيز أدبيات الفقهاء والأصوليين. وكانت المقدمة الثانية في تاريخ الأصول العملية وأدوارها الثلاثة؛ حيث ذكرنا ثلاثة أدوار وثلاث مراحل للأصول العملية، وبيّنّا مسار تطورها إجمالاً، واتضح من خلال ذلك حجم البون الشاسع بين المرحلة الأولى للأصول العملية (وإن كانت مستعملة دون العناوين الأربعة المعروفة) وبين المرحلة والدورة الأخيرة لها.

المقدمة الثالثة: مقارنة إجمالية للأصول العملية بين الشيعة وأهل السنة

تعنى المقدمة الثالثة بالمقارنة الإجمالية بين الأصول العملية في فقه الشيعة وفقه أهل السنة. وقد بيّنا سابقاً وبصورة إجمالية الأدوار والمراحل الثلاث للأصول العملية في فقه الإمامية.

1. الشيعة

إن وضع الأصول العملية في العصر الحاضر -والذي بدأ تقريباً من عصر الوحيد البهبهاني وتنقّح وتحدّد بوضوح أكبر بعد ذلك على يد الشيخ الأنصاري ولا يزال حاكماً على فكر أصوليينا وفقهائنا حتى اليوم- يقوم على أن الفقهاء في مقام الاستنباط يبحثون في المرتبة الأولى عن دليل على الحكم الشرعي. فإذا عثروا في مظان وجود هذه الأدلة على دليل من الآيات، أي من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو العقل، وتمكنوا من استفادة الحكم الشرعی فبِها ونِعْمت. ولكن إذا لم يتمكنوا من استنباط الحكم من الدليل الشرعي، أو لم يجدوا أي دليل أصلاً، فإنهم ينتقلون عندئذٍ إلى المرتبة الثانية المتمثلة في تحديد الوظيفة العملية للمكلف فحسب. وهذه الوظيفة إما أن تؤمّن عذراً للمكلف، أو تؤدي إلى التنجيز؛ فهي منجِّزة في حال موافقة الواقع ومعذِّرة في حال المخالفة، شأنها في ذلك شأن الأمارات تماماً. وتُعرف القواعد والأصول التي تنبّه المكلف في هذه المرتبة إلى وظيفته العملية باسم “الأصول العملية”. فالأصول العملية هي القواعد التي تبين موقف المكلف العملي في الظروف التي لا يمكن فيها استفادة الحكم من الأدلة.

وقد أشرت بالأمس إلى أن الأمر لم يكن كذلك في الماضي، ونوهت بالفارق بين العصرين؛ إذ قد يتراءى لنا أن الأصول العملية طُرحت منذ البداية بهذه النظرة والصراحة والشفافية في كتبنا الأصولية أو الفقهية، في حين لم يكن الواقع كذلك. فقد لاحظتم كيف أن بعض الأصول العملية في المرحلة الأولى والدورة الأولى كانت تُطرح بوصفها شعبة من الدليل العقلي وفي عرض الكتاب والسنة أو الإجماع. وقد ذكرنا تلك التغيرات إجمالاً ليتضح حجم التفاوت الكبير الحاصل اليوم مقارنة ببدء الأمر.

وكان السبب في إقبال فقهاء الشيعة على الأصول العملية بكثرة هو أنه بعد عصر المعصومين ولحقبة من الزمن، كان الفقه المنصوص هو السائد والدارج بين الفقهاء؛ أي إنه إذا طُرح سؤال أو استفتاء حول موضوع ما، كان فقهاؤنا يجيبون بالاستناد إلى النصوص. ولذا كانت كتب الفتاوى تُصنَّف بعين عبارات الروايات، أو كان يؤتى بنص الروايات نفسه. ولم يكن مبحث تفريع الفروع مطروحاً في البداية، بل كان السائد هو فقه المتلقاة بتعبير بعضهم. فالشيخ الصدوق عندما كان يريد الإفتاء، كان يكتب عين متن الرواية، ولم تكن الأدبيات الجديدة قد تشكلت بعد.

ولكن بعد مضي برهة من الزمن على انقطاع الارتباط بين الإمام المعصوم والناس، ومواجهة المجتمع -ولا سيما الفقهاء- للمسائل المستجدة والأسئلة الحادثة، بدأ الفقهاء يفكرون تدريجياً في سد هذه الفجوة وتعويض غياب المصادر الأساسية للأحكام الشرعية. ولما قصرت أيديهم عن الوصول إلى الأئمة المعصومين، أخذوا يفكرون في تمكين الفقه وتقويته بالأدوات التي وضعها المعصومون تحت تصرفهم. ومن هنا بدأ تفريع الفروع، وتجشم الفقهاء في سبيل ذلك عناءً كبيراً؛ حيث استنبطوا القواعد العامة من الأحكام الجزئية الواردة في الروايات، وأجابوا من خلالها عن الأسئلة المطروحة. أي إن أساس إجابات الفقهاء على أسئلة الناس كان مستمداً من تلك المضامين التي قالها الأئمة «عليهم السلام» في قالب قضايا جزئية.

وفي بعض الموارد، لم يكن قد ورد أي نص أو رواية أو بيان من جانب المعصوم، غير أن مسألة الجهل بالحكم، أو الشك فيه، كانت قد وردت في بعض الروايات، وهذا ما دفع الفقهاء نحو الاتجاه صوب الأصول العملية.

إذن، إن الدخول في عصر الفقه التفريعي والخروج من عصر الفقه المتلقى، ومواجهة المسائل المستجدة، وانقطاع ارتباط الفقهاء بالمعصومين، كل هذه العوامل دفعت بالفقهاء إلى السعي لجمع قواعد تبين للمكلف وظيفة عملية في مقام العمل، على أقل تقدير في ظروف الجهل والتردد بشأن الحكم.

لذلك ترون أن البحث في الأصول العملية قد اتسع وتوسع كثيراً في فقه الشيعة. لقد كانت هذه ضرورة ألجأت الفقهاء إلى اصطياد هذه القواعد، لا سيما في ظرف التردد والشك، لتحديد وظيفة المكلفين.

2. أهل السنة

أما أهل السنة، فقد كان طريق الرجوع إلى الأمارات الظنية بل وحتى غير الظنية مفتوحاً أمامهم منذ البداية. فقد لجأوا إلى بعض الأدوات من قبيل: القياس، والاستحسان، وفتح الذرائع، وسد الذرائع، والمصالح المرسلة، وأشباهها، وتمكنوا بالاعتماد على هذه الأمارات والظنون -بحسب زعمهم- من الكشف عن الأحكام الشرعية.

أما وجود خلافات بين مذاهب أهل السنة من هذه الجهة فهو مبحث آخر؛ ففيما يخص القياس مثلاً، ليس كل أهل السنة يأخذون به بهذا المعنى، كما لا يرتضي جميعهم المصالح المرسلة. وقد أشرنا سابقاً في مناسبة ما إلى هذه الاختلافات، وأظن أن شقاً منها كان في مبحث “قاعدة المصلحة” وشقاً آخر في مبحث “تأثير الزمان والمكان في الاستنباط”. فهناك اختلاف بين المذاهب الأربعة لأهل السنة في أصل مصادر الحكم الشرعي وفي سعتها وضيقها على حد سواء.

وبصرف النظر عن الخلاف القائم بين مذاهب أهل السنة في سعة هذه المصادر أو في أصل هذه المنابع، إلا أن أيديهم كانت في الجملة مبسوطة أكثر منذ البداية في الوصول إلى الحكم الشرعي. فكانوا يستنبطون حكم كثير من الموارد بالاعتماد على النصوص؛ وتارة يستخرجون الحكم الشرعي بالاستناد إلى بعض القواعد التي يعتقدون أنهم استنبطوها من النصوص، تحت عناوين مثل المصالح المرسلة، أو فتح الذرائع، أو سد الذرائع، أو القياس، أو الاستحسان. لذا قلّما كانت تعرض لهم موارد يبقى الشك فيها محيطاً بالحكم الشرعي؛ ومن ثم ربما كانت حاجتهم وإلزامهم بالأخذ بالأصول العملية أقل.

لهذا السبب ترون أن مبحث الأصول العملية في كتب الأصول عند الشيعة أوسع بكثير وأكثر عمقاً وتفصيلاً مما هو عليه في كتب أهل السنة.

وبطبيعة الحال، فإن مسألة ما إذا كان الرجوع إلى الأصول العملية بهذا الاتساع أمراً ضرورياً في الكشف عن الحكم الشرعي أم لا، هي بحث آخر ينبغي أن يُبحث بالتفصيل في ثنايا مبادئ علم الفقه؛ إذ توجد هنا رؤيتان:

الرؤية الأولى ترى أنه إذا أصبح فقهنا مواكباً للعصر وفعالاً، وبادر إلى كشف الأحكام الشرعية مع رعاية عنصري الزمان والمكان، وجرت عملية الاستنباط بملاحظة هذين العنصرين، فلربما تقل حاجتنا كثيراً إلى الرجوع للأصول العملية. ويعتقد فريق أن الوقت قد حان لإعادة النظر والإصلاح من هذا المنظور.

بينما يعتقد الفريق الآخر بخلاف ذلك؛ إذ يرى أننا لا يسعنا استنباط الأحكام الشرعية بأكثر مما بُذل من جهد حتى الآن، وبالتالي يجب أن تستمر الأصول العملية بذات السعة والامتداد الذي كانت عليه، بل يتعين بسطها وتوسعتها أكثر.

ونحن في الوقت الراهن لا شأن لنا بهذا البحث وهذه النظرة وهذا الخلاف؛ لأنه لا يرتبط ارتباطاً وثيقاً بمحل كلامنا.

ولسنا بصدد إجراء استقصاء وحصر كامل وشامل لمستوى تعرض العامة لمبحث الأصول العملية حالياً؛ غير أن الثابت هو أن حاجة الشيعة للأصول العملية بالنظر إلى المحدودية القائمة في مصادر استنباطهم تفوق بكثير حاجة العامة إليها. فالأخيرون قد أدرجوا إلى جانب الكتاب والسنة والإجماع والعقل -الذي هو محل خلاف عندهم أيضاً- مصادر أخرى يرونها معتبرة ويستفيدون منها الأحكام، بينما لا نعدّها نحن كذلك؛ ولهذا كانت حاجتهم إلى الأصول العملية أقل بكثير. وهذا فارق كلي وجوهري بين نظرية الإمامية والعامة تجاه الأصول العملية.

وبطبيعة الحال، ذكرنا أن الخلافات الجزئية هنا كثيرة، ولسنا بصدد الخوض فيها وتفصيلها.

المقدمة الرابعة: منشأ الأصول العملية

تحمل المقدمة الرابعة عنوان “منشأ الأصول العملية ومصدرها”؛ أي أين تكمن جذور الأصول العملية؟

لقد تحدثنا في المقدمة الثانية عن الأدوار الثلاثة للأصول العملية، وما طرأ عليها من تطورات من عصر السيد المرتضى والشيخ الطوسي إلى عصر المحقق صاحب الشرائع ثم عصر العلامة المجدد الوحيد البهبهاني. وهذا في حد ذاته يمثل قسماً مهماً، بل إننا أشرنا إلى شق منه اليوم في المقدمة الثالثة عند الحديث عن كيفية حدوث مرحلة الانتقال في العصور الأولى.

وفي المرحلة الأولى والدورة الأولى للأصول العملية، والتي قلنا إنها بدأت من زمن السيد المرتضى وابن زهرة والشيخ الطوسي، وعلى الرغم من أن بعض الأصول فقط -كالبراءة والاستصحاب- كانت مورد الالتفات، ومن دون تسميتها بـ “الأصل العملي”، فأين تكمن جذور هذا الأمر؟ إنْ طرح السيد المرتضى للبحث في هذه الأصول، وتعرض ابن زهرة لها، من أين نبع وما هي نقطة انطلاقه؟ فقد وردت في بعض عبارات السيد المرتضى عبارة: “الأصل في العقل”، وقلنا إن هذا يشير إلى شعبة من شعب البراءة. أو يقول السيد المرتضى مثلاً: “الأصل انتفاء الأحكام الشرعية، فمن أثبتها كان عليه دليل”، وهذا هو عين البراءة الأصلية، بل إن بعضهم عبّر عنها بـ “استصحاب حال العقل” أو “استصحاب البراءة”. فمن أين نبع هذا المقدار المحدود من الإشارات التي ساقها ابن زهرة وابن إدريس والسيد المرتضى لبعض الأصول العملية؟

بوسعنا القول بلا ريب: إن منشأ الأصول العملية ومصدرها هو السنة وقول المعصوم وفعله، تماماً كاعتمادنا على ظواهر الآيات وظواهر الروايات وسائر الأدوات التي نمتلكها لاستنباط الحكم الشرعي.

ولو أردنا فهرسة الروايات الواردة عن المعصومين والتي تشير بنحو ما إلى هذه الأصول وتُعدّ مبنى لها، مع الالتفات إلى المفاهيم الواردة في هذه الألفاظ، لوجدنا عدة عناوين؛ وهي عناوين حاضرة في الروايات وموضع التفات الفقهاء؛ كلفظ “الاحتياط” نفسه والموارد التي أوصي فيها بالاحتياط، وعدم نقض اليقين بالشك، والابتناء على طهارة الشيء المشكوك، والابتناء على حلية الشيء المشكوك، وأصالة الطهارة، وأصالة الحلية؛ من قبيل: «كل شيء لك حلال حتى تعلم أنه حرام»، و«كل شيء لك طاهر حتى تعلم أنه قذر»؛ فهذه هي نصوص الروايات بعينها، وتلك الأصول مستقاة من هذه النصوص. فمثلاً في بعض الموارد عندما يسأل السائل عن حكم شرعي في موضع يجهل فيه الحكم، يوجهه الإمام بالقول مثلاً: “احتاطوا”. فلدينا روايات تأمر بالاحتياط إذا جهل المكلف حكم مسألة ما، وبغض النظر عن كون هذا موجهاً للشك في أصل التكليف أو الشك في المكلف به، فإن أصل التوصية بالاحتياط في موارد شك الإنسان في الحكم ثابت في كلمات المعصومين.

وكذلك الحال في بعض الموارد التي وردت فيها التوصية بالتخيير عند تعارض الأدلة.

السؤال: ليس بوصفه أصلاً عملياً…

الجواب: ذلك “التخيير” هو تخيير شرعي، وليس تخييراً عقلياً؛ ففي مورد الخبرين المتعارضين طرحت أخبار العلاج مسألة التخيير في مرحلة ما، بعد تعذر العثور على مرجح؛ غير أن هذا التخيير الشرعي عينه في موارد تعارض النصوص قد صار مستنداً استعان به الفقهاء في بحث التخيير العقلي أيضاً، وبغض النظر عن كيفية ذلك الآن؛ فالشاهد أننا نستطيع تلمّس الجذور حتى في مسألة التخيير. وأما الاستصحاب فأمره جلي واضح؛ حيث ورد في النصوص التوجيه بعدم نقض اليقين بالشك. وصحيح أن ذلك ورد في موارد جزئية، ولم يطرح الأئمة جل هذه الأمور في قالب قواعد عامة، غير أن الفقهاء والعلماء استطاعوا بعد سبر هذه الأحكام الواردة في قالب قضايا جزئية أن يستخرجوا القواعد العامة وينقحوها ويهذبوها ليستعملوها كأصول عملية.

ولم يكن بمقدور الأئمة المعصومين «عليهم السلام» بيان جملة هذه الأصول والقواعد للناس من دون توفر الأرضية والجاهزية اللازمتين. فكانوا يجيبون السائلين على قدر ما تسمح به السعة والقدرة الاستيعابية آنذاك. ولكن بمرور الزمن وتكامل العلوم واتساع الطاقات والقدرات، شمر الفقهاء عن سواعدهم واستنبطوا هذه القواعد والأصول وأعملوها. وبناءً على ذلك، يمكننا القول بيقين: إن منشأ الأصول العملية ومصدرها الأساسي هو كلمات المعصومين بلا ريب.

نعم، أُضيف إلى ذلك بناء العقلاء وحكم العقل لاحقاً، غير أن ما كان مستنداً لكشف هذه القواعد وموجباً لتوسعتها في بادئ الأمر هو عين كلام الأئمة المعصومين «عليهم السلام» وأحاديثهم، وهو ما أدى بطبيعة الحال إلى اتساع وتطور هذه العلوم.

وبالرغم من وجود تفاصيل أخرى يمكننا الإشارة إليها هنا، غير أننا نؤثر عدم الإطالة في هذا الموضع.