المسؤولية القانونية لنفقة الزوجة الطبية والحدود الشرعية للقتل الرحيم
فقه الأمراض المستعصية: المسؤولية القانونية لنفقة الزوجة الطبية والحدود الشرعية للقتل الرحيم
نفقة الزوجة مفهوم عرفي يدور مدار حفظ واستقرار حياتها وصيانة عيشها الكريم؛ مما يجعل تأمين تكاليف علاج الأمراض الصعبة والمستعصية جزءاً لا يتجزأ من النفقة الواجبة شرعاً على الزوج.لا يسوغ وصف السلوكيات والممارسات التي تؤدي تدريجياً لإصابة الإنسان بأمراض مستعصية -كالإفراط في السكريات الممهد لمرض السكري- بالحرمة الشرعية بمقتضى حرمة الإضرار بالنفس.إن الدعم والتوكل الروحي بالدعاء والتعاويذ الاستشفائية لا يغنيان عن مراجعة الطبيب؛ والتقاعس عن التماس الطبابة بدعوى التوكل هو مسلك مذموم في الشريعة.
تنطوي قضية الأمراض المستعصية والصعبة العلاج -والتي تشهد تزايداً ملحوظاً في الآونة الأخيرة- على زوايا وجوانب فقهية متعددة؛ بدءاً من حكم “القتل الرحيم” (الأتانيشيا)، والمسؤولية القانونية والشرعية للزوج في سداد تكاليف علاج زوجته، وصولاً إلى جواز التبرع بأعضاء مرضى الموت الدماغي للمحتاجين إليها.
ولتسليط الضوء على هذه الملفات الشائكة، أجرينا حواراً تخصصياً مع آية الله السيد مجتبى نورمفيدي، أستاذ دروس الخارج في الفقه والأصول بالحوزة العلمية في قم المقدسة؛ حيث حفل الحوار بالعديد من النكات والتحليلات الفقهية الرصينة.
وفيما يلي النص الكامل للحوار:
الإضرار بالنفس وتأصيل السلوكيات الممهدة للأمراض
شبكة اجتهاد: هل تتصف السلوكيات والممارسات التي تؤدي تدريجياً لإصابة الإنسان بأمراض مستعصية أو صعبة العلاج -كالسكري مثلاً- بالحرمة الشرعية؟ وهل يسوغ لنا مثلاً الإفتاء بحرمة الإفراط والمبالغة في تناول السكريات التي تؤول للإصابة بمرض السكري؟
الأستاذ نورمفيدي: يعود التكييف الاستدلالي لهذا التساؤل بالتحليل العلمي إلى عنوان كلي عام في الفقه، وهو: “الإضرار بالنفس”؛ وثمة خلاف فقهي مستمر حول هل يحظر الإضرار بالنفس على نحو مطلق، أم يتعين التفصيل فيه بين الضرر المعتد به وغير المعتد به. وصحيح أن المشهور -أو المنسوب إليهم- يذهب للقول بالحرمة المطلقة للإضرار بالنفس، واصفاً التفصيل بين الضرر المعتد به وغير المعتد به بأنه مذهب غير مشهور للفقهاء المتأخرين.
ولكن بغض النظر عن هذه الخلافات، فإن الإضرار بالنفس لا يتصف بالحرمة الشرعية على نحو مطلق؛ كما أن الأدلة والوجوه التي استند إليها دعاة التحريم المطلق للإضرار بالنفس قاصرة عن إثبات مدعاهم. وقاعدة “لا ضرر” وأدلتها التي تمسك بها طائفة من الأصوليين لإثبات حرمة الإضرار بالنفس، لا صلة لها بهذا المضمار يقيناً ولا يسوغ الاستدلال بها لإثبات حرمة الإضرار بالنفس.
شبكة اجتهاد: من أي جهة تذهبون لعدم صلاحية قاعدة لا ضرر للاستدلال؟ هل لكون لسان النص نافياً لا ناهياً؟
الأستاذ نورمفيدي: نعم، وبناءً على ما ألتزمه -مقتفياً منهج الإمام الخميني التجديدي في هذا الباب- فإن حديث لا ضرر هو حكم ونهي سلطاني وحكومي صادر من مقام الولاية لتسيير شؤون الحكم والسياسة الشرعية، ولا علاقة له بالاستدلال في مثل هذه الأبواب الفردية. وحتى لو لم نلتزم بهذا المبنى الحكومي، فإن فقرة “لا ضرر ولا ضرار” المروية في الأحاديث لا تعني الإضرار بالنفس يقيناً؛ بل تنصرف دلالتها بحسب السياق لإلحاق الضرر بالغير وتخطئته، فلا تشمل نفس المكلف.
أما الآيات الكريمة التي استند إليها البعض كقوله تعالى: «إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ»، وقوله عز وجل: «مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ» و«ظَلَمَ نَفْسَهُ»، فلا أرى دلالتها وافية لإثبات الحرمة المطلقة للإضرار بالنفس.
وإن ما ورد من النهي في الروايات والأحاديث حيال بعض السلوكيات -كأكل التراب والطين مثلاً- معلل بالأساس بترتب ضرر معتد به يؤول لتهديد كينونة الإنسان أو إتلاف عضو من أعضائه؛ وكما ورد في رواية المفضل بن عمر الشريفة عن الإمام الصادق (عليه السلام) حيث جعل مناط وملاك التحريم هو الضرر (سواء أكان دنيوياً أم أخروياً). وصحيح أن ثمة سجالاً أصولياً في كشف كنه هذا الضرر وهل يمثل علة للحكم أم حكمة تشريعية له؛ غير أن المضمون الأكيد للرواية يقر الحرمة عند ثبوت الضرر المعتد به يقيناً.
حكم العقل في دفع الأضرار والفرق بين الوجوب والحسن
شبكة اجتهاد: ألا تندرج هذه القضية تحت كبرى التحسين والتقبيح العقليين لتكون من المستقلات العقلية التي لا تفتقر لبيان الشارع وموقفه، أم يتحتم تأصيل الموقف من النصوص الشرعية حصراً؟
الأستاذ نورمفيدي: إن الحرمة التكليفية الشرعية أمر يتكفل ببيانه الشارع المقدس يقيناً. وصحيح أن بعض الكلمات قد تمسكت بدلیل العقل وأقامت أدلة عقلية من قبيل: “دفع الضرر المحتمل أو المظنون واجب عقلاً”؛ ولكن إذا كان حكم العقل بالوجوب عقلياً محضاً في تسيير الشؤون، فهل يقبل هذا الحكم العقلي التخصيص أو المانع الشرعي في مثل موارد وجوب الجهاد، وسداد الخمس والزكاة التي تنطوي بطبيعتها التكوينية على إلحاق ضرر ونقص مالي منجبر بالعبد؟ فهل يقبل حكم العقل التخصيص والمنع فيقول بوجوب دفع كافة الأضرار إلا ما قام الدليل الشرعي على جبرانه في الآخرة؟ والواقع أن السجال يثور في وجوب دفع الضرر من منظور العقل على نحو مطلق.
شبكة اجتهاد: العقل يملك يقيناً حكماً مستقلاً في دفع الأضرار غير المتداركة؛ فمثلاً لو أراد إنسان بلا مبرر غرس إبرة وخياطة بدنه، فإن العقلاء ينأون عنه ويقبحون صنيعه ووصفه بالسفه والعبث.
الأستاذ نورمفيدي: يقر العقل والعقلاء بقبح صنيع المكلف ويمنعونه من ممارسته حيال “الأضرار المعتد بها” يقيناً؛ ولكن السجال ينصب حول ما إذا أراد العبد إلحاق ضرر يسير بنفسه لا يضر ببنيته ولا يهدد أركان حياته واستقرار عيشه؛ فالعقلاء وإن ذموا صنيعه ووصفوه بالسفه والعبث، غير أن العقل لا يحكم بوجوب دفع مثل هذا الضرر اليسير وحرمته؛ لعدم توفر ملاك وجوب الدفع العقلي لديه.
وتأملوا معي؛ لو أراد شخص الدفاع عن نفسه بوجه من يريد غرس إبرة في بدنه، فإن غاية دفاعه ووجوبه ينبع بالأساس من رفض التعرض لحياضه وصيانة حرمته؛ وتضرب جذور هذا المنع في الخوف الفطري للإنسان من الموت ومقدماته المهلكة؛ وهو خوف غريزي جُعل في كينونة الكائنات لصيانتها؛ وينشأ من حب الذات وحفظ الحريم؛ ولكن لا صلة له بصدور حكم عقلي بالوجوب الشرعي. فبأي مبرر عقلي نصف الأضرار غير المعتد بها بالحرمة؟
ثمة تمايز وتفاوت كبير بين “حسن دفع الضرر” وبين “لزوم وجوب دفع الضرر” عقلاً؛ فالعقل يقر بحسن دفع الضرر وندبه، ولكنه لا يرى ضرراً يخل بالعدل لو ترك العبد هذا الدفع في الشؤون اليسيرة؛ وهو خلط معرفي شائع يقع فيه البعض بين الحسن والوجوب. ونرى نظير هذا الخلط في مسألة وجوب تقليد الأعلم؛ حيث يزعم البعض صدور حكم عقلي بوجوب ولزوم رجوع الجاهل للأعوج قسراً؛ في حين أن حكم العقل لا يتجاوز القول بـ “حسن وندب رجوع الجاهل للأعظم”؛ دون أن يرى وجوب التعيين والانحصار فيه شرعاً ومنع رجوعه للعلماء الآخرين الأقل رتبة.
وبناءً على هذا، فإن الأضرار غير المعتد بها والتي لا تلحق ضرراً بحياة الإنسان ولا تفتك باستقرار معيشته، لا دليل شرعياً ولا عقلياً يقضي بحرمتها؛ وهو ما تنطق به نصوص السنة الشريفة؛ فعلى سبيل المثال، يروى عن الرسول الأكرم (ص) أنه قال: «لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ». والواقع أن إهمال تنظيف الأسنان بالمسواك يورث تسوسها وتلفها بالتدريج، وهو ضرر ملموس يضر بقدرة الإنسان على هضم الطعام وصحته وتفشي الالتهابات؛ ورغم ذلك صرح النبي (ص) بعدم إقرار وجوبه صيانة للأمة من العسر والحرج؛ مما يبرهن على أن الأضرار غير المعتد بها لا تتصف بالحرمة شرعاً.
وإذا ما أردنا إدخال الأضرار غير المعتد بها في حظيرة المحظورات الشرعية بدعوى حرمة الإضرار بالنفس، لاختل النظام الاجتماعي للبلاد بالكامل ووقع الناس في عسر وحرج فادح لا يرتضيه الدين؛ فغازات السيارات، وتلوث الهواء، واستخدام الأواني البلاستيكية والمعدنية المصنعة، والموجات الكهرومغناطيسية واللاسلكية للاتصالات، والأطعمة المشتملة على المواد الحافظة، كلها تنطوي على نسب من الضرر والسموم التراكمية اليسيرة ببدن الإنسان؛ ورغم ذلك لم يفتِ فقيه بحرمتها يقيناً؛ مما يمثل مؤيداً فقهياً رصيناً لمدعانا.
أما ما تفضلتم بذكره من كون بعض السلوكيات تمثل مقدمات ممهدة لحدوث الضرر اللاحق (كالإفراط في السكريات الممهد لمرض السكري، أو الخمول والكسل الممهد له)، فكلها لا تندرج تحت مفهوم الضرر الفعلي المباشر؛ وعليه فلا يسوغ وصفها بالحرمة بمقتضى حرمة الإضرار بالنفس؛ ويتعين حينئذٍ دراسة المسألة تحت باب “الإعانة على الإثم”؛ وحيث لا نلتزم بحرمة مطلق الإعانة على الإثم لا سيما في “المقدمات البعيدة” التي يسهل انفكاكها وعدم صدق الإعانة عليها عرفاً، فيرتفع إشكال الحرمة عنها فقهياً.
تكاليف علاج الزوجة للأمراض المستعصية والمنظور العرفي للنفقة
شبكة اجتهاد: من فروع هذا المبحث وتطبيقاته المعاصرة، مسألة “تكاليف نفقة وعلاج الزوجة”؛ فهل يتلاءم المنهج الفقهي الذي ينفي وجوب دفع الزوج لتكاليف علاج الأمراض الصعبة والمستعصية لزوجته مع المعايير العقلائية والإنصاف؟ وما هو الدليل والوجه الفقهي لهذا الحكم السائد؟
الأستاذ نورمفيدي: ثمة خلاف فتوائي في هذه المسألة؛ حيث يذهب طائفة من الفقهاء لنفي وجوب إدراج تكاليف علاج الأمراض المستعصية والصعبة ضمن “النفقة الواجبة للزوجة” كلياً؛ بينما يذهب آخرون لإدراج التكاليف والنفقة الطبية للأمراض المعتادة واليسيرة في النفقة، واستبعاد تكاليف الأمراض المستعصية (كالسرطان وغيره)؛ وقيد بعضهم الوجوب بعدم وقوع الزوج في العسر والحرج المالي لإعفائه منها؛ وتعددت الآراء والأنظار في هذه المسألة.
وفي الخطوة الأولى، يتعين علينا تحرير المعنى الفقهي والشرعي لـ “النفقة” والوقوف على أدلتها ووجوبها؛ فالحكم بوجوب النفقة يعني إلزام الزوج بدفعها وتأمينها لزوجته سواء أكان ميسراً أم معسراً، ويتحتم عليه الاستدانة والقرض لتأمينها للزوجة صيانةً لعقد الزوجية؛ كما تلتزم الشريعة بوجوب النفقة للزوجة سواء أكانت الزوجة غنية وموسرة أم فقيرة؛ فلو كانت الزوجة تملك ثروة طائلة موروثة مثلاً وأبت الإنفاق على نفسها وطالبت زوجها الموظف البسيط بالنفقة، وجب عليه الاستجابة وتأمين نفقتها شرعاً وقانوناً. فالقضية لا تنحصر في الجانب الأخلاقي والمواساة الفردية فحسب، بل تحكمها التزامات قانونية وشرعية صارمة.
وبناءً على ما تقدم، نخلص فقهياً إلى أن النفقة تعني: “تأمين الأموال والوسائل اللازمة لإقامة حياة متعارفة للزوجة وصيانتها من التلف”. وصحيح أن طائفة من فقهاء السلف قد حصروا النفقة في تأمين الغذاء والكسوة والمسكن بمقتضى جمودهم على مصاديق الروايات التاريخية، بل وذهب شواذ منهم للقول بوجوب الاقتصار على قوت لا يموت فحسب؛ غير أن الفهم التفسيري الصائب يرى تلك المصاديق الواردة من قبيل المثال لا الحصر، وأن النفقة تتبع المفهوم العرفي العام لما تحتاجه حياة الزوجة وصيانة استقرارها وعيشها الكريم وفقاً لشأنها ومكانتها الاجتماعية والزمانية، مما يجعلها متبدلة بتبدل العصور والبيئات. فكيف نقر بوجوب تأمين لوازم الكحل والزينة والماكياج للزوجة بوصفها نفقة واجبة على الزوج، بينما نرفض وننفي وجوب تأمين الدواء وتكاليف العلاج لحفظ حياتها وصحتها؟!
إن هذا التهافت والجمود في كلمات بعض الأقدمين يبرهن بوضوح على خطأ منهجيتهم الاستدلالية وقصورها المعرفي؛ فالنفقة مفهوم عرفي يدور مدار حفظ واستقرار حياة الزوجة وتأمين ما يحتاج إليه عيشها الكريم وفقاً لشأنها؛ مما يجعل الدواء والعلاج الطبي للأمراض سهل العلاج ومستعصيها جزءاً لا يتجزأ من النفقة الواجبة شرعاً على الزوج؛ بالرغم من معارضة هذا الرأي لمشهور فتاوى المعاصرين الذين يخرجون تكاليف علاج الأمراض المستعصية من النفقة بذريعة فداحتها وعدم رجاء برئها؛ لكوننا لا نملك مسوغاً فقهياً يبخس حق الزوجة في العلاج وحفظ حياتها بذريعة صعوبة المرض وضآلة أمل الشفاء؛ فالمرض المستعصي كالجوع يهدد الحياة وتجب كفالته بالإنفاق المالي.
ونحن نرى في المنظومة الاجتماعية الراهنة أن تكاليف الطبابة والعلاج هي من مقومات الحياة الأساسية؛ وكما يتكفل الزوج بالإنفاق على مأكلها وملبسها، فإن الدواء والطبابة أولى بالوجوب والضمان العرفي والشرعي. وصحيح أن حرج الزوج المالي المعسر يرفع عنه وجوب التكليف بمقتضى “قاعدة لا حرج” لئلا يقع في تضييق فادح، غير أنه في حال يسره وتمكنه تظل نفقة علاج زوجته واجبة عليه يقيناً وإن كانت الزوجة موسرة؛ لتساوق هذا المفهوم مع حقيقة الإنفاق بالمعروف.
حكم الأتانيشيا ومقام الرضا في مواجهة الأمراض المستعصية
شبكة اجتهاد: هل تشمل أدلة حرمة قتل النفس والاعتداء على كينونة الإنسان موارد “القتل الرحيم” (الأتانيشيا) التي لم تكن مألوفة أو شائعة في زمن صدور النص الشريف؟ وما هو الوجه الفقهي لمن يذهب للقول بجواز بعض أقسام القتل الرحيم؟
الأستاذ نورمفيدي: ينطوي القتل الرحيم أو الموت الميسر الترحمي على أقسام وصور متباينة؛ وثمة صور منه معمول بها اليوم في مستشفياتنا ولا حرج فيها فقهياً؛ ومصداق ذلك يبرز في حالات “الموت الدماغي” التي يتفق فيها الأطباء وأهل الخبرة على تلف الخلايا الدماغية بالكامل وتحولها لمائع يستحيل معه عودة الحياة والإدراك والوعي للمريض مطلقاً، وتقتصر حياته على “الحياة النباتية المحضة” بالاستعانة بالأجهزة والآليات الطبية؛ فبناءً على رضا وليه الشرعي يصح قطع الأجهزة الطبية عنه وإعلان الوفاة، وهو رأي نلتزمه لترتب منافع إنسانية عظمى عليه كالتبرع بأعضائه لإنقاذ حياة المحتاجين الأبرار.
أما في غير هذا المورد، كإقدام المريض بملء إرادته واختياره أو بطلب أوليائه من الطبيب إنهاء حياته للتخلص من ران الآلام والأوجاع المصاحبة لمرضه المستعصي؛ فالقول بالجواز في غاية الصعوبة والمنع؛ لكون أدلة حرمة قتل النفس وإهلاكها تمنع هذا الفعل يقيناً وتعده انتحاراً محرماً؛ وصحيح أن المريض يبدي رضاه بإنهاء حياته، غير أن رضا المجني عليه وسلوكه قد يسقط القصاص أو الدية عن الفاعل قانوناً، ولكنه لا يرفع الحرمة التكليفية والشرعية للإقدام على سلب الحياة الإنسانية التي جعل الخالق صون عراها وحرمة سلبها واجباً مطلقاً لا يملكه الإنسان نفسه.
والموضوع يرتبط بركائز عقائدية وأخلاقية عميقة في مدرسة التشيع؛ فالآلام، والأوجاع، والأسقام الصعبة التي يتحملها المؤمن في دنياه صابراً محتسباً، تمثل في حقيقة الأمر ممهداً لتزكية نفسه وتطهير روحه ومحو خطاياه قبل ارتحاله؛ وكما بينا في مباحث الشفاعة، فإن الشفاعة تمثل المحطة والمرحلة الختامية للعبد الصالح؛ بينما يتعين عليه المرور عبر عقبات الآلام الدنيوية، وعذاب البرزخ، والوقوف الطويل في محشر القيامة لتطهيره من ناخست ذنوبه؛ وحين نؤمن ببركة هذه الأوجاع والآلام في صناعة خلاصنا الأخروي وتطهير نفوسنا، فبأي مبرر عقلي أو ديني نسارع لإنهاء حياتنا بالانتحار للتخلص من وجع عابر لنقع في غضب الله وسخطه؟
أما ما تمسك به البعض لصياغة قولهم بجواز القتل الرحيم بالاستناد للآية الشريفة: «إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ ۖ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ»؛ بالقول إن الآية تبيح للمضطر ارتكاب المحرمات صيانة لحياته، غير أنها لا توجب عليه ذلك قسراً فله الامتناع عن أكل الميتة والموت جوعاً بغير إثم؛ فالعقل يبيح له ترك السعی لحفظ حياته والموت؛ فإن هذا الاستدلال والقياس مع الفارق بالكامل؛ لعدم انطباق ملاك الاضطرار في الآية الشريفة على ما نحن فيه من الإقدام على سلب الحياة والانتحار هرباً من أوجاع المرض.
التلازم بين الطبابة المادية والتوكل بالدعاء والاستشفاء
شبكة اجتهاد: ما هو الوجه والغاية من إيراد وبسط الأدعية والتعاويذ الاستشفائية في مصادر الحديث وكتب الأدعية؟ وهل تملك هذه الأدعية تأثيراً حقيقياً في علاج الأمراض بحيث تغني المريض عن مراجعة الطبيب، وهل كان المعصومون (عليهم السلام) يقتصرون عليها دون التماس الطبابه؟
الأستاذ نورمفيدي: نجد في كتاب “جامع السعادات” للمولى النراقي (قدس سره) حكاية لطيفة تُمثّل خير تمهيد للجواب عن هذا التساؤل؛ ومفادها أن نبي الله موسى (عليه السلام) أصيب بمرض ألمّ به، فسارع حكماء بني إسرائيل لعيادته وتجويز دواء وشفاء معلوم له؛ غير أن موسى أَبى تناول الدواء قائلاً: “أنا لا أتناول الدواء بل أرتجي من الله سبحانه أن يشفيني بلطفه ورعايته مباشرة بغير واسطة”؛ فما كان من مرضه إلا أن تفاقم واشتد به الوجع طوال أيام، ليعقب نبي الله بالقول في مناجاته متسائلاً عن تأخر الشفاء؛ فجاءه الوحي الإلهي بالقول: «وعزتي وجلالي، لا أشفيك حتى تتناول الدواء وتستعين ببركتنا التي جعلناها في منافعه؛ أتريد إبطال حكمتنا ومبنى السببية الذي ركبنا عليه نظام هذا الكون؟».
إن الغاية الأسمى والوجه الحقيقي لإيراد وبسط الأدعية والتعاويذ الاستشفائية في مصادر الشريعة تكمن بالأساس في تقویه وترسيخ ركيزة “التوكل والاعتماد على الخالق” في نفوس العباد؛ وحين ندرك المعنى الحقيقي للتوكل يتبدل هذا التساؤل؛ فالتوكل لا يعني أبداً إهمال الأسباب والوسائل المادية والجلوس بغير سعى طلباً للرعاية؛ ولا يعني بالمقابل الاعتماد المطلق على الأسباب المادية والغفلة عن مسبب الأسباب سبحانه؛ بل يعني بالدقة: أن يسارع العبد لالتماس كافة الأسباب والوسائل المادية والتخصصية لعلاج مرضه (من مراجعة الطبيب الحاذق والالتزام بالدواء ووصفات الطبابة)، معتقداً في قرارة نفسه وباطنه بأن هذه الأسباب لا تملك نفعاً ولا شفاءً ذاتياً بغير إذن وتفويض من مسبب الأسباب الباري جل وعلا؛ ليفوض أمره ونتائج سعيه للخالق وحده.
فالدعاء والاستشفاء بالرقية لا يغنيان عن مراجعة الطبيب، والتقاعس عن التماس الطبابة بدعوى التوكل هو مسلك المفتخرين المذمومين في الشريعة؛ بل يتعين الجمع والتوحيد بين العلاج المادي والتوكل الروحي والدعاء لنيل عافية البدن والروح معاً بمشيئة الله ورعايته.