بيان الأستاذ السيد مجتبى نورمفيدي بمناسبة ذكرى ميلاد بقية الله الأعظم (أرواحنا فداه)
سمات المجتمع المهدوي: العدالة، الرشد العقلي، والكمال الأخلاقي
رُوي عن الإمام الباقر (عليه السلام) أنه قال:
«إِذَا قَامَ قَائِمُنَا وَضَعَ يَدَهُ عَلَى رُؤُوسِ الْعِبَادِ فَجَمَعَ بِهِ عُقُولَهُمْ وَأَكْمَلَ بِهِ أَخْلَاقَهُمْ».
إن هذا الحديث الشريف يشير إلى مسألة غاية في الأهمية في عصر الظهور وفي ظل المجتمع المهدوي المنشود. فحين يظهر صاحب العصر والزمان (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء)، ينهض لمكافحة الظالمين والمستكبرين؛ أولئك الذين انتهكوا حقوق الناس وعاثوا في الأرض نخوةً وتكبراً، ويهب لنجدة المظلومين والمحرومين والمستضعفين الذين سُلبت حقوقهم؛ وهذا الوجه يمثل أحد أبرز معالم المجتمع المهدوي، حيث يتولى الإمام (ع) هذه المسؤولية العظمى.
ولكن، ثمة ميزة أخرى لا تقل أهمية في ذلك المجتمع المبارك، ألا وهي “الرشد العقلاني والكمال الأخلاقي”. وحين يذكر الإمام الباقر (ع) أن القائم يضع يده على رؤوس العباد فتكتمل أخلاقهم وتتحرك عقولهم وتجتمع -بمعنى بلوغها الذروة والكمال الفعلي- فإن المقصود من ذلك يقيناً ليس التصرف التكويني المحض؛ أي إن الأمر لا يتمثل في أن الإمام يمسح بيده الشريفة ليصنع مجتمعاً كاملاً أخلاقياً بالتكوين، أو يجري تصرفاً ولائياً تكوينياً ليرتقي بعقول الناس قسراً. بل إن مغزى الرواية هو أن حكومة إمام العصر (عج) ستهيئ الأرضية والظروف التي ينمو في ظلها العقل وتزدهر الأخلاق. وسيبذل الحاكم والحكومة قصارى جهدهم في سبيل التنمية العقلانية والأخلاقية، وتوفير الرفاه، والأمن، والإعمار، والكمال لأبناء ذلك المجتمع. ولو كان هذا التغيير حاصلاً بالتصرف التكويني البحت، فأي فضيلة وقيمة ستترتب حينئذٍ على الإمام أو على الأمة؟
التكامل المعرفي والعقلي في عصر الظهور
يظهر الإمام (عج) في ظروف يعاني فيها المجتمع من مشاكل جمة في هذين البعدين؛ البعد العقلي والأخلاقي، أو بعبارة أخرى في حقل الحكمة النظرية والحكمة العملية على حد سواء. وفي ذلك العصر، تنكشف الغوامض والمجهولات، سواء في دائرة التشريع أم في عالم التكوين؛ حيث تتضح الكثير من أسرار هذا الكون ومجهولاته؛ لكون الإمام يمثل منبع العلم اللدني المحيط بالحقائق، فيبينها للناس، ويوضح الكثير من حقائق الشريعة.
وإذا كنتم تذكرون، فقد أشرنا في مباحث علم الأصول إلى أن الإمام الخميني (قدس سره) يرى أن “الحكم الإنشائي” -وهو الحكم الذي لم تتهيأ أرضية فعليته- إنما يبلغ مرحلة الفعلية في زمن الظهور؛ بمعنى أن هناك أحكاماً إنشائية تبقى في مرحلة الإنشاء حتى ظهور ولي العصر (عج).
وبطبيعة الحال، في تلك الحقبة من حياة البشرية، لا بد أن تبرز الطاقات الإنسانية الكامنة على المستويين الأخلاقي والنفسي بصورة جماعية؛ وإلا فإن الأفراد بصورة آحادية -من الأولياء والمؤمنين والأتقياء والمعصومين والأنبياء- قد بذلوا قصارى جهدهم طوال التاريخ في هذين المضمارين. لقد سعى الإنسان منفرداً -سواء أكان من المصطفين أم من عامة الناس- لإيصال هذه الطاقات إلى مرحلة الفعلية، وحققوا رشداً عقلانياً وتوصلوا إلى معرفة دقيقة وصحيحة بالكون، ووضعوا جميع قواهم الداخلية الجامحة -من الغضبية والشهوية- تحت هيمنة العقل والمعرفة الصائبة في مجال الفضائل الأخلاقية والحكمة العملية.
الكمال الجماعي والالتزام الواعي بالشريعة
غير أن المسألة في ذلك اليوم الموعود لن تقتصر على كمال الفرد أو الأفراد بصورة مستقلة ومنفردة؛ بل إن المجتمع والاجتماع البشري -بمعنى الكتلة الإنسانية الجمعية- سيبلغ مرحلة الكمال العقلاني والرشد الأخلاقي. وإن إيصال المجتمع الإسلامي والمهدوي إلى هذا الكمال يمثل إحدى المسؤوليات والرسالات الكبرى لإمام العصر (عج)، وهي من أهم خصائص مجتمعه المبارك.
إن المجتمع المهدوي هو مجتمع يلتزم فيه الناس بالعبادات وأحكام الشريعة، ولكن هذا الالتزام ينبع من عمق الكمالات الأخلاقية والعقلانية الراسخة في النفوس. في ذلك المجتمع، يتعامل جميع البشر بناءً على معيار العقل بمعناه الحقيقي والواقعي، لا العقل البشري الناقص والتجريبي؛ يتواصلون، ويتعاملون، ويحكمون على بعضهم البعض، ويعيشون معاً وفقاً لمعايير الفضائل الأخلاقية الإلهية. هذا هو جوهر المجتمع المهدوي.
والآن، ما مدى قربنا من هذا المجتمع، وكم نملك من معرفة ووعي به؟ نحن الذين ندعي الانتظار ونعتبر أنفسنا من المنتظرين، إلى أي حد نسير وفقاً لهذه المعايير؟
يجب القول بأسف شديد إننا على مسافة بعيدة من هذا المعيار الأساسي للمجتمع المهدوي. ومما يدعو للأسى أن نجد مجتمعنا -الذي يحيي ليلة النصف من شعبان ذكرى ولادة إمام العصر (عج)، ويدعي التعلق والولاء المطلق لولي العصر (ع)- بعيداً عن الكمالات الأخلاقية في بعض شؤونه؛ وحين تهيمن علينا العواطف، والأوهام، والانفعالات، فإن هذا يمثل بوناً شاسعاً عن نهج المجتمع المهدوي.
مسؤولية النخب وطلبة العلوم الدينية في التمهيد
ونحن معشر طلبة العلوم الدينية في الحوزة العلمية، إذا أردنا مساعدة الناس على التعلق بذلك المجتمع الرسالي وترسيخ هذه الروحية لديهم، فإن السبيل إلى ذلك -إلى جانب الرسالة الأساسية المتمثلة في الصمود بوجه الظلم والدفاع عن المظلوم والتي تعد بحد ذاتها من أسمى الفضائل- يكمن في إلزام أنفسنا بهذه الكمالات الأخلاقية وتطبيقها في سلوكنا؛ فهذا هو ما يرسخ ارتباط الناس القلبي بقضية المهدوية؛ أي حين يرى الناس من يدعي السير في جندية الإمام المنتظر (عج) نموذجاً ورمزاً للكمالات الأخلاقية، والصدق، والصفاء، والرحمة، والمحبة، وحب الخير للآخرين. إن هذا السلوك يقود الناس عملياً نحو أهداف القضية المهدوية المباركة.
إن الأمر لا يقتصر على الكلمات والشعارات؛ فإلى أي حد نحن ملتزمون حقاً بالصدق والأمانة في مواجهة الكذب والافتراء؟ وكم نولي هذا الموضوع من اهتمام لكيلا يكذب بعضنا على بعض؟
ومن الغريب والمؤسف حقاً أن نرى أحياناً من يحملون راية جندية إمام الزمان (عج) -وهذه بلا شك مواضع اختبار وامتحان، حيث يحملون هذا الوسام على صدورهم وهذا الشعار على جباههم- يبتعدون كل البعد عن هذه المكارم والفضائل في ممارساتهم. أي انتظار هذا الذي يتصدر فيه الكذب، والافتراء، والتهم، والبذاءة أولويات الأمور؟ إلى أين نسير حقاً وماذا نفعل؟ إننا بغير وعي نضرب معتقدات الناس وأفكارهم في الصميم.
إن المجتمع الرسالي المهدوي هو مجتمع يزخر بالعدالة والرشد العقلي والكمال الأخلاقي؛ وهذه الأمور لا تتحقق بالتصرف التكويني المفاجئ بمسحة يد شريفة تخلّص المجتمع فجأة وفي ليلة وضحاها من الأدران، وتحوّل الأشخاص الملوثين بالجهل والرذائل الأخلاقية إلى أتقياء وصالحين دفعة واحدة؛ كلا، بل إن أركان المجتمع وإمام العصر نفسه يوجهون جهودهم كافة نحو إقامة العدل، وتنمية العقول، وتكميل مكارم الأخلاق؛ وهذه هي السمة الحقيقية للمجتمع المهدوي.
إن الانتظار والتمهيد لظهور الإمام (عج) يرتبطان ارتباطاً وثيقاً بهذه الأمور. فكيف يمكننا توجيه قلوب الناس نحو الإمام المهدي (عج) بالكذب والافتراء؟ وكيف يمكننا جذبهم بهذه السلوكيات المنحرفة؟ بناءً على ذلك، فإن مسؤوليتنا جسيمة للغاية، وآمل أن يمنّ الله تبارك وتعالى علينا بالتوفيق لتهيئة الأرضية المناسبة لإقامة ذلك المجتمع المنشود الذي تتطلع إليه أعين البشرية وتتعلق به آمالها.