الدرس الثامن عشر، المقام الأول
الدرس الثامن عشر
المقام الأول: دراسة وجود وعدم الكرامة الذاتية للإنسان – مباني الكرامة الذاتية للإنسان – الطائفة الأولى: 5. تسخير الموجودات – الشواهد – معنى التسخير – المعنيان الأول والثاني والفرق بينهما – ذاتية هذه الكرامة
12 جمادى الآخرة 1446 هـ
خلاصة الجلسة السابقة: كنا نبحث في مباني الكرامة الذاتية للإنسان؛ ولم يُعقد هذا الدرس لقرابة أسبوعين بسبب تزامنه مع العطلات الرسمية. وقلنا إجمالاً إننا نبحث في مقامين؛ أحدهما مباني الكرامة الذاتية، والثاني هو هل تعد هذه المباني منشأً لحق أو تكليف أم لا. وسنتطرق بعد ذلك إلى الأدلة. وقلنا بشأن المباني إنها تنقسم إلى طائفتين؛ وذكرنا من الطائفة الأولى أربعة مبانٍ حتى الآن وبحثناها، وبقي مورد أو موردان نذكرهما، ثم ندخل إن شاء الله في الطائفة الثانية من المباني. وسأبين الفرق بين هاتين الطائفتين لاحقاً.
5. تسخير الموجودات
إن من الأمور التي عُرّفت بوصفها كرامة ذاتية للإنسان، وكرّم الله تعالى بها الإنسان بشكل خاص، هي السيطرة على عالم الطبيعة وتسخير هذا الكون. وهنالك بحث علمي في أن هذا التسخير أو السيطرة على الدنيا هل يرجع إلى شأن عقل الإنسان وإدراكه فلا يُعد أمراً مستقلاً، أم أنه يرتبط بإرادته واختياره، أم أنه يمثل مبدأً مستقلاً بذاته؟ ومع ذلك، فقد ذكره فريق من الأصوليين والعلماء بهذا العنوان، ويبدو أنه بالنظر إلى تصريح القرآن الكريم بهذا الأمر، فإنه جدير بأن يُذكر كمبدأ مستقل. نعم، إن أردنا الدقة البالغة، فربما لا يُعد هذا شأناً مستقلاً عن العقل (بناءً على أحد الاحتمالات)، بل يرجع إلى مسألة “أحسن تقويم”، أو إلى عقل الإنسان وحقيقة أن الله خلقه ذا لبّ وعقل يستطيع به كشف القوانين والسنن الحاكمة على هذا الكون.
وعلى أي حال، فقد قُدّم الإنسان من بين سائر الموجودات بوصفه الكائن الذي يمتلك القدرة والاستعداد لتسخير واستخدام كل ما في هذا العالم لخدمته. وليس ثمة مخلوق آخر في هذا الكون يتصف بهذه السمة؛ إذ لم يذكر الله تبارك وتعالى في أي موضع أنه خلق هذا العالم للموجود الفلاني، لكنه استعمل هذا التعبير بشأن الإنسان؛ حيث صرّح عز وجل بأن الأرض والسماء وما ينزل من السماء، من ماء وثمرات وفواكه تحصلون عليها من الأرض، قد جُعلت كلها رزقاً لكم؛ (كما في قوله تعالى: «الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ» [البقرة: 22])؛ وهذا يدل بوضوح على تسلط الإنسان وقدرته وتمكنه من السيطرة على الطبيعة.
لست بصدد الخوض في تفاصيل هذا الموضوع وجزئياته؛ غير أن جوهر هذه المسألة أمر يختص بالإنسان دون ريب. فقد شُرّف الإنسان دون سائر المخلوقات بهذه القدرة، وكرّمه الله سبحانه وتعالى بوهبه هذه المكنة. وبطبيعة الحال، لا يشاركه في هذا الانتفاع أي موجود آخر.
ودعوني أوضح هذا المبدأ إجمالاً؛ ففي جميع الآيات التي أشارت إلى هذا الموضوع، لم يُطرح حیث أو قید خاص. بل إن الخطاب موجه لعموم البشر بغض النظر عن أي تمييز قبلي أو عرقي أو حتى مذهبي وعقدي. ولتلاحظوا الآيات الدالة على هذا المعنى؛ حيث توجد هنا آيات عدة.
الشواهد
الآية الأولى: ألم تروا أن الله سبحانه وتعالى قد سخر لكم كل ما في السماوات والأرض وأفاض عليكم نعمه الظاهرة والباطنة؛ (كما في قوله تعالى: «أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً» [لقمان: 20]). وهنا لا توجد أي إشارة إلى أن هذا التسخير يختص بفئة معينة من البشر، بل هو حكم عام يشمل الناس كافة.
الآية الثانية: وسخر لكم الشمس والقمر دائبين في جريهما، وسخر لكم الليل والنهار؛ (كما في قوله تعالى: «وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ» [إبراهيم: 33]).
الآية الثالثة: وهو الذي سخر لكم البحر لتأكلوا منه لحماً طرياً وتستخرجوا منه زينة تلبسونها؛ (كما في قوله تعالى: «وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا» [النحل: 14]).
الآية الرابعة: وسخر لكم السفن لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار؛ (كما في قوله تعالى: «وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ» [إبراهيم: 32]).
وفي جميع هذه الآيات طُرحت مسألة التسخير (وسأوضح لاحقاً معنى التسخير)، والخطاب فيها موجه لعموم الناس، ولم تُستهدف فئة معينة ذات عقيدة خاصة، بل يقول تبارك وتعالى: إن هذا لكم. إذن، فإن الآيات الدالة على تسليط الإنسان على عالم الطبيعة أو تسخير هذا الكون للإنسان تتصف بالعمومية دون أدنى ريب، وهي بطبيعة الحال واردة في مقام بيان نعمة خاصة أُسديت للإنسان؛ فالمراد ليس بيان أمر عادي عابر، بل إن جوهر المسألة هو ذكر هذا التسخير بوصفه نعمة خاصة وحظوة حظي بها الإنسان، وهذا هو عين التكريم ومنح الكرامة؛ أي إنه كرامة خاصة بالإنسان.
معنى التسخير
أولاً، ثمة وجهتا نظر بشأن تسخير هذا الكون وما أشير إليه في هذه الآيات:
-
بناءً على ما أشار إليه الراغب في كتاب “المفردات”، فإن التسخير هو تذليل الشيء وتسييره لغرض مخصص، أو تطويع شيء ما لغاية معينة. وفي “لسان العرب” قيل إن التسخير هو الإخضاع القهري؛ أي إذا خضع شيء لآخر وانقاد له قهراً بحيث لا تبقى له إرادة مستقلة بل يقع زمام اختياره بيد المُسخِّر، يُقال عنه إنه مُسخَّر؛ كقولهم في بعض الناس إنهم مسخّرون من قِبل الجن، بمعنى أنهم مسلوبو الإرادة، ومطيعون انقياداً للشخص المسخِّر لهم. والآية هنا تشير إلى أن هذا العالم قد ذُلِّل للإنسان؛ أي إن زمام هذا العالم قد وُضع في يد الإنسان، وهذه مكنة عظيمة بلا شك.
-
يرى آخرون أنه لما كان التسخير هنا منسوباً إلى الله تعالى في قوله: «سَخَّرَ لَكُمْ»، فإن هذا لا يعني أن الكون قد صار مطيعاً للإنسان مباشرة، بل معناه أن الله تعالى خلق هذا الكون وأقامه على نظام وترتيب يجعل الإنسان منتفعاً به على الدوام؛ أي إن هذه العوالم قد نُظمت بكيفية تجعل نفعها وفائدتها تتوجه إلى الإنسان باستمرار.
الفرق بين المعنى الأول والثاني
فبناءً على المعنى الأول، يفيد الكلام: أننا جعلناكم أقوياء لدرجة تمكنكم من إخضاع هذا العالم وتسخيره؛ بينما يعني على القول الثاني: أننا نظمنا هذا العالم وهيأناه لكي يمدكم بأقصى درجات النفع والانتفاع. وهذان مسلكان متباينان؛ والشاهد على المسلك الثاني هو إسناد فعل التسخير إلى الله تبارك وتعالى.
السؤال: …
الأستاذ: كل هذه المنافع من ضوء الشمس… إن الانتفاع بالشمس والقمر… الانتفاع تارة يكون انتفاعاً قهرياً؛ كأن يستفيد الإنسان في النهار من ضياء الشمس وحرارتها، أو يساهم ضوؤها في نمو النباتات ونضج المحاصيل في المزارع؛ لكن الأمر يتجاوز هذا بكثير. انظروا الآن إلى أي مدى بلغ إدراك البشر للشمس وكيف يستفيدون منها… لقد ذكرنا أن التسخير يعني التطويع والترويج لغاية ما، ولكن الترويض والرام لا يعني بالضرورة أن تضع حبلاً في عنق الشيء وتضربه بالعصا لكي يسير أمامك كالدواب؛ بل التطويع في كل مورد يكون بحسبه. أي إن الإنسان قد نال من القدرة ما يجعله ينتفع اليوم بضوء الشمس آلاف المنافع؛ كإنتاج الطاقة الكهربائية من أشعتها. فهذا هو التسخير؛ غير أن تصوركم عن التسخير هو ذات التصور السائد في الأرياف حول ترويض دابة وتسخيرها.
ويبدو أن الحق بين هذين المسلكين هو ما ذهب إليه أغلب المفسرين في فهم هذه الآيات؛ وهو أن التسخير يعني التطويع والترويض والخدمة والإخضاع القهري. ففي نهاية المطاف، عندما تستفيدون عبر خطط وبرامج شتى من جميع مكونات الطبيعة وهذا الكون، فإن هذا هو حقيقة التسخير، وهو الإخضاع القهري، وهو الإلجاء إلى التسليم والانقياد.
وعلى أي حال، نستفيد من هذه الآيات أن البشر محل عناية خاصة من الله تعالى وأنهم مكرّمون، سواء أكانوا كفاراً أم مسلمين، مؤمنين أم غير مؤمنين، فهذا أمر مسلم به؛ وهو تشريف للإنسان وإضفاء للشرافة عليه. فالإنسان قد حظي بهذا النحو من الاحترام والتكريم والتبجيل من لدن الباري عز وجل، وهذا يشمل بني البشر قاطبة. نعم، ثمة ميزات خاصة لخصوص أهل التقوى والإيمان؛ حيث يقول القرآن الكريم: ولو أن أهل المدن والقرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض؛ (كما في قوله تعالى: «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» [الأعراف: 96]). نعم، هذا امتياز يختص بأهل التقوى والإيمان، وهو مرتبة فوق التسخير؛ لأن التسخير عام للجميع؛ فالتسخير يمكن للجميع نيله… طبعاً بمعناه العام، وإلا فمن الواضح أن طائفة معينة تستثمر هذه الإمكانية تفعيلاً واستفادة. وهذا لا يفرق فيه بين مؤمن وكافر، وإن كان للمؤمنين مزية خاصة في البركات المفتوحة.
ذاتية هذه الكرامة
إن أصل الكرامة بينٌ جلي؛ لكونه مختصاً بالإنسان ودلالة آيات الذكر الحكيم عليه واضحة لا ريب فيها. بيد أن السؤال المطروح: هل هذه الكرامة ذاتية؟ بمعنى أنها وهبت للإنسان بما هو إنسان، فلا تُسلب منه ولا يطرأ عليها التغيير، أم أنها قابلة للسلب والتحول؟ وهل الخصائص التي قررناها لكون الكرامة ذاتية متوفرة هنا أم لا؟ يظهر أن مسألة تسخير عالم الطبيعة والسيطرة عليه، سواء اعتبرناها مبدأ مستقلاً وشأناً يفوق العقل، أم صيرنا إلى كونه ناشئاً عن قوة التعقل والإدراك الإنساني، فإنه على كلا التقديرين يعد تكريماً خاصاً من لدن الباري تبارك وتعالى للإنسان؛ وهو أمر ثابت لا يتغير. فهذه القدرة والمكنة والسيطرة، وهذا الترويض والإخضاع القهري لعالم الطبيعة، كما جُعل ابتداءً على نحو العموم لجميع أفراد البشر دون أي اصطفاء أو فرز لصالح المؤمنين بالخصوص، فإنه يستمر كذلك بقاءً. فالإنسان وإن كان كافراً بل وأكفر الناس، فإنه يحظى بهذا النفع في نهاية المطاف، وينقاد له هذا الكون، ولو بفضل سعي وجهد الآخرين، غير أن هذه القدرة والمكنة حاصلة له على أية حال. فهذه كرامة ذاتية؛ لا تتبدل، ولا تُسلب، ولا مدخلية للإيمان والكفر فيها. وعليه، فإنه يصلح ليكون مبدأً تؤسس عليه الكرامة الذاتية.
وإذا قيل إن هذا التسخير ليس شيئاً منفصلاً عن العقل، فالأمر هنا واضح؛ إذ قد بحثنا هذا الشأن عينه عند كلامنا عن العقل ومحاكمته. أي إن أرجعتم هذا التسخير إلى جهة العقل، فالمسألة جلية تماماً. وإن لم يُرجع إلى تلك الجهة واعتُبر مستقلاً، فإنه بالنظر إلى هذه التوجيهات التي أسلفناها، يمكن أن يندرج ضمن الكرامة الذاتية كذلك.
السؤال: …
الأستاذ: نعم، لو أخذتم التسخير بالمعنى الثاني وطبقاً للرؤية الثانية؛… ألا يجمح أحياناً ذلك البغل المروض؟… وفي حديقة الحيوان والسيرك يقال عن الأسد إنه مروض، ولكنه قد يثور ويفتك في أي لحظة… فالإخضاع ليس أمراً مطلقاً بالكلية… وهل انتفاع إنسان القرن الحادي والعشرين بالشمس يعادل انتفاع إنسان القرن الأول؟… والموارد التي ذكر القرآن تسخيرها كالبحر، والأرض، والفلك، أتقبلون بها؟… وهل انتفاع الحيوان في القرن الحادي والعشرين يختلف عنه في القرن الأول؟… إذن ما الذي نراه هنا؟ أليس تضاعف انتفاع الإنسان وتنوعه وتوسعه، بفضل تدبيره وتعقله وحيلته، ليرقى بتلك الفائدة من مرتبة الآحاد إلى الملايين؛ دليلاً على تحقق التسخير؟ من الواضح أن الاستعمال هنا قد يحمل على المجاز دون الحقيقة المحضة. ولكن، هل يعد إطلاق لفظ التسخير هنا خاطئاً؟ إن هذا الانتفاع منتفٍ في الحيوان قطعاً؛ إذ إن انتفاعه بقي محصوراً في ذات المرتبة التي كان عليها أول الخلق دون أدنى تفاوت. أي إن حيازة الإنسان لهذه المكنة، التي يقتصر انتفاع الحيوان فيها من الشمس على ضوئها وحرارتها، بينما يتمكن الإنسان من استخراج آلاف الفوائد منها؛ ألا يصح تسميتها تسخيراً؟ وهل استعمال لفظ التسخير في هذا المقام يعد خطأً صناعياً لغوياً؟…
وعلى أي تقدير، فإن التسخير بالمعنى الذي بيناه يختص بالإنسان، وقد ذُكر بوصفه امتيازاً وشرفاً له. نعم، إن للباري عز وجل غاية من هذا التمكين وهي غاية جلية؛ فحين يتصف عامة البشر من كافر ومؤمن ومسلم بهذه القدرة ويهبهم الله إياها، فإن ذلك يعد كرامة، وهي كرامة ذاتية لكونها غير قابلة للسلب. نعم، قد يستعمل الإنسان هذه القدرة استعمالاً صحيحاً ويكون من أهل الإيمان والتقوى، فحينها يصدق قوله تعالى: لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض؛ (كما في قوله تعالى: «وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ» [الأعراف: 96]). وأخرى يستعملها في غير موضعها الصحيح، فيسلك مسلك الكفر والعصيان والتمرد والطغيان في جبهة الباري تبارك وتعالى، وهنا يبتلى بالمعيشة الضنك؛ وهذا بحث آخر مستأنف. غير أن أصل هذه المكنة موهوب له من الله سبحانه، وهو يمثل كرامة حقيقية.
وأود التأكيد مجدداً على أننا في هذا المقام بصدد إثبات الكرامة الذاتية فحسب، ولم نتطرق بعد إلى مسألة أن هذه الكرامة هل تؤسس لحكم أو حق أو تكليف خاص في الدائرة الحقوقية أم لا، فهذا يقع في نطاق المقام الثاني من بحثنا. وما زلنا نعرض للطائفة الأولى من مباني الكرامة الذاتية، وبقيت الطائفة الثانية قيد البحث.
بحث الجلسة المقبلة
المبدأ السادس للكرامة الذاتية هو الوجدان الأخلاقي أو الخير الأخلاقي، أو بتعبير بعضهم العواطف والأحاسيس الإنسانية.
السؤال: …
الأستاذ: هذا يغاير الفطرة. نعم، ثمة بحث مطروح وقد قرأتموه في علم الأصول دون شك حول ما إذا كان الوجدان والفطرة حقيقة واحدة أم لا؛ فالمرحوم الآخوند في الكفاية وغيره يحيلون في بعض المقامات إلى الوجدان ويجعلونه دليلاً، وتارة أخرى يقولون إن هذا أمر فطري؛ فكلا التعبيرين موجودان في الكفاية. بل إنه يستعمل لفظ “الجبلي” في بعض المواضع… وفي موضع آخر يعبر بالوجدان أو الوجداني أو الوجدانيات. والبحث هنا يدور حول اتحاد المفهومين أو تغايرهما، وهل الفطري والوجداني واحد أم لا. فبناءً على تفسير معين يمكننا إرجاع الوجدان إلى الفطرة، وبناءً على تفسير آخر يسوغ لنا الفصل بينهما. وما نقصده هنا بالوجدان الأخلاقي والوجدان البشري، ويعبر عنه بعضهم بالخير الأخلاقي، هو مغاير للفطرة بالاصطلاح؛ لذا فإننا نذكره بوصفه مبدأً مستقلاً. فالعواطف والأحاسيس من الخصائص المودعة في الإنسان دون سائر الكائنات، وقد وهبها الله سبحانه للإنسان بالخصوص.