The news is by your side.

الدرس السابع عشر، المقام الأول

الدرس السابع عشر

المقام الأول: دراسة وجود وعدم الكرامة الذاتية في الإنسان – مباني الكرامة الذاتية للإنسان – الطائفة الأولى: 4. نیکوترین خلقت (أحسن تقويم) – بررسی احتمالات سه‌گانه در أحسن تقويم – یک اشکال و پاسخ آن

4 جمادى الأولى 1446 هـ (الموافق 4 آذر 1403 هـ ش)

تمهيد وتذكير صناعي:

انعقدت طيات الجلسة السابقة حول تبيين المورد الرابع من جملة مباني الكرامة الذاتية المستقرة في بني البشر قاطبة، وهو حيازة الإنسان لـ “الخلقت البرتر” أو الهندسة التكوينية الأرقى المنصوص عليها في مأثور الوحي بوصف “أحسن تقويم”. وبيّنا هاهنا أن هذه الخصوصية تمثل تشريفاً وعظمة وهبتها المشيئة الإلهية للإنسان بما هو إنسان، فاستوعبت البشر جمعاء بتمام طبقاتهم وألوانهم وعقائدهم؛ حيث تبرز صياغتها بوصفها كرامة ذاتية، ثابتة الفردية لكل إنسان بمعزل عن الاختلاف المذهبي أو العرقي أو الجغرافي. واستعرضنا بنحو إجمالي الاحتمالات والوجوه الثلاثة المسطورة في تخريج حقيقة هذا التقويم الأحسن.

بررسی احتمالات سه‌گانه در أحسن تقويم

لكل احتمال من هذه الوجوه الثلاثة أتباع ومقررون في حقل التفسير والبحث العقدي؛ بيد أن التحقيق والتدقيق الصياغي يقودنا إلى القول بأن الاحتمال الأول (وهو الحمل على المعنى العام الشامل المستغرق للأبعاد الظاهرية والباطنية معاً) هو الأقرب إلى الصواب والواقع التكويني؛ وبيانه:

حينما يعمد الجليل سبحانه إلى مدح صنيعه في برء الإنسانية ويقرر لـذاته العلية ثناء وتجلياً من نحو:

$$\text{«فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ»}$$

فإن هذا الإطلاق ينهض بنفسه كدليل عام يستوعب كل حیثيات الوجود الإنساني؛ فلا يصح تضييقه وقصره على جنبة دون أخرى بلا مخصص صناعي شاخص. وعليه، تندرج تحت واجهة الأحسنية مفردتان بنيويتان:

  • الأبعاد الظاهرية: وتتمثل في استواء القامة (راست‌قامت بودن)، وحسن الملامح والصورة، والمشي على رجلين كرامةً، وهندسة البدن الشاخصة؛ حيث وُضع كل عضو في موقعه الهندسي الأليق، بحيث لو زحزح عنه لفسد النظام الجمالي والوظيفي.

  • الأبعاد الباطنية: وتستغرق الفطرة الأصيلة، وقوة العقل والإدراك، والقدرة على البيان والتكلم، والتمميز البديهي بين الخير والشر، وغيرها من المزايا المستقرة بالتمام في حق الإنسان دون غيره من الموجودات.

وقد يرفع مفسر عقيرته مستشكلاً بأن بعض الدواب أو المخلوقات واجدة بالوجدان لحسن الصورة، أو تسير على رجلين؛ فكيف يصح جعل هذا كرامة ذاتية اختصاصية؟

والجواب: إن المحور والمدار في إثبات هذه الكرامة ليس هو الأفراد الجزئية من هذه الخصائص منعزلة، بل “الهيكل التركيبي المجموعي” المنفرد؛ فهذا التوليف الصياغي القائم على تركيب جهة الاستواء الخارجي مع عمق الوعي والنزوع الباطني هو الخصوصية الفاصلة التي انعدمت في حق سائر كائنات الطبيعة، فغدت كرامة ذاتية مستقرة له.

وتأكيداً لهذا الاهتمام التكويني البالغ بالخلق الإنساني، يعمد البيان القرآني إلى تشريف هذا الصنع عبر إضافته ونسبته المباشرة للذات القدسية بلسان الكناية؛ كقوله تعالى في قصة إبليس:

$$\text{«لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ»}$$

ومن المستبين فقهياً ولغوياً أن تعبير “اليدين” لا يحمل على ظاهره المادي الحسي الممتنع في حق الباري سبحانه، بل هو کناية صريحة عن فرط العناية والاهتمام التكويني الخاص، وإبراز لكون هذا المخلوق حائزاً على ميزة وثبات بنيوي لم يُشرك فيه غيره من المخلوقات؛ الأمر الذي يبرهن بالصناعة على ثبوت كون “أحسن تقويم” كرامة ذاتية راسخة وثابتة.

یک اشکال في ذاتیة هذه الكرامة

طالما تقرر في منطلقات هذا البحث أن الكرامة الذاتية تتصف بالثبات، وامتناع الانفكاك، واستحالة السلب جراء العوامل الخارجية؛ يبرز هاهنا إشكال مستل من صريح مأثور الكتاب العزيز في سورة التين؛ حيث يقول عز وجل في الآية الخامسة تعقيباً على أصل الخلق:

$$\text{«ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ»}$$

ومساق المقابلة الصناعية يقتضي أن يكون موطن (أسفل سافلين) في الضد والمقابل التام لمقام (أحسن تقويم)؛ وبناءً عليه يتضح أن هذا القوام الأحسن والكرامة الموهوبة ليست واجدة لعنصر الثبات والدوام، بل يعتريها الزوال، ويصح في حقها السلب والارتداد؛ ومن ثم ينهار حد الذاتية المشروط بالامتناع عن السلب والتبدل بالتفصيل.

فكيف يستقيم القول بذاتية الكرامة مع التصريح بالرد والارتكاس إلى أسفل سافلين؟ هل الرد شامل للبشر قاطبة؟ أم هو مخصوص -كما اختاره العلامة الإمام (ره) وسطرناه في الجلسة الماضية- بطائفة مغلوبة تلوثت فطرتها بزنگار حجاب المادة وسارت في طريق الشقاوة، بخلاف أهل السعادة؟ وحينئذٍ، إن قصرنا الرد على طائفة الشقاء، انثلم وصف الذاتية والعموم الشامل لكل إنسان بما هو إنسان.

پاسخ عن الإشكال

يندفع هذا الإشكال بالتمام وبنحو صناعي متين إذا ما واصلنا السير على ضوء تفسيرنا الشامل لـ “أحسن تقويم”؛ وبيانه يتجلى في نقطتين كاشفتين:

  • أولاً: إن تفصيل “أحسن تقويم” يرتكز بالدرجة الأولى على جنبته الباطنية الروحية والفطرية؛ فأصل الامتياز والشرف الإنساني منوط بمركبات الوعي والنزوع، بينما الهيكل الجسدي المادي لا ينهض وحده كملاك للكرامة في هذا الميزان.

  • ثانياً: إن المراد التكويني الصياغي من موطن «أَسْفَلَ سَافِلِينَ» في هذا المساق هو عالم المادة والطبيعة وعالم الكثرات الأدنى؛ فـ “الرد” هنا ليس سلباً للكرامة ولا مسخاً للهوية الذاتية، بل هو إشارة واضحة لما يُصطلح عليه في حكمة الفلاسفة والعرفاء بـ “قوس النزول” في هندسة الوجود.

ومفاد الآية بالتخريج البرهاني: أن الله تبارك وتعالى قد برأ وأنشأ الجوهر الإنساني وحقيقته الروحية الفطرية الشاخصة (والتي كان آدم عليه السلام هو المتجلي الأول لها) في عوالم السمو والرفعة واجداً لأعلى الكمالات (أحسن تقويم)، ثم اقتضت مشيئته التكوينية ردّ هذا الكائن وهبوطه إلى أدنى مراتب الوجود المشخص وهي عالم المادة والكثرات الطبيعية (أسفل سافلين).

وإنما جُعل هذا الهبوط والرد إلى عالم الكثرات المادية لغاية غائية؛ وهي إيجاد بستر وميدان بپمای للأفراد الإنسانية كافة، ليشرعوا من خلال هذا الموطن الطبيعي عبر حركتهم الاختيارية في طي مسار “قوس الصعود”، مستعينين بآليات الهداية الداخلية (الفطرة والعقل) وبواعث المدد الخارجي (الأنبياء، والشرائع، والكتب المنزلة)؛ ليرتقوا بأجنحة الإيمان والعمل الصالح محلقين نحو أوج السعادة والتقرب من الذات الإلهية.

وعليه، يتبدد الإشكال بالكلية؛ فالرد إلى عالم الطبيعة والكثرة أمر عام شامل لكل البشر (مؤمنهم وكافرهم على حد سواء)، وهو لا ينافي بقاء أصل رأس المال الوجودي والكرامة المودعة فيهم، بل هو بستر للتعالي والتكامل؛ فتغدو أحسنية الخلق صفة ذاتية ملازمة وثابتة للإنسان بما هو إنسان.

إفادات واستطرادات الدرس (حول عوالم الخلق ووساطة الفيض):

(شهدت الجلسة حواراً تفصيلياً مع الأستاذ أثارته رغبة الطلاب في استجلاء معالم موطن الخلق الأسبق وقضية الهبوط، ونعرض زبدته ومقاصده الصياغية هاهنا):

  • طبيعة موطن الخلق الأسبق: إن قصة خلق آدم(ع) المسرودة في الكتاب العزيز، والمنطوية على مأثور حوار الملائكة، واعتراض إبليس اللعين، وسكنى الجنة، لم يتضح بنحو قطعي هل هي مسوقة كبيان رمزي وتمثيلي صياغي لحقيقة الصنع البشري، أم هي واقعة عينية جرت شؤونها في عوالم مباينة؟ والظاهر أن ذاك الموطن الأسبق والجنة التي هبط منها آدم لم تكن جنة الخلد والبرين الفاصلة؛ بل الأرجح أنه عالم وراء عالمنا المادي الممحض، كعالم المثال أو البرزخ التكويني؛ وهو موطن حائز على نوع من الأجسام والصور (الجسم المثالي) يتغاير بالصناعة مع كثافة الجسم المادي الدنيوي، ولكنه واجد للكثرة، ومنه وقع الهبوط والاستقرار في كثرات عالم الأرض والشهادة.

  • الحقيقة المحمدية ووساطة الفيض التكويني: إن النور والروح الكلية الكامنة وراء هذا الوجود البشري، والتي تعبر عنها كلمات الفلاسفة بـ “العقل الأول” یا “العقل الكل”، ويصطلح عليها العرفاء بـ “الحقيقة المحمدية” أو “الولاية الكلية الإلهية”، قد قطعت في قوس النزول مراتب ومنازل شتى؛ وهي تمثل مخلوق الحق الأول والأقرب لـذاته المقبسة، طِبقاً لقاعدة الحكمة الشاخصة:

$$\text{«الواحد لا يصدر منه إلا الواحد»}$$

فهذه الحقيقة القدسية والنورانية لرسول الله(ص) وأنوار أهل البيت الأطهار(ع) هي الصادرة أولاً، وهي الواسطة والمجرى الفياض التكويني الذي تتنزل وتتدفق عبر قنواته جملة النعم والفيوضات الإلهية لمراتب الخلق المادون؛ وهذا هو المعنى الصياغي التكويني الشاخص لقولنا في المأثور: «بِكُمْ فَتَحَ اللَّهُ وَبِكُمْ يَخْتِمُ».

وأما أجسادهم المادية الطاهرة الممتدة تاريخياً في خط المادة (كولادة النبي الشريفة قبل أربعة عشر قرناً في زمن مشخص)، فإنما هي تنزل وتجسد خارجي لتلك الحقيقة الأزلية في عالم الطبيعة، ليتسنى لهم القيام بدور الأسوة والقدوة والزعامة التشريعية للبشر. ثم عبر سلوكهم الدنيوي، وجهادهم، وابتلاءاتهم التكوينية الشاقة، واصلوا طي مسار قوس الصعود بالبدن المادي والروح معاً، حتى اتصلوا مجدداً بتلك الحقيقة الكلية السامقة، كما وقع في المعراج النبوي وعند بلوغ مقام البعثة الشريفة.

وهذه الوساطة التكوينية والتشريعية في الفيض لا يعتريها الانقطاع أو التعطيل في أي عصر من الأعصار؛ ومنها يتفرع شأن إمام زماننا الحجة بن الحسن العسكري (أرواحنا فداه) في عصر الغيبة؛ حيث ينهض بمهام الوساطة والزعامات على قسمين:

  1. الوساطة التشريعية والظاهرية: وتتجلى بالوضوح في مرجعيته الدينية، والعلمية، والسياسية، والاجتماعية الفاصلة، وقيادته لمسيرة الأمة بآليات الولاية الهادية.

  2. الوساطة التكوينية: وهي إفاضة الوجود والمدد التكويني لعالم المادة غيباً؛ وحيث إن أنوار المعصومين الأطهار قاطبة وسيدتهم الزهراء(ع) هي في رتبة الملكوت “نور واحد” وشجرة واحدة منبثقة من الحقيقة النبوية الشاخية (مع صيرورة ولاية أمير المؤمنين(ع) ولاية كلية فرعية وتبعية لولاية النبي الكلية الأصيلة)، فإن تجلي قنوات الفيض وحراسة الكون في زماننا منوط بوجوده الشريف، وتفصيل جمع هذه المقامات الملكوتية يكتنفه الغموض والأسئلة ويطلب دقيق البحث والعرفان.

وعلى أية حال، نخرج من هذا المبحث بنتيجة مستقرة صناعةً؛ وهي صوابية عدّ المبنى الرابع (أحسن تقويم) وجهاً أصيلاً لثبوت الكرامة الذاتية المستقرة في ركيزة خلق الإنسان.

  • محور البحث في الجلسة القادمة:

    سيكون المدار بمشيئة الله تعالى حول المبنى الخامس من مباني الكرامة الذاتية؛ ونعني به مسألة “تسخير الكائنات وسلطان الإنسان على الموجودات”، لندرس مدى قابليته للاستقلال كمبنى مستقل برأسه في قبال سائر القوى والمباني.