الدرس السادس عشر، المقام الأول
الدرس السادس عشر
المقام الأول: دراسة وجود الكرامة الذاتية في الإنسان وعدمها – مباني الكرامة الذاتية للإنسان – الطائفة الأولى: 4. أحسن تقويم – معنى أحسن تقويم – الاحتمالات الثلاثة في أحسن تقويم
18 جمادى الأولى 1446 هـ
4. أحسن تقويم
كان بحثنا يدور حول الطائفة الأولى من مباني الكرامة الذاتية في الإنسان؛ وقد ذكرنا حتى الآن ثلاثة موارد: الأول العقل؛ العقل بمعنى قوة إدراك وتمييز الأمور، لا العقل بمعنى الفطرة. الثاني، الإرادة والاختيار؛ والثالث، الفطرة.
والمورد الرابع الذي يُطرح أحياناً كأحد مباني الكرامة الذاتية، هو أن الإنسان قد خُلق في أحسن تقويم وأتم صورة. وقد عُبّر عن “أحسن خلقة” في لسان القرآن بـ ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾؛ وصحيح أن جميع الكائنات في هذا العالم قد خُلقت على أحسن وجه. فالله المتعال قد خلق كل شيء على أحسن وجه، كما صرح القرآن: ﴿أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾. وعلى أية حال، فقد خلق الله جميع كائنات هذا العالم في أبهى وأحسن صورة. وهذا بحد ذاته مقولة، وهي أنه قد وُهب لهذه الكائنات كل ما يلزمها. غير أنه يقول في شأن الإنسان، مقارنة بسائر المخلوقات: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾؛ فمن بين جميع الكائنات، خلق الله المتعال الإنسان في أحسن وأقوم صورة. وكون الإنسان قد خُلق في أحسن تقويم قياساً بسائر الكائنات، يحمل معنى خاصاً؛ فنحن حين نقول إن جميع الكائنات قد خُلقت بلا نقص، فهذا هو المعنى الحقيقي للنظام الأحسن؛ أي إنه لا يُتصور خلق أفضل لجميع كائنات هذا العالم وأجزائه، والنظام الحاكم على هذا العالم هو النظام الأحسن. ولا يمكن أن يكون النظام أحسن وأجزاؤه ليست كذلك. ونحن نعتبر هذا أمراً مفروغاً منه، وهو أن جميع الكائنات قد خُلقت على أحسن وجه، الوجه الأمثل الممكن والمُتصور لها؛ بيد أن الله يقول في شأن الإنسان: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، وهذا بلاشك في صدد بيان مزية، وشرف، وكرامة خاصة للإنسان. أي كأن للإنسان هذه المزية مقارنة بجميع المخلوقات، وإلا فجميعها قد خُلقت خلقة حسنة؛ ولا يوجد فيها أي نقص بالنظر إلى إمكانها الاستعدادي، كما أوضحنا. أما الإنسان فيتمتع بخصائص تميزه عن سائر الكائنات. ولذا، فاستعمال تعبير ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ في حق الإنسان، يحظى بأهمية بالغة ويستوجب منا بعض الشرح والتفصيل.
وإلى جانب هذا، ضعوا في اعتباركم أيضاً أن الله المتعال يخاطب الإنسان قائلاً: لقد خلقت كل شيء في هذا العالم لأجلك. أي إن الإنسان قد خُلق في أحسن تقويم، وفي الوقت ذاته كأن كل ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ قد خُلق لأجله. وقد أثنى الله تبارك وتعالى على نفسه لخلقه الإنسان، فقال: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. وقال أيضاً: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ﴾، فيقرر أن الله جعل الأرض لكم بساطاً والسماء سقفاً، وأنزل لكم من السماء ماء، فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم. وقد أُشير إلى هذه الجهة أيضاً في آيات التسخير؛ فلدينا آيات عديدة في القرآن تشير إلى تسخير الإنسان للسماء والأرض: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾. فتسخير الإنسان للسماء والأرض يتحقق بإرادة إلهية، ولكنه يتم بعقل الإنسان وإرادته واختياره. ولا أروم ذكر تسخير السماء والأرض، والبر والبحر ككرامة بحد ذاتها؛ فهذه أيضاً من شؤون ذات العقل والإرادة والاختيار. البعض يسعى لتكثير مباني الكرامة الذاتية للإنسان؛ فيُذكر هذا التسخير وقدرة الإنسان على السيطرة على الطبيعة أحياناً كأحد مباني الكرامة الذاتية. وهذا المطلب قد طُرح بصراحة في القرآن والروايات، ويمتلك القابلية لاعتباره مبنى في الكرامة الذاتية. غير أنه قد يُقال إن هذا ينبثق في الواقع من ذات قوة التفكر، والعقل، والإرادة، والاختيار في الإنسان.
السؤال: …
الأستاذ: الفطرة أيضاً قد وُهبت للإنسان ليُمتحن بها ويُبتلى. … أنا لا أبحث الآن حول التسخير؛ وأقول إن له فاعلية، ولكنه ربما لا يُعد عاملاً مستقلاً، بل يندرج في طول العاملين اللذين ذكرناهما؛ بل إن الإرادة والاختيار يعودان للعقل أيضاً؛ وأرى أن هذا يمتلك القابلية ليكون مبنى. سواء جعلتموه في طول العقل والإرادة والاختيار، أم في عرضها.
وعلى أية حال، فقول الله إننا خلقنا الإنسان في أحسن تقويم، هو بلاشك بيان لمزية وشرف لا يتوافران في أي كائن آخر.
معنى “أحسن تقويم”
ولكن العمدة هي: ما معنى “أحسن تقويم”؟ هنا يبرز الاختلاف وتتضارب الآراء؛ ففي المحصلة، قد وردت هذه الآية في القرآن، ولدينا روايات بهذا المضمون أيضاً؛ وهو أن الإنسان قد خُلق في أتم وأحسن صورة. ولذا، لا ينبغي لنا هنا أن نبحث كثيراً عن الشواهد كما فعلنا في مبحث الفطرة حيث ذكرنا عدة طوائف من الشواهد؛ فها هنا آية واضحة وصريحة، بل إن ظاهر بعض الآيات يفيد المعنى ذاته، ولكن يجب أن نرى ما معنى ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هذا. فتحليل هذه الكلمة يعيننا على معرفة ما إذا كانت تُعد كرامة ذاتية أم لا.
وقد ذكروا لها معاني عدة؛ ولو أردت تصنيف المعاني المذكورة لـ ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، لاندرجت في فئتين؛ إحداهما المعنى العام والشامل، والأخرى المعنى الخاص. فالمعنى العام والشامل يستوعب البعدين الباطني والظاهري للإنسان؛ فـ ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ يشملهما معاً. أما المعنى الخاص، فيعني انطباق ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ إما على البعد الظاهري للإنسان أو على البعد الباطني؛ ولذا، فبمعنى من المعاني ومن منظور ما، يوجد توجهان كليان حولها. وسأعرض نماذج لهذين التوجهين أو التوجهات الثلاثة.
المعنى الأول
يرى بعض المفسرين والعلماء، استناداً لبعض القرائن والشواهد وذكر بعض الأدلة، أن لها معنى عاماً؛ فـ ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ يشمل البعد الظاهري للإنسان وبعده الباطني؛ والمراد بالبعد الظاهري استقامة القامة، وتموضع الأعضاء كالعين واليد والرجل والأذن بحيث لو وُضع أي منها في غير موضعه لكان معيباً. فكل عضو قد خُلق في أمثل موقع وأحسن هيئة. هذا المعنى يرتبط بالبعد الظاهري؛ فيقولون إن الحيوانات جميعها مطأطئة الرأس؛ وربما لا يمكن اعتبار هذه التوجيهات دليلاً محكماً، ولكنها استحسانات ذكروها بأن رؤوس الحيوانات غالباً ما تكون متدلية؛ في حين أن الزرافة، مثلاً، ليست كذلك، والكثير من الطيور ليست كذلك. وقد ذهب البعض لهذا المعنى؛ وسنشير إلى سبب اتخاذها لهذا المعنى العام.
والمراد باللأبعاد الباطنية هو العقل، والإرادة، والاختيار، والبيان، والنطق، والوعي، و… وتتعدد التعابير هنا؛ فمن التعابير التي استخدمها مفسرو أهل السنة، يقول الطنطاوي: العقل، والبيان الفصيح، والعلم الواسع. ويقول الزحيلي: الفكر، والتدبير، والحكمة، وقوة التمييز، مضافاً لجمال التركيب والهيئة. وتعبير المرحوم العلامة هو أن ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ يستوعب جميع الأبعاد الوجودية للإنسان، وأن جميع شؤونه مشمولة للتقويم وتُعد أحسن تقويم. وقد ذهب فريق من المفسرين لهذا المعنى أيضاً؛ فيقول المرحوم الطبرسي في مجمع البيان: الاعتدال في الجوارح، والأعضاء والامتيازات الإنسانية، والتمييز، وتدبير الأمور، وكل ما يميز الإنسان عن سائر الكائنات فهو في كماله؛ فـ ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ يشمل هذا كله؛ سواء الأعضاء والجوارح أو الأبعاد الباطنية. وتتعدد التعابير؛ فتارة يقولون الإرادة والاختيار، وتارة يقولون الوعي، وتارة أخرى القدرة على النطق والكلام. هذا توجه ذكر معنى عاماً لـ ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ يشمل الأبعاد الظاهرية والباطنية للإنسان، ويقولون إن ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ يعني أفضل خلقة وأتمها، وهو ما لا يمكن حصره في بُعد واحد من أبعاد الإنسان.
ويستقون هذا المعنى غالباً من معنى “القوام” نفسه؛ فيقولون إن التقويم، المشتق من القوام، لا يقتضي غير ذلك. فحين يقول إن قوام الإنسان هو أفضل قوام، فلماذا نحصره في بعد خاص أو في الهيئة الظاهرية والأعضاء والجوارح؟ فلأن الإنسان يمتلك كلتا الجهتين، فإن ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ يشملهما معاً.
المعنى الثاني
ثمة توجه اتخذه البعض، وهو حمل ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ على الأبعاد الظاهرية؛ ويختلف القائلون بالبعد الظاهري فيما بينهم أيضاً. فبعضهم، على سبيل المثال، عبّر عنه باستقامة القامة؛ فيقولون إن قول الله خلقنا الإنسان في أحسن قوام، يعني استقامة القامة؛ وأن الإنسان ينتصب ويمشي على قدمين، خلافاً للحيوانات التي تزحف على بطونها أو تمشي على أربع؛ وقال آخرون إن المراد بـ ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هو الصورة الحسنة؛ وهذه الصورة الحسنة لا يمتلكها أي كائن آخر في هذا العالم. والمراد هو نوع الإنسان؛ فكثيرون هم ذميمو الخلقة، وقد تكون صورهم أقبح من بعض الحيوانات. ولكن نوع الإنسان يمتلك صوراً حسنة؛ وقد ذكر الشيخ الطوسي هذا المعنى في التبيان أيضاً.
وقد استند هؤلاء لبعض الآيات؛ فالقوام عند هذا الفريق يرتبط غالباً بهذه الهيئة الظاهرية والأعضاء والجوارح. وقد ذكرت بعض الآيات ذلك أيضاً، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِّن مَّاءٍ فَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُم مَّن يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾؛ فهنا يشير إلى أننا خلقنا الدواب والأنعام هكذا؛ والإنسان يختلف عن ذلك تماماً؛ فهو لا يمشي على أربع. فالإنسان يمتاز ويختلف عن الجميع هنا. وكما أشرت، فقد ذكر البعض هذا الاحتمال.
المعنى الثالث
التوجه الثالث هو حمل ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ على الأبعاد الباطنية للإنسان. وهذا البعد الباطني قد ينحصر تارة في العلم والوعي والإرادة والاختيار، كما ذهب إليه البعض، أو قد يعني الفطرة، كما اختاره الإمام (ره). ونحن نقول إن البعد الباطني يستوعب كل هذه الأمور ولا نروم تفكيكها واحداً تلو الآخر، وإلا فلو أردنا بيان تمايز هذه الأقوال والآراء بدقة، لاتسعت الدائرة أكثر.
يرى الإمام أن ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ ناظر للجنبات الفطرية للإنسان ولا علاقة له البتة بالهيئة الظاهرية؛ تلك الفطرة التي تشكل مبدأ حركة الإنسان وديناميكيته. وأشير إشارة مقتضبة لما قاله الإمام؛ فهو يعتقد أن الإنسان قد خُلق على أساس الفطرة؛ ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، وقد أشرنا لذلك في الدرس المنصرم أيضاً. غير أنهم يقولون إن الفطرة في الواقع هي مبدأ الخير والشر؛ فمبدأ الخير هو الفطرة التي لم تقع أسيرة الحجب، وهو ما يُعبر عنه بـ “الفطرة المخمورة”. ومبدأ الشر هو الفطرة المحجوبة التي اكتنفتها الحجب؛ والمراد بالحجب حجاب الطبيعة والدنيا. فكثرات الدنيا تغطي هذه الفطرة تلقائياً، وكلما ازداد توجه الإنسان لعالم الكثرة، ابتعد وانفصل أكثر عن حقيقة الروحانية والنور الإلهي.
وللفطرة المخمورة شعبتان؛ وكل شيء يعود إليهما: 1. عشق الكمال؛ 2. النفور من النقص. عشق الكمال والنفور من الشر؛ فالإنسان ينزع نحو الكمال المطلق ويمقت النقص. ولذا، فهو يسعى دائماً لتدارك نقائصه وبلوغ الكمال والارتقاء. وهذه الفطرة تسير في مسارها الصحيح ما لم تقع أسيرة حجب الدنيا؛ فكلما أحاط بها الحجاب الدنيوي، أخطأت في تشخيص المصاديق. فلو كان يسعى خلف القوة المطلقة في هذه الدنيا، فهذا أمر فطري؛ ولكنه يرى القوة المطلقة في التوسع والغزو والسلطة على الآخرين وفرض الأوامر والنواهي عليهم. وإذا كنتم تذكرون، فقد كان الإمام يقول إن السيد ريغان يسعى هو الآخر خلف الله دون أن يدرك ذلك؛ لأن جذور النزوع نحو مزيد من السيطرة والسلطة، هي ذات الكمال المطلق الذي ينشده البشر ذاتاً، غير أنه يخطئ في المصاديق؛ فبدلاً من التماس هذا الكمال في ذات الحق تعالى، يراه في رئاسة البلدان والغزوات والفتوحات.
فلو حُجبت هذه الفطرة واكتنفتها الحجب، أخطأت في تشخيص مصاديق النقص؛ فترى أمراً نقصاً وهو في واقعه كمال وليس بنقص. وعلى أية حال، فهو يرى أن هذه الفطرة تنزع نحو الحق تعالى، وأن ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ الذي يذكره الله تبارك وتعالى، يشير إلى الفطرة التي تمثل، بتعبيره، مقام الجامعية الإنسانية. وقد أكد الإمام هذا المطلب في مواضع متعددة.
فيقول إن الله خلق الإنسان على هذه الفطرة، غير أنه حين يبرز لعالم الطبيعة، ولأنه وليد هذه الدنيا والطبيعة، فإنه يواجه الكثرات منذ البداية؛ يواجه الصوارف؛ فكل ما يواجهه يصرفه عن تلك الحقيقة. ولصيانة البشر من هذه الصوارف، أرسل الله الأنبياء والشرائع، وأنزل الكتب السماوية، وبعث الأنبياء العظام ليأخذوا بيد البشر ويذكّروهم بالفطرة. أي إن الله قد أودع في الإنسان رصيداً داخلياً ووفر له رصيداً خارجياً. والنكتة الطريفة التي يذكرها هي أن الأحكام على قسمين؛ الأحكام التي أقرها الله في الشريعة، من أوامر ونواهي؛ بعضها يصب في مسار النزوع نحو الكمال المطلق، وبعضها الآخر في مسار النفور من النقص والزجر عنه. فإذا نهى عن الفواحش، والخمور، والزنا، فكل ما نهى الله عنه إنما هو لئلا يتلوث الإنسان بالنقص. وبعض الواجبات تهدف لذلك أيضاً؛ كالصدقة والواجبات المالية، والصوم؛ فيقول إن بعض الواجبات، مالية كانت أم غير مالية، تهدف لإبعاد الإنسان عن النقص. وبعض الواجبات، كالصلاة والحج، هي من الجنس الأول … أنا أنقل هذا الآن ولا أروم تقييمه؛ بل أريد القول إن هذه الرؤية بحد ذاتها رؤية قيمة. ولندع المصاديق جانباً؛ فكون الأحكام الإلهية تتطابق بدقة مع فطرة الإنسان، وأن الشريعة تنطبق على الفطرة؛ غير أنه يجب أن ندرك أن إرسال الله تبارك وتعالى للأنبياء، وإنزاله للقرآن، والإنجيل، والتوراة للبشر، إنما هو للحيلولة دون غرقهم في كثرات عالم الطبيعة هذا. فيقول إن الله علم أن الإنسان لو تُرِك وشأنه وفطرته، فلن يبلغ غايته؛ نعم، إن فطرة الإنسان تنزع نحو الله وتميل إلى الحقيقة؛ والكثير من الأوامر والنواهي يدركها الإنسان بنفسه، ولكن هذا لا يكفي لكونه محاطاً بشدة بكثرات الطبيعة؛ فهو يبرز للوجود في هذه الطبيعة أساساً. فالطفل حينما يولد، وكلما كبر، يغرق أكثر في أحكام الطبيعة؛ وتشتد حاجته للشريعة. وجميع الأوامر الإلهية تهدف لذلك؛ أي إن الأنبياء والأولياء والكتب والأوامر غايتها إبقاء الإنسان في مسار معتدل وضبط بوصلته؛ فليعيشوا في هذه الدنيا، فهم في النهاية بحاجة للعيش فيها، ولكن دون أن تصرفهم تلك الصوارف نحو وجهة أخرى. حينها يقرر الإمام أن ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ تعني من أوقع فطرته أسيرة الطبيعة، وغرق في أحكام الحيوانية وظلمات الطبيعة حتى انحدر إلى أسفل سافلين (وهذا أحد معانيه)؛ فالإنسان الذي يمتلك بتلك الفطرة الاستعداد لبلوغ مقام الجامعية الإنسانية، أي أن يصبح جامعاً لجميع عوالم الغيب والشهود، وأن يجمع، بتعبيره، نسخة من جميع العوالم وكل ما يحويه العالم الأكبر؛ فـ ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ يعني أن الفطرة كلما ابتعدت عن هذه الحجب، بلغت مقام الجامعية الإنسانية، أي أن يجمع عالم أكبر كل ما يضمه عالم الوجود في ذاته. وهذا هو ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. أما إذا كانت محجوبة، وأنِس المرء بأحكام الطبيعة وآثارها، فإنه ينحدر لـ ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾.
بحث الدرس القادم
هذه هي الآراء الثلاثة الرئيسية حول ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. ولم نصل في بحثنا لنتيجة نهائية بعد؛ فنريد أن نرى أي معنى من هذه الآية هو المراد، وهل يُعد ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ حقاً كرامة ذاتية للإنسان أم لا.