The news is by your side.

الدرس الثاني عشر، المقام الأول

الدرس الثاني عشر
المقام الأول: دراسة وجود الكرامة الذاتية في الإنسان وعدمها – مباني الكرامة الذاتية للإنسان – الطائفة الأولى: 1. العقل – شبهة في ذاتية الكرامة ودراستها – 2. الإرادة والاختيار – الشواهد – الشاهد الأول

26 ربيع الآخر 1446 هـ

شبهة في ذاتية الكرامة

لقد ذكرنا شواهد على ذاتية الكرامة التي وهبها الله للإنسان؛ وثمة تساؤل طُرح في الدرس الماضي وكنا قد أشرنا إليه سابقاً، وهو: إذا كان العقل يُعد كرامة ذاتية للإنسان، فلماذا يُكثر الله المتعال من عتاب الإنسان ويصفه في بعض المواضع بأنه أحط من الحيوان، ﴿أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾. ومن ذات الشواهد التي ذكرناها، يقول في تتمة الآية 70 من سورة الإسراء: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾، ثم يعاتب الإنسان على جحوده ونكرانه. أو في تتمة الآية: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، حيث يقول: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾. وبشكل عام، ففي كل موضع تُطرح فيه مسألة خلقة الإنسان وإحسان الله وتكريمه والنعم التي أسبغها عليه، بما في ذلك النعم الخاصة، نجد عتاباً وإنذاراً مبطناً؛ مما يدل على أن هذه الكرامة لا تلازم الإنسان دائماً؛ فهي ليست كرامة ذاتية، بل تُحفظ في حالة وصورة معينة، وإلا فلا ينال الإنسان شرفاً بهذا العنصر بمفرده.

دراسة الشبهة

لقد أجبنا عن هذه الشبهة بوجه من الوجوه سابقاً، وسنعرض الآن إجابة مجملة. أستهل الحديث بكلام للمرحوم العلامة في ذيل الآية 70 من سورة الإسراء؛ حيث يقول: «الآية مسوقة للامتنان مشوباً بالعتاب»؛ فهذه الآية تتكفل أو تتضمن مطلبين: الامتنان الإلهي والعتاب الإلهي. فمن جهة، يَمُنّ الله تبارك وتعالى على الإنسان؛ والامتنان يقتضي شموله لجميع البشر؛ وكما تشهد قرائن الآية ذاتها بوضوح، فهذه الكرامة تعم البشر كافة. فالله يَمُنّ بأن رحمته قد شملت جميع البشر، ومن جهة أخرى، يوجه عتاباً؛ والعتاب في حقيقته إنذار وتوبيخ وذم للإنسان لنسيانه هذه النعم؛ ولتخليه عن طريق عبودية الله وإعراضه عنه، ولذا استحق العتاب. فيقول الله: لقد أسبغت عليكم كل هذه النعم، فلماذا صنعتم هكذا؟ وبدلاً من الشكر والحمد، تجحدون وتكفرون. وهذا اللسان والسياق حاضر تقريباً في كل المواضع التي يذكّر فيها الله بنعمة من نعمه؛ فكلما ذُكرت نعم الله على بني إسرائيل، أعقبها ذكر جحودهم ونكرانهم، ثم لوم الله وعتابه لهم. والأمر كذلك مع الإنسان؛ فكلما تطرق لخلقة الإنسان ونعم الله عليه، سواء العامة أو الخاصة، أردفها بالتساؤل: لِمَ الجحود والنكران؟ ثم يتوعد بالعذاب الأليم لمن تنكبوا طريق عبودية غير الله بالكلية.
ومفاد قولنا هو أن هذا العتاب والإنذار والتوبيخ على الجحود، هو دليل بحد ذاته على أن هذه النعمة تعم البشر كافة، بغض النظر عن عقائدهم ومذاهبهم وإيمانهم وكفرهم. وهذا العتاب يهدف في الواقع إلى رد البشر إلى المسار العادي والطبيعي للحياة الدنيوية. فلهذه العتابات غاية واحدة؛ وهي إعادة الإنسان إلى طريق السعادة. فلو كان مقدراً أن تُسلب هذه النعمة من الإنسان بسبب جحوده وعصيانه وتمرده، فكيف يتسنى له العودة للمسار الصحيح ومتابعته؟ إن الدعوات الإلهية المستمرة حتى الرمق الأخير من الحياة، إنما هي لتمتع الإنسان بهذه المزية، وغايتها تخليص العقل من الشوائب والأوهام والأهواء النفسانية. فها نحن نرى النبي موسى (ع) يذهب إلى فرعون بأمر من الله، ويكلمه بالقول اللين، ويدعوه لعبودية الله والابتعاد عن طريق العصيان والتمرد وادعاء الربوبية. وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على ملازمة هذه المزية للإنسان حتى اللحظة الأخيرة؛ فمساعي الأنبياء والأولياء، ومساعي الله جل وعلا، حتى من خلال هذه العتابات المبينة في هذا الصنف من الآيات، تهدف إلى إزالة الشوائب والحجب والغيوم التي تكتنف العقل ليتسنى له تمييز خيره الحقيقي من شره الحقيقي؛ وإدراك منفعته الواقعية من مفسدته وضرره الواقعي. إذن، فهذه العتابات والتوبيخات والذم، لا تعني البتة سلب القوة العاقلة وسلب قوة تمييز الخير والشر أو المنفعة والضرر؛ فهذه المزية قائمة في الإنسان ولا تقبل الزوال.
وبالطبع، فقد أشارت بعض الروايات إلى هذا المطلب أيضاً؛ فمثلاً في رواية عن الإمام الرضا (ع) وردت في “تحف العقول”، يقول: إذا أراد الله أمراً وتعلقت إرادته بتحقيق شيء، سلب العباد عقولهم، فإذا نفذ أمره رد عقولهم إليهم، فيتساءلون: كيف حدث هذا ومن أين؟ وهذا في الواقع تعبير كنائي لبيان أن عقل الإنسان يتعطل ويفقد فاعليته في مواقف معينة بإرادة إلهية، ولذا يعجز عن التمييز. «إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَمْراً سَلَبَ الْعِبَادَ عُقُولَهُمْ فَأَنْفَذَ أَمْرَهُ وَتَمَّتْ إِرَادَتُهُ فَإِذَا أَنْفَذَ أَمْرَهُ رَدَّ إِلَى كُلِّ ذِي عَقْلٍ عَقْلَهُ فَيَقُولُ كَيْفَ ذَا وَمِنْ أَيْنَ ذَا»؛ فإذا أراد الله إنفاذ أمر، سلب العباد عقولهم، فإذا انقضى أمره وتم، رد إلى أصحاب العقول عقولهم؛ حينها يتساءل صاحب العقل: ماذا جرى ومن أين أتى هذا، لم نفهم. وهذا لا يعني أن هذه النعمة والكرامة ليست ذاتية، بل يعني في الواقع إغلاق منافذ التفكير والتعقل والمحاسبة بإرادة إلهية، وهو ما يرتبط بظروف خاصة أيضاً.
ويجب أن نلتفت (كما أشرنا في بداية البحث) إلى أن محل البحث هنا هو العقل بمعنى القوة العاقلة، قوة الفهم، قوة الضعف [لعل الصواب: الحفظ]، لا ذلك العقل الذي يحلق به الإنسان؛ فيجب أن يتوافر أصل هذه النعمة، وأن يُحاذر من الوقوع في شرك تلك الشوائب.
وفي رواية أخرى يقول الإمام الصادق (ع): «دِعَامَةُ الْإِنْسَانِ الْعَقْلُ وَالْعَقْلُ مِنْهُ الْفِطْنَةُ وَالْفَهْمُ وَالْحِفْظُ وَالْعِلْمُ وَبِالْعَقْلِ يَكْمُلُ وَهُوَ دَلِيلُهُ وَمُبْصِرُهُ وَمِفْتَاحُ أَمْرِهِ فَإِذَا كَانَ تَأْيِيدُ عَقْلِهِ مِنَ النُّورِ كَانَ عَالِماً حَافِظاً ذَاكِراً فَطِناً فَهِماً فَعَلِمَ بِذَلِكَ كَيْفَ وَلِمَ وَحَيْثُ وَعَرَفَ مَنْ نَصَحَهُ وَمَنْ غَشَّهُ فَإِذَا عَرَفَ ذَلِكَ عَرَفَ مَجْرَاهُ وَمَوْصُولَهُ وَمَفْصُولَهُ». وقد ورد في الكافي الشريف أن شخصية الإنسان قوامها العقل؛ فالفطنة، والفهم، والحفظ، والعلم، كلها تناط بعقل الإنسان؛ وبه يبلغ الكمال. فهو دليله، ومرشده، ومفتاح أموره، فإذا أُيد بنور، أي خلا من الشوائب والأوهام، بلغ العقل فاعليته الحقيقية، وغدا سميعاً بصيراً بالمعنى الحقيقي للكلمة. حينها يدرك لماذا أتى، وكيف أتى، ولأجل ماذا أتى، وإلى أين يمضي؛ أي إنه يلتفت للقضايا الحقيقية للوجود.
ويقول أمير المؤمنين (ع) في نهج البلاغة: «أَكْثَرُ مَصَارِعِ الْعُقُولِ تَحْتَ بُرُوقِ الْمَطَامِع»؛ وهو حديث بليغ؛ فأكثر مصارع العقول ومهاويها تتحقق في وهج المطامع. وهذا يدل على أن للعقل حقيقة وواقعية؛ وله مصرع يسلبه فاعليته، وهو الطمع، والهوى، والشوائب، والأوهام.
ويتضح مما تقدم أن هذا يتضمن امتناناً وعتاباً معاً؛ فالله يَمُنّ على الإنسان بوهبه هذه النعمة، ويعاتبه في الوقت عينه لئلا يقع هذا العقل أسير الظلمة والأوهام والطمع والهوى والهوس. فكل هذه العتابات تهدف لإبعاد هذه الأمور عن محيط العقل. فكون الإمام الحسين (ع) يقف صبيحة عاشوراء أمام تلك الجموع الغفيرة ويستصرخ: “هل من ناصر”، فليس غايته أن يجد من ينصره حقاً؛ بل لأداء وظيفته الأساسية في إنقاذ البشر من مستنقع الفساد ووحل الجهل، أي تطهير عقولهم من هذه الأوهام والشوائب. فهذه الدعوة والحديث والتذكير، حتى لعمر بن سعد يوم عاشوراء، تهدف لإيقاظ العقل (وسنتحدث عن الفطرة لاحقاً بشكل مستقل). ذلك العقل القادر على التشخيص السليم، قوة تمييز الخير من الشر، وهم غالباً ما يخطئون في مصاديق الخير والشر؛ فيظن أن خيره في ولاية الري، حتى وإن غلبه الهوى والهوس على هذا التفكير.

2. الإرادة والاختيار

ننتقل للمبنى الثاني لكرامة الإنسان، وهو الإرادة والاختيار. والإرادة والاختيار، بطبيعة الحال، من شعب العقل؛ فلأن الإنسان عاقل، فهو يمتلك إرادة واختياراً. ويمكننا إرجاع هذه الثلاثة لمبنى واحد؛ ولكن نظراً لاختلاف أدلتها نسبياً وإمكانية إيراد شواهد مستقلة لها، أفردناها بالذكر.
وبالنظر الدقيق، تختلف الإرادة عن الاختيار؛ وجمعنا لهما هنا لا يعني أنهما شيء واحد؛ فهما حقيقتان مستقلتان. فالإرادة في الواقع هي ذلك الشوق المؤكد الذي ينشأ بعد تصور الفائدة والتصديق بها للإنسان، وهو ما يفضي في النهاية لتحريك العضلات لأداء فعل ما؛ فالإرادة هي الشوق المؤكد، أما الاختيار فهو في الحقيقة الانتقاء والترجيح والتفضيل؛ فتفضيل شيء على آخر أو ترجيحه، هو أمر يغاير الإرادة. فقد تتوافر الإرادة، وينتفي الترجيح والتفضيل. ولذا فهما يختلفان من جهة ما.

السؤال: …
الأستاذ: إنهما مترابطان، ولذا جمعنا بينهما. وهاتان الكلمتان تختلفان من الناحية الفنية في تعريفاتهما.
يجب بداية تبيين الإرادة والاختيار، وكيف يُعدان كرامة ذاتية للإنسان. فالله تبارك وتعالى خلق الإنسان مريداً مختاراً، ومنحه حق الاختيار، وهذه نعمة خاصة وحصرية للإنسان؛ وهي شرف لا يحظى به كائن آخر سواه. وهذا ما نروم إثباته.
يتمتع الإنسان، مقارنة بالحيوانات والنباتات، بقدرة استثنائية على مقاومة ميوله الداخلية ورفض الاستجابة لرغباته؛ أي التمرد على أوامر النفس. وهنا تتجلى الإرادة بمعناها الحقيقي؛ فالإرادة تأتمر بأمر العقل؛ أي متى ما خلص العقل لنتيجة ما وصدّق بشيء، تحققت إرادة فعله. وقولنا إن هذا يختص بالإنسان، يحكي عن واقعتين في وجود الإنسان:

  1. أن في الإنسان ميولاً ودوافع داخلية تفتقر إليها الكائنات الأخرى؛ ميولاً تتجاوز حدود الماديات. فغاية ما يملكه الحيوان من ميول لا تتعدى نطاق الماديات؛ أما الإنسان فيميل لأمور أسمى من ذلك بكثير.

  2. أنه قادر على السعي لتحقيق هذه الميول، أو مقاومتها والوقوف بوجهها؛ قادر على كبح جماح رغباته القلبية. وهذا ما يُعد قدرة عظيمة واستثنائية للإنسان.
    في المقابل، تمتلك النباتات والحيوانات قوى وقدرات أيضاً، ولكنها لا تنبع من الإرادة. أريد أن أبيّن بدقة ماهية هذا الفارق وهذه المزية. فالحيوان يمشي، والإنسان يمشي أيضاً، ولكن مشي الحيوان يتم بوعي أيضاً؛ فمثلاً، حينما ينهض الحيوان من مكانه قاصداً الشرب، فهو يفعل ذلك بوعي وقصد ولا يُجبر عليه. غير أن هذه الرغبة تعمل كغريزة. وبتعبير آخر، فالحيوان أيضاً يسعه أن يشرب إن شاء، ويمتنع إن لم يشأ. وحينما يواجه فريستين، فله رغبة هناك يسعى خلفها؛ وهذه الرغبة تتحقق بوعيه أيضاً، ولكنه لا يمتلك شيئاً يُدعى الإرادة. فبمجرد أن يُستثار ميله الداخلي لشيء، يندفع نحوه، ولكن هذا الميل نابع من الغريزة. فإذا جاع الحيوان مثلاً ومال لتناول الطعام، فلا يمكنه أبداً مقاومة ميله هذا؛ لا يمكنه التمرد على أمر الغريزة. وهذا هو الفارق الجوهري بين الإنسان والحيوان؛ وهذه هي النقطة التي تُسمى بالإرادة. فالإرادة قدرة على مقاومة الميول والرغبات أو السعي لتحقيقها.

السؤال: …
الأستاذ: هذا أيضاً غريزة؛ أي إن غريزة بعض الحيوانات هي الوفاء، وغريزة البعض الآخر هي الغدر. … فأحدهما نتاج الغريزة وطبيعتها الذاتية؛ فجنس الذئب يختلف عن جنس الكلب. فيقولون إن الذئب لا يرحم حتى بني جنسه؛ فإذا جاع، افترس أبناء فصيلته؛ أما الكلب فليس كذلك. وبالطبع، للتعليم والتربية تأثير أيضاً؛ أي إن قابلية التربية هذه موجودة خاصة في بعض الحيوانات، وجذورها تعود لتعويد الحيوان. فيُشترط منحه بعض المزايا بأداء أفعال معينة. وعلى أية حال، فإن هذه الإرادة وحق الانتخاب والاختيار، تُعد مزية للإنسان. ولا يمتلكها أي كائن آخر؛ ولا ريب في اختصاص الإنسان بها.
وهذا لا يفتقر لمزيد من التوضيح فهو جلي، ولا أرى مبرراً للإسهاب فيه أكثر. فقط أريدكم أن تنتبهوا للسبب الذي يجعل هذا الأمر نعمة اختصاصية للإنسان، وتشريفاً له، وكرامة اعطائية ذاتية؛ فهذا هو محط بحثنا الآن.
إذن، فقد لاحظتم اختصاص هذه النعمة؛ وهو أمر لا سبيل لإنكاره.

السؤال: …
الأستاذ: إن هذا الاختيار والإرادة بهذا المعنى، أي قدرته على مقاومة ميوله، … ليس كذلك؛ فهذه القدرة على المقاومة بهذه الشدة والحدة لا تتوافر في غير الإنسان. ولا مجال لطرح التكريم والتفضيل هنا؛ … فنحن نبحث هنا بغض النظر عن التكريم والتفضيل، ولا شأن لنا بكونه مشتركاً أم لا؛ بل نقول إنه يختص بالإنسان. أي إن ما يمتلكه الإنسان، لا يمتلكه أي كائن آخر. وحتى لو افترضنا اشتراك الجن مع الإنسان في أصل ذلك، فثمة بون شاسع بين الإرادة والاختيار والحرية التي يمتلكها الإنسان، وتلك التي يمتلكها الجن. …

الشواهد

نحن نعد هذا الأمر نعمة اختصاصية؛ ولكن العمدة هي الدليل والشاهد على كونه شرفاً؛ فهذا ما نروم معرفته؛ لأن فريقاً يقولون إن وهب الله هذا للإنسان، هو محض قوة، وثانياً ليس بشرف، وثالثاً مشروط ومنوط بحالة وظروف معينة؛ مشروط بالإيمان.

الشاهد الأول

ونقول نحن إن هذه النعمة اختصاصية؛ وظاهرة في الفعلية؛ ولا نقصد بالفعلية هنا أن رضيعاً ابن يوم واحد يمتلك الإرادة والاختيار. بل متى ما بلغ مبلغاً يمكنه معه التمييز والتشخيص، فإرادة البشر واختيارهم فعلية وتتجاوز حدود الغريزة. وصحيح أنه كلما كان الإنسان أصغر سناً، كالطفل الرضيع، كانت قدرته على مقاومة ميوله الداخلية أضعف؛ وكلما كبر، تعاظمت هذه القدرة. وهذا يخضع بطبيعة الحال لتعويد الإنسان نفسه على الانقياد لها أو التمرد عليها. فمثلاً، حينما ينقاد المرء لأوامر نفسه لثلاثين أو أربعين عاماً، فإنه يُربى على هذا النحو، ويغدو تغييره عسيراً، ولذا يُقال إن ترك العادة يوجب المرض، لأن هذه العادات متى ما تأصلت، استعصى تغييرها … لتعوده على الانقياد. إذن، نقول أولاً إنها فعلية وتلازم الإنسان حتى النهاية، حتى الكافر. وهذه مزية وشرف.
والأهم من ذلك كله، والذي سنبحثه لاحقاً، هو مبنى حق الإنسان وتكليفه. فلماذا يُكلّف الإنسان؟ ولماذا أُرسل الأنبياء للإنسان؟ ولماذا أُنزلت الكتب؟ فلولا حرية الإنسان واختياره وإرادته، فهل كان للدعوة معنى أساساً؟ وهل كان للتكليف معنى؟ وهل كان للحق معنى؟ وهل كان للثواب والعقاب معنى؟ إنه لأمر في غاية الجلاء أن هذه المزية يجب أن تلازمه حتى النهاية، ليتسنى محاسبته على أدق تفاصيل أعماله. ففي اللحظة التي يفقد فيها الإنسان إرادته واختياره، ينتفي معنى الثواب والعقاب، وينتفي معنى الجزاء والمكافأة، وينتفي معنى التكليف؛ فمتى ما سُلبت إرادته واختياره، فقدت كل هذه الأمور معناها. وهذا بيان في غاية الإحكام.

Citations