The news is by your side.

الدرس السادس عشر، الآية 62، تفسير الآية، الأمر الأول

الدرس السادس عشر
الآية 62 – تفسير الآية – الأمر الأول: معنى «إن الذين آمنوا» – الاحتمالات الخمسة – الاحتمال الرابع والخامس – دراسة الاحتمالات الخمسة – الرأي المختار

26 جمادى الأولى 1447 هـ

خلاصة الجلسة الماضية

ذكرنا أن ثمة احتمالات متعددة في المراد من قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) [البقرة: 62]؛ وقد استعرضنا ثلاثة احتمالات في الجلسة الماضية. وكان مفاد الاحتمال الأول أن المراد هم المسيحيون الحقيقيون الذين توفوا قبل بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ ومفاد الاحتمال الثاني أن المراد هم المنافقون؛ بينما ذهب الاحتمال الثالث إلى أن المراد هم الذين آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) حقيقةً، غير أن تكملة الآية تشير إلى استقرار الإيمان واستمراره.

وهناك احتمالان آخران في المقام، سنذكرهما ونخضعهما للدراسة والتحقيق.

الاحتمال الرابع

ومفاد الاحتمال الرابع هو أن المراد جميع من آمن ودخل في دائرة الإسلام، سواء كان إسلامه وإيمانه حقيقياً أم كان إسلاماً ظاهرياً. وبطبيعة الحال، يشمل قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) بناءً على هذا الاحتمال المنافقين أيضاً؛ خلافاً للاحتمال الثاني الذي كان يختص بالمنافقين فحسب. وحينئذٍ، تكون عبارة (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا) إشارةً إلى ذلك القسم من المؤمنين الذين يتصف إيمانهم وإسلامهم بالحق والصدق؛ فيكون هذا من قبيل “ذكر الخاص بعد العام”.

وبناءً على هذا الاحتمال، كأن الله تبارك وتعالى يخاطب هذه الطوائف الأربع؛ أي المسلمين (الأعم من الحقيقيين والصوريين)، واليهود، والنصارى، والصابئين، قائلاً: إنكم جميعاً لن تنالوا السعادة إلا إذا آمنتم بالمبدأ والمعاد وعملتم صالحاً؛ أي إن المعيار الوحيد للفلاح والنجاة والسعادة الأبدية هو هذا لا غير.

الاحتمال الخامس

والاحتمال الآخر في المقام هو أن يكون المراد بـ «الذين آمنوا» هم الذين آمنوا من تلك الطوائف الثلاث اللاحقة؛ فكأن الآية تقول: يا من آمنتم من اليهود والنصارى والصابئين؛ وهذا أيضاً يصبح من قبيل “ذكر الخاص بعد العام”. وطبقاً لهذا الاحتمال، يكون المعنى: يا من آمن من اليهود والنصارى والصابئين، فإن المؤمنين من هذه الطوائف الثلاث، (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا) إلى آخر الآية. ووجه ذلك أن من آمن من هذه الطوائف الثلاث قد لا يكون إسلامه حقيقياً؛ فكأن الله سبحانه يريد أن يبين لهم أنه لا يكفي مجرد حمل عنوان الإسلام والاتصاف به فحسب. فاليهود والنصارى والصابئون قد اعتنق بعضهم الإسلام؛ فيريد سبحانه أن يبين أن من التحق بالمسلمين من هذه الطوائف الثلاث، ليعلموا أنهم إن آمنوا بالله وبالمبدأ والمعاد وعملوا صالحاً، (فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) وسينالون الأجر المعدّ لهم.

دراسة الاحتمالات الخمسة

يتعين علينا الآن إخضاع هذه الاحتمالات الخمسة للدراسة والتحقيق لنرى أيها الأصح.

دراسة الاحتمال الأول

كان مفاد الاحتمال الأول أن المراد هم الأتباع الحقيقيون للمسيح عيسى والمؤمنون الحقيقيون، لا أتباع المسيحية المحرفة، وقد أشرنا إلى أسماء بعض الأشخاص في هذا الصدد. وهذا الاحتمال ذكره ابن عباس، وهو غير صحيح؛ لوجود قرائن في الآية تخالفه. ومن هذه القرائن عطف قوله: (وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ). فما الوجه في تخصيص هؤلاء بالذكر دون غيرهم من بين الطوائف الثلاث، وبيان هذا المصير لهم؟ وبناءً على هذا الاحتمال، يؤول معنى الآية إلى: إن الذين آمنوا قبل مبعث محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) والذين كانوا على الدين الباطل الذي لليهود والذين كانوا على الدين الباطل الذي للنصارى، كل من آمن منهم بعد مبعث محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) بالله واليوم الآخر وبمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) فلهم أجرهم عند ربهم. فبأي مناسبة نخص قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) بأتباع المسيح عيسى فحسب؟ ولعل قائلاً يقول: إن هؤلاء كانوا أصحاب آخر دين قبل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلذلك خصهم بالذكر. فيقول: إن الذين آمنوا حقيقةً قبل بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، بالإضافة إلى الآخرين؛ أي اليهود المنحرفين والمسيحيين المنحرفين والصابئين، هؤلاء إذا عملوا هكذا، فإن عاقبتهم كذا. وهذا لا ينسجم مع ظاهر الآية، ولا يبدو ثمة وجه لتخصيص هذه الجماعة بالذكر بالخصوص. مضافاً إلى أن ظاهر الآية يشير إلى أن (الَّذِينَ آمَنُوا) يراد بهم المؤمنون في زمن النزول؛ فكأنها تريد الإشارة إلى مؤمني عصر النزول بأي معنى كان، لا أولئك الذين عاشوا قبل بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وبناءً عليه، فإن الاحتمال الأول مردود.

دراسة الاحتمال الثاني

ومفاد الاحتمال الثاني هو حمل (الَّذِينَ آمَنُوا) على خصوص المنافقين، ليكون معنى الآية بناءً عليه: إن المنافقين واليهود والنصارى والصابئين، كل من أتى منهم بالإيمان صار من المؤمنين حقيقةً عند الله. وهذا الاحتمال مردود أيضاً؛ لأن إطلاق وصف (الَّذِينَ آمَنُوا) على خصوص المنافقين غير متعارف. نعم، قد يُطلق قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) على المؤمنين الحقيقيين والصوريين معاً؛ كقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا) [النساء: 136]؛ ولكن أن يُقصد بـ «آمنوا» خصوص المنافقين فحسب، فهذا فيه إشكال كبير.

ويؤيد ذلك أنه ورد في آية أخرى تشبه هذه الآية تقريباً إطلاق قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) على مطلق المؤمنين، لا خصوص المؤمنين ظاهراً؛ وهي قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) [الحج: 17]، حيث يقرر سبحانه أن الذين آمنوا واليهود والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا، فإن الله يفصل بينهم يوم القيامة. ولا ريب في شمول قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) في الآية 17 من سورة الحج لعموم المؤمنين قاطبة. وهذه الآية تماثل تقريباً آية البحث؛ مما يشكل قرينة واضحة على أن المراد من (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) هو عموم المؤمنين وليس خصوص المنافقين. وعليه، يبدو أن هذا الاحتمال غير صحيح أيضاً.

دراسة الاحتمال الثالث

وكان مفاد الاحتمال الثالث أن المراد من قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) هم الذين آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إيماناً حقيقياً، وحمل قوله: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) على الإيمان بالله والمعاد في المستقبل؛ فكأنهم وإن آمنوا في الماضي، فإن نيلهم لتلك النتائج مشروط باستمرار إيمانهم ومواصلته في المستقبل. ويبدو أن هذا الاحتمال ضعيف أيضاً؛ لأن ذكر المؤمنين الحقيقيين بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في سياق واحد إلى جانب اليهود والنصارى والصابئين ليس صحيحاً؛ فهم قد آمنوا بالله وصاروا مؤمنين في الماضي ولم يكن إيمانهم صورياً؛ ولا خلاف في وجوب استمرارهم على هذا الإيمان مستقبلاً، ولكن وضعهم جنباً إلى جنب مع تلك الطوائف يخالف الظاهر؛ إذ لا يؤدي ظاهر الآية هذا المعنى. وعليه، يظهر عدم انسجام هذا الاحتمال مع ظاهر الآية.

دراسة الاحتمال الرابع

ومفاد الاحتمال الرابع هو أن المراد عموم المؤمنين؛ أي يريد أن يبين أن كل من آمن بالإسلام -إذ قوله: إن الذين آمنوا أي الذين أسلموا- واليهود والنصارى والصابئين، فإن هؤلاء جميعاً لا يحفظ أجرهم عند الله ولا يرتفع الخوف والحزن عنهم إلا إذا (آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)؛ أي إن مجرد اسم الإسلام والاتصاف به صيرورةً لا يكفي وحده؛ كما لا ينفع مجرد اسم اليهودية أو النصرانية أو الصابئية؛ فليست هذه الأسماء والعناوين بذي بال. بل يريد سبحانه أن يبين أنه لا فرق في مجرد العنونة بين عنوان المسلم وعنوان اليهودي؛ وإنما الملاك والأساس هو الإيمان القلبي بالله وبالرسول (صلى الله عليه وآله وسلم). فهذا الإيمان هو الذي يُحفظ أجره عند الله، ومن يؤمن على هذا النحو ينتفي في حقه الخوف والحزن بالكلية.

وهذا الاحتمال في مجموع الآراء هو الأولى والأجدر بالقبول من الاحتمالات السابقة؛ وقد بينا معناه بأنه كأن الله سبحانه يريد أن يخاطب المسلمين واليهود والصابئين قائلاً: إن أردتم الخلاص من الحزن والخوف ونيل الأجر عند ربكم، فليس لكم طريق سوى الإيمان بالله والمعاد والعمل الصالح؛ فلا تعلّقوا آمالكم على هذه العناوين المجردة. ولذلك، فإن هذا الاحتمال هو الأرجح من بين الاحتمالات المذكورة.

دراسة الاحتمال الخامس

أما الاحتمال الخامس، القائل بأن المراد هم المؤمنون من تلك الطوائف الثلاث، فهو مردود أيضاً؛ لأنه لا ينسجم مع القرائن والشواهد ويخالف ظاهر الآية؛ إذ لو كان هذا هو المراد، لكان مقتضى الصياغة أن يقال: «إن الذين آمنوا من الذين هادوا والنصارى والصابئين»؛ لكونه يريد إرادة المؤمنين من هذه الطوائف الثلاث بالخصوص، فكان ينبغي أن يستعمل «