The news is by your side.

الدرس الحادي والعشرون، الآية 62، تفسير الآية، القسم الرابع

الدرس الحادي والعشرون
الآية 62 – تفسير الآية – القسم الرابع: «ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون» – المطلب الأول – القول الأول – القول الثاني – المطلب الثاني

25 جمادى الآخرة 1447 هـ

القسم الرابع: «وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ»

بقي في الآية 62 قسمٌ واحد آثرنا التعبير عنه بالقسم الرابع وهو قوله تعالى: (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة: 62]. وهذا يمثل ثمرة ونتيجة أخرى من النتائج المترتبة في حق من تلبس بالركائز الأربع للسعادة. فالذين آمنوا بالله، واليوم الآخر، ونبوة خاتم الأنبياء (صلى الله عليه وآله وسلم)، وكانوا من أهل العمل الصالح، يثبت لهم أولاً أجر وثواب أبدي عند ربهم، وثانياً ينتفي في حقهم الخوف والحزن بالتمام.

المطلب الأول

إن قوله: «لا خوف» نفيٌ مطلق؛ والنفي المطلق يفيد انتفاء عروض الحزن والخوف في حقهم مطلقاً وفي أي حال. وطبيعة هذا النفي المطلق تقتضي عدم حدوث أي مرتبة من مراتب القلق والهم والغم في حقهم تحت أي موضوع كان. وبطبيعة الحال، يُعرَّف الخوف بأنه القلق والخشية من فوات شيء أو زوال أمر محبوب مستقبلاً، بينما يُعرَّف الحزن بأنه الكآبة والغم الناشئ عن فقد شيء وفواته فعلاً. فالإنسان يعتريه الخوف في الدنيا خشية زوال ما بيده ويقلق له، فإذا فقده حقيقةً تملكه الحزن والغم لفواته. ومع الالتفات إلى معنى الخوف والحزن والوقوف على مساحة النفي المطلق أو النفي العام الجاري فيهما، يبرز التساؤل الفقهي والتحقيقي: هل هذه الثمرة والنتيجة المقررة لحيازة الركائز الأربع تتوجه إلى نفي الخوف والحزن في نشأة الدنيا أم في نشأة الآخرة؟

القول الأول

يذهب فريق من المفسرين إلى أن هذا النفي متوجه إلى نشأة الدنيا؛ ولعل هذا القول ضعيف بالصناعة نظراً لذهاب عامة المفسرين إلى حمله على نشأة الآخرة. ويقرر أصحاب هذا القول أن من تلبس بالإيمان الحقيقي والعمل الصالح يبرأ من الحزن والخوف في هذه الحياة الدنيا؛ لكون الخوف هو القلق والخشية من فوات المحبوب، ومن كان مؤمناً عاملاً بالصالحات لا يخشى فوات أسباب الدنيا الفانية، وإذا فاته شيء منها لم يأسَ ولم يحزن عليها. وهذا التخريج وإن كان مقبولاً في نفسه، إلا أن إشكاله يبرز في عدم ملاءمته للنفي المطلق للحزن والخوف الذي تقرره الآية بالصناعة. وذلك لأن الإنسان في هذه الدنيا -مهما بلغ إيمانه وارتقت درجات عمله الصالح- لا تصفو حياته من عروض الخوف والحزن بالكلية؛ لكون ذلك من طبع الدنيا وجبلتها الكونية. فالمرء الذي يستبد به دغدغة الدين والحرص على أداء التكاليف والوظائف الشرعية يظل دائم الفكر والاهتمام بمعرفة تكليفه؛ فيقلقه هاجس التقصير في أداء حق العبودية لله سبحانه، ويحزن لفوته؛ أو يخاف عدم القدرة على الوفاء بالتكاليف مستقبلاً. وعلى أي حال، يمتنع خلو الدنيا من كدر الحزن والغم.

القول الثاني

وأما القول المشهور في المقام، فيذهب إلى حمل قوله سبحانه: (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) على نشأة الآخرة؛ أي إن المؤمنين العاملين بالصالحات، كما أن أجرهم وثوابهم عند ربهم أبدي خالد، فكذلك نفي حزنهم وخوفهم يتصف بالأبدية والخلود، وهذا لا يتحقق إلا في الآخرة. ففي الآخرة يرتفع عن الإنسان مطلق الخوف والحزن. وذلك لأن منشأ الخوف والحزن إما أن يدور مدار الأسباب الدنيوية الفانية أو يدور مدار الأحوال والمسائل الأخروية؛ والأسباب الدنيوية تنقطع وتزول بالتمام في الآخرة، وأما الأمور الأخروية فتؤول بهم إلى أحسن مآل. وقد وعد الله سبحانه أصحاب هذه السجايا بانتفاء عروض أي خوف أو حزن عليهم في الآخرة. وهذا الوجه أقرب بالصناعة إلى جهة دوام الأجر وأبديته؛ إذ بيّنّا أن قوله سبحانه: (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) دال على خلود الأجر وأبديته؛ وحينئذٍ يتعين حمل ما قُرن به وذُكر إلى جانبه -وهو نفي الخوف والحزن- على الأبدية والخلود أيضاً؛ وهذه الخصوصية ممتنعة الوقوع إلا في النشأة الآخرة. وعليه، يتعين قبول هذا القول الثاني ورجحانه.

السؤال: …

الأستاذ: هذا الكلام ليس بعيداً عن الصواب; فكما أوضحت لكم سابقاً، كلما ترسخ إيمان العبد بالله والمعاد والنبؤة وقوي يقينه، زاد تمسكه بالعمل الصالح وانحسرت في حقه دواعي الخوف والحزن المرتبطة بالأسباب والعلل الدنيوية؛ لكونها تدور بين الأسباب الدنيوية أو الأمور الأخروية. ولكن حمل هذا النفي على الدنيا بالتمام لا يستقيم؛ لكون الدنيا لا تخلو من عوارض الخوف والاندحار بالوجدان. نعم، قد يقال إن المؤمن في الدنيا لا يعتريه خوف ولا حزن تجاه حطام الدنيا لعدم مبالاته به وزهده فيه؛ فلا يقلقه فواته ولا يحزنه ذهابه؛ غير أن الحياة البشرية في هذه النشأة لا تجرد من الهم والغم كلياً وطبعاً؛ فحتى خلّص عباد الله وأوحدهم لا يخلون من الهم والخوف؛ بخلاف ما يكون في محضر الله تبارك وتعالى وفي جنته يوم القيامة؛ حيث يرتفع الخوف والحزن حتى في أدنى مراتبهما بالكلية. نعم، قد تثبت هناك حسرة للمؤمن قبل دخوله الجنة، وهي حسرة تقع موقع العقوبة والتمحيص له؛ ولكن هل يصح القول ببقاء هذه الحسرة -أو الحزن على تفريط الأوقات في الدنيا، أو الحزن على فوات الدرجات العالية من الجنة- ملازمة للمؤمن أبداً، أم أنها مرتبة يمر بها العبد لتطهيره وتصفيته ثم يتجاوزها بالتمام؟ فلو لازمته هذه الحسرة لكانت نوعاً من العقاب والعذاب، والعذاب ينصرف إلى أحوال جهنم بالذات؛ ولا يثبت شيء من هذا العذاب في الجنة بالمرة.
بناءً على هذا التحليل، يبدو أن حمل النفي على الآخرة هو الأولى والأشبه بالتحقيق.

المطلب الثاني

المطلب الآخر الذي لا يختص بالقسم الرابع وحده بل ينصرف إلى مجموع الآية، هو أننا نجد في القرآن الكريم آيات أخرى تماثل آية البحث تماماً؛ حيث تتكرر بعض الآيات بلفظها تارةً، وتتكرر تارةً أخرى بمضمون واحد مع إجراء بعض التغييرات اللفظية والصناعية فيها؛ وقد تكرر مضمون هذه الآية في سورتي الحج والمائدة.

فقد جاءت في سورة المائدة بلفظ: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [المائدة: 69]؛ وهذه الآية تماثل بالتمام الآية 62 من سورة البقرة، غير أنه قدّم فيها الصابئين على النصارى؛ فوقع التباين بالتقديم والتأخير. مضافاً إلى أن لفظ الصابئين في آية البقرة جاء منصوباً بالياء: (وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ)، بينما جاء في سورة المائدة مرفوعاً بالواو: (وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَىٰ) مع كونه معطوفاً على المنصوب لفظاً؛ وهو تصرف نحوي وبلاغي دقيق.

وجاءت في سورة الحج بلفظ: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَىٰ وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ) [الحج: 17]. وقدم فيها الصابئين على النصارى أيضاً، كما ذكر المجوس والذين أشركوا؛ وهو ما لم يرد في الآيتين السابقتين بالمرة. ومن جهة أخرى، جاء الحكم المترتب مختلفاً بالتمام؛ حيث قرر سبحانه: (إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).

فما هو وجه هذا الاختلاف والصناعة فيه؟ وهل يمكن تبيين وجه علمي يسوغ هذا التباين اللفظي؟

ذهب فريق من العلماء هاهنا إلى أننا إما أن نقف على أسرار هذه الفروق ونقف على حكمها وإما أن يعجز فهمنا عن إدراكها. فإن وقفنا عليها فبها ونعمت وهو كمال يبتغى؛ وإن عجزنا لم يكن علينا حرج في ذلك؛ لقصور عقولنا عن إدراك الغايات الإلهية التي أحاط بها علمه سبحانه. وهذا هو التوجيه الذي صاغه الفخر الرازي في تفسيره الكبير؛ حيث قال: «والجواب: لَمَّا كان المتكلم أحكم الحاكمين، فلا بد لهذه التغييرات من حكم وفوائد». فمتى كان المتكلم هو الله تبارك وتعالى، وجب القول بوجود فوائد وحكم تقتضي هذا التباين في الحكم واللفظ؛ فإن وقفنا عليها فذاك، وإلا فالخلل في مداركنا وقصور عقولنا لا في إعجاز القرآن وصياغته الشريفة.

بيد أنه يبدو أن إحالة الأمر برمته على مجرد وجود الحكمة الخفية وقصور مداركنا ليس مسلكاً صناعياً تاماً؛ بل يتعين التصدي لبيان وجه الاختلاف بالدراسة والموازنة. والجواب الإجمالي يكمن في أن الموضوع الواحد عندما يُعرض في سياقات ومناسبات متباينة، تختلف زاوية النظر وكيفية الاستفادة منه بالتبع. فقد تقتضي موازين البلاغة ومقتضى الحال في موضع ما الحديث عن أجر وثواب المؤمنين بموجب سياق الآيات السابقة؛ بينما يقتضي المقام في موضع آخر الحديث عن تفصيل أحوالهم يوم القيامة والفصل والتمييز بينهم؛ فالصياغة واللفظ يدوران مدار اقتضاء المناسبة ومقتضى الحال بلا ريب.

هذا تمام الكلام في الآية 62 والحمد لله رب العالمين.