The news is by your side.

الدرس العشرون، الآية 62، تفسير الآية، القسم الثالث

الدرس العشرون
الآية 62 – تفسير الآية – القسم الثالث: «فلهم أجرهم عند ربهم» – المطلب الأول: انتفاء أحد الركائز الأربع ملاك للعقاب – المطلب الثاني: أبدية الأجر – المطلب الثالث: الوجود الفعلي للأجر

24 جمادى الآخرة 1447 هـ

القسم الثالث: «فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ»

القسم الثالث من الآية 62 هو قوله تعالى: (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) [البقرة: 62]. وقد أوضحنا فيما مضى قسمين من هذه الآية؛ أحدهما قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا…)، والثاني قوله: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ…)، ونصل الآن إلى القسم الثالث وهو قوله: (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ…)؛ وبالطبع يمكن اعتبار قوله: (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) قسماً رابعاً لهذه الآية. وقد بيّنّا في القسمين السابقين أن الكلام كان يدور حول المؤمنين بمعناهم العام، واليهود، والنصارى، والصابئين؛ فمن آمن من هذه الطوائف بالله واليوم الآخر والنبؤة وعمل صالحاً، فـ (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ). وهنا يُعرض أجر أولئك الذين حازوا الركائز الأربع للسعادة؛ حيث ذُكر لهم ثوابان: أحدهما أن أجرهم عند الله أبدي، والثاني انتفاء الخوف والحزن في حقهم.

المطلب الأول: انتفاء أحد الركائز الأربع ملاك للعقاب

المطلب الأول الذي يتعين بيانه هنا هو أن الأجر الأبدي قد رُتّب على حيازة تلك الركائز الأربع مجتمعةً؛ بموجب قوله: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا)؛ وإن اقتصر الذكر هنا على ثلاث ركائز، إلا أننا أوضحنا أن الإيمان بالنبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) منطوٍ ومستتر في مطاويها تلازماً. فإذا اجتمعت هذه الركائز الأربع، ترتبت عليها هذه النتائج والآثار الطيبة. أما في ناحية العقاب والجزاء الأخروي السلبي، فإن مجرد انتفاء ركيزة واحدة -كالعمل الصالح مثلاً- كافٍ لتحقق العقاب وجريانه. ومثاله: من آمن بالله والرسول والمعاد ولكنه لم يكن من أهل العمل الصالح؛ بأن كان مسلماً يقترف السيئات والأعمال الطالحة، فإنه يعاقب عليها بلا ريب. وكذلك غير المسلم الذي يأتي بعمل صالح عرفي لا عمل صالح حقيقي؛ فإنه لن يُترك وشأنه بسب شركه وإنكاره للمعاد، بل يعاقب بالتبع. وعليه، فإن انتفاء ركيزة واحدة من هذه الركائز كافٍ لجريان العقاب والمؤاخذة.

وبطبيعة الحال، يُفصل هنا بين كون المكلف جاهلاً قاصراً أو مقصراً؛ ونحن بمعزل عن فرض القصور هاهنا؛ أي فرض إعراض المكلف عن إحدى هذه الركائز الأربع جهلاً وقصوراً. أما إذا أعرض المكلف عن إحدى هذه الركائز الأربع عن تقصير، فإنه يُعاقب ويؤاخذ بمقدار تقصيره؛ وإذا كان انتفاء ركيزة واحدة موجباً للعقاب، فانتفاء ركيزتين أو ثلاث يوجب انتفاء ترتب الأثر والجرى بطريق أولى. فترتب هذين الأثرين (ثبوت الأجر ونفي الخوف والحزن) مشروط حصراً باجتماع هذه الركائز الأربع قاطبة وتلبس العبد بها.

وتقرر الآية الكريمة أن أجر هؤلاء وثوابهم مستقر عند ربهم. وبيّنّا أن شرط ترتب الأجر وقوامه يدور مدار تحقق هذه العناصر الأربع مجتمعةً، بينما يكفي في باب العقوبة والمؤاخذة مجرد انتفاء عنصر واحد منها. فلو أتى العبد بألف عمل صالح ولم يشتمل قلبه على الإيمان، لذهبت أعماله سدى ولم تنفعه شيئاً. والشاهد على هذا التلازم قوله سبحانه: (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ) [النساء: 124]؛ فالآية تقرن العمل الصالح بكون العامل مؤمناً؛ وهو الإيمان المبتني على الأركان الثلاثة المذكورة.

المطلب الثاني: أبدية الأجر

المطلب الثاني هو أن الله سبحانه وتعالى يكتب لهؤلاء أجراً يتصف بالأبدية والخلود؛ والشاهد على خلود هذا الأجر وأبديته موجود في طيات هذه الآية الكريمة نفسها؛ حيث تبرز قرينتان تشهدان على أبودية الأجر ودوامه.

القرينة الأولى: التعبير بقوله سبحانه: (عِنْدَ رَبِّهِمْ)؛ فإن لفظ “العندية” ظاهر في الدوام والبقاء والخلود، وأنه باقٍ لا يزول؛ بموجب قوله تعالى: (مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ ۖ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ) [النحل: 96]؛ وهنا أيضاً جاء التعبير بقوله: (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ).

القرينة الثانية: قوله سبحانه في تكملة الآية: (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)؛ وهو مؤيد واضح لدوام الأجر وأبديته. وذلك لأن الخوف ينشأ عادة من قلق العبد وخشية انقطاع الأجر قبل حلول ميعاده؛ فالعبد الذي يُثاب بنعمة أو أجر، إذا جوّز انقطاعه وزواله قبل موعده، اعتراه الخوف والاضطراب بالتبع. وأما الحزن، فهو يترتب على ما بعد انقطاع الأجر وزوال النعمة؛ فإذا سُلبت النعمة من يد صاحبها، دخله الحزن والغم. فالخوف ينصرف إلى المستقبل، بينما يتجه الحزن نحو الماضي. فاحتمال زوال الأجر مستقبلاً يورث الخوف، وفوات الأجر ونفاده يورث الحزن. وحينما يقرر الله تبارك وتعالى قوله: (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)، فإنه ينفي احتمال زوال الأجر مستقبلاً المورث للخوف، كما ينفي حدوث فواته المورث للحزن؛ لكون ذلك الأجر باقياً لا يزول؛ وهذا هو جوهر الخلود والدوام، أي ثبات الأجر الإلهي الأبدي المترتب على الإيمان والعمل الصالح.

المطلب الثالث: الوجود الفعلي للأجر

والنکتة الأخرى المتعلقة بالقسم الثالث تكمن في قوله تبارك وتعالى: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ)؛ حيث يقتضي ظاهر هذه الجملة وجود أجرهم وثوابهم فعلاً وبصورة حالية عند الله سبحانه وتعالى. وتارةً نذهب إلى أن المراد هو إعطاؤهم هذا الأجر مستقبلاً؛ كقولنا إن حقهم محفوظ مسجل عند الله وسيجزيهم به في موقعه؛ فيكون قوله: (أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) إخباراً عن الأجر الذي سيؤتيه الله إياهم مستقبلاً. بيد أن ظاهر الآية يقتضي الوجود الفعلي للأجر حالاً.

وهذا الأجر والثواب الفعلي هو بعينه الجنة الإلهية والخلود في نعمائها؛ والتمتع بآلاء الله ونعمه؛ غير أنها ليست من جنس النعم الدنيوية الزائلة بالتمام؛ بل إن معنى وجود أجرهم عند ربهم فعلاً هو وجود الجنة ونعيمها مهيأً لهم في الوقت الحاضر، لا في عالم المادة الكثيف، بل في باطن هذا العالم وفي ملكوت السماوات والأرض.