The news is by your side.

الدرس الخامس عشر، الآية 62، المفردات، 3. «الصابئين»، قراءة «الصابئين»، معنى «الصابئين»، الاحتمال الأول والثاني، تفسير الآية، الأمر الأول

الدرس الخامس عشر
الآية 62 – المفردات – 3. «الصابئين» – قراءة «الصابئين» – معنى «الصابئين» – الاحتمال الأول والثاني – تفسير الآية – الأمر الأول: معنى «إن الذين آمنوا» – الاحتمالات الخمسة – الاحتمال الأول والثاني والثالث

25 جمادى الأولى 1447 هـ

3. «الصابئين»

كان البحث في مفردات الآية 62؛ ومن الكلمات التي وردت في هذه الآية وتحتاج إلى توضيح، كلمة «الصابئين». والآية هي قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ) [البقرة: 62]؛ وأما بقية الكلمات المستعملة في هذه الآية فواضحة ولا تحتاج إلى توضيح. وهناك خلاف في الصابئين من حيث القراءة والمعنى معاً.

قراءة «الصابئين»

من حيث القراءة، قُرئت الكلمة على أربعة أوجه:

  1. صابِئِين أو صابِئُون؛ وهو اللفظ نفسه المستعمل في هذه الآية بالهمزة وبعدها الياء أو الواو؛ وهذه هي القراءة المعروفة.

  2. صابِين؛ قرأها البعض كـ نافع وشيبة والزهري بـ «صابين».

  3. وفي بعض الحالات قُرئت «صابون» أيضاً؛ أي يمكننا القول إن الياء تارةً قُرئت ساكنة وأخرى مضمومة.

  4. القراءة الرابعة هي «صابيِين»؛ أي باستعمال الياء بدلاً من الهمزة. وقد ذُكرت وجوه لترك الهمزة والإتيان بالياء مكانها لا ندخل فيها؛ ويمكنكم مراجعة مصادرها إن شئتم. تارةً نقول «صابِين» وتارةً نقول «صابيِين»؛ ومما قالوه مثلاً في علة ترك الهمزة هو أن أصلها «صَبَا يَصْبُو» بمعنى مَالَ، أي مال يميل، وإذا مال إلى الشيء يقال صبا.

معنى «الصابئين»

وقع الخلاف أيضاً في منشأ اشتقاق هذه الكلمة وبتبع ذلك في معناها. وقبل التطرق إلى منشأ الاشتقاق ومعنى هذه الآية، لا بد من الإشارة إلى نكتة، وهي وجود خلاف بين العلماء وبعض المفسرين في كون هذه الكلمة عربية أم لا.

الاحتمال الأول

نسب الألوسي في روح المعاني إلى البعض أن هذه الكلمة غير عربية. وفي معجم “دهخدا” أيضاً اعتبر أن أصل هذه الكلمة غير عربية؛ مأخوذة من مادة «ص، ب، ع» بمعنى الانغماس في الماء، والمقصود به غسل التعميد الذي كان يقوم به المسيحيون، وعند انتقال هذه الكلمة إلى اللغة العربية سقطت منها العين وتحولت إلى «صابي»؛ فمثلاً كان ينبغي أن يقال «صابعي» ولكن قيل «صابي». و«صابي» مفرد، و«صابئون/صابئين» جمعها، وأصلها بناءً على ما ورد في معجم دهخدا هو هذا. وهذا احتمال كونها كلمة غير عربية.

الاحتمال الثاني

وهناك احتمال آخر وهو أن الكلمة عربية، غير أن القائلين بعروبتها اختلفوا في منشأ اشتقاقها:

  1. فبعضهم يرى أنها مشتقة من «صَبَأَ»، أي مهموز اللام؛ و«صبأ» تعني الخروج؛ والصابئي هو من خرج من دين ودخل في دين آخر. والصابئون هم الخارجون من دين إلى دين آخر.

  2. وذهبت طائفة أخرى إلى أنها مشتقة من «صَبَا» معتل اللام، بمعنى مَالَ؛ وهو ما ذكرناه قبل قليل من أن قراءة بعضهم كانت كذلك، وقالوا إن الهمزة تُركت فيها لأنها من «صبا يصبو» بمعنى مَالَ. وبناءً على ذلك، فإن بعض من يرى عروبة هذه اللفظة يقول إنها مشتقة من «صَبَا» ومعناها المَيل؛ لأن الصابئين كانوا قوماً مالوا بحسب زعمهم إلى دين الله.
    هذان الاحتمالان يجريان بناءً على عروبة الكلمة.

  3. وثمة احتمال آخر ذُكر لمنشأ اشتقاق الصابئين، وهو أن الصابئين منسوبون أساساً إلى “صابي” ابن النبي إدريس (عليه السلام). وبالطبع، بناءً على هذا، لا يتضح تماماً إن كانت الكلمة عربية أم غير عربية؛ فقد تُعدّ كلمة عربية وقد تُعدّ غير عربية، وهذا ليس واضحاً تماماً.
    وعلى كل حال، توجد هذه الاحتمالات المتعددة في مورد الصابئين.

تفسير الآية

لقد بينا تقريباً كل ما كان يلزم ذكره حول مفردات الآية، والآن يجب أن ننتقل إلى تفسير الآية.
تحتوي الآية في الواقع على موضوع ومحمول؛ (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة: 62]. تذكر الآية عدة طوائف؛ الذين آمنوا، واليهود، والنصارى، والصابئين. ثم تقول إن الذين آمنوا بالله واليوم الآخر وعملوا صالحاً، فلهم هذا الأجر وتثبت لهم هذه الآثار. هذه الجماعات المتعددة المذكورة هنا، أي الذين آمنوا، وُضعت إلى جانب اليهود والنصارى والصابئين؛ ثم تقول الآية بعد ذلك مباشرة: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ). فلو كان المراد من قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) هم المؤمنون، فمن الواضح أن المقصود هو الإيمان بالله ويوم الجزاء؛ فلماذا يعود ليقول مجدداً: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)؟

الأمر الأول: معنى «إن الذين آمنوا»

ينبغي أن نقول في مورد قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) إن هذا التعبير يختلف عن قوله: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ). ولا محيص لنا من الالتزام بأن «آمنوا» هنا تشير إلى معنى آخر غير (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ). وقد ذكروا عدة احتمالات في المراد من قوله: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) هنا؛ سنعرض هذه الاحتمالات ثم نناقش إن شاء الله ما هو المقصود منها في هذا المقام.

الاحتمالات الخمسة

الاحتمال الأول

أن يكون المراد بـ «الذين آمنوا» هم الذين آمنوا بعيسى (عليه السلام) قبل بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ أي الذين آمنوا بالمسيح عيسى قبل بعثة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، مع تبرئهم من خرافات اليهود وأباطيلهم؛ فلم يكونوا يقبلون اليهودية، وكانوا يعتقدون بعيسى (عليه السلام) غير المحرَّف قبل بعثة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). فلم يكونوا يؤمنون باليهودية المحرفة والمسيحية المحرفة، ولم يقبلوا أباطيلهم، بل قبلوا التعاليم الدينية الأصيلة للمسيحية؛ لأنهم لما جاء المسيح آمنوا به استناداً إلى التعاليم الصحيحة. وتذكر بعض التفاسير أسماء لرجال كانوا كذلك، مثل سلمان الفارسي، وأبي ذر الغفاري، وورقة بن نوفل، وقس بن ساعدة؛ فهؤلاء كانوا من هذا القبيل، أي إنهم كانوا أناساً صالحين على هذا النحو في ذلك الوقت، ومن الطبيعي أنهم كانوا يُعدّون طائفة مستقلة ومنفصلة عن النصارى واليهود والصابئين.

الاحتمال الثاني

الاحتمال الثاني هو أن قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) إشارة إلى المنافقين؛ أي إن الذين آمنوا بحسب اللسان دون القلب؛ فكأن الآية تقول: المنافقون واليهود والنصارى والصابئون، هؤلاء المبطلون، ثم إن أي أحد من هؤلاء المبطلين ومن هذه الطوائف الأربع (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ…).

الاحتمال الثالث

الاحتمال الثالث هو أن يكون المراد بـ (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) أي الذين آمنوا بمحمد (صلى الله عليه وآله وسلم) في الماضي؛ أي المؤمنون السابقون؛ الذين آمنوا بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم). ثم تكون عبارة (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) إشارة إلى المستقبل؛ أي إن الذين آمنوا في الماضي، إن ثبتوا على إيمانهم واستمروا في عقيدتهم وإيمانهم، فلهم كذا.

بحث الجلسة المقبلة

بقي احتمالان آخران سنذكرهما لاحقاً، ثم يتعين علينا دراسة أي من هذه الاحتمالات هو القابل للقبول؟