الجلسة الخامسة والخمسون، المسألة 10، أدلة الولاية مطلقاً، الدليل الثاني
الجلسة الخامسة والخمسون
المسألة 10 – أدلة الولاية مطلقاً – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الثانية: رواية خالد بن بكير – تقريب الاستدلال – دراسة الرواية الثانية – الطائفة الثانية من الروايات – تقريب الاستدلال – الإشكال الأول، والثاني ودراستهما
20 شعبان 1447 هـ
خلاصة الجلسة السابقة
كان البحث في الدليل الثاني من أدلة ولاية الوصي في أمر نكاح الصغير والصغيرة؛ والدليل الثاني هو بعض الروايات. وذكرنا أن الروايات على طائفتين؛ الطائفة الأولى هي الروايات التي تعرضت لهذا المطلب رأساً، والطائفة الثانية هي الروايات الواردة في ذيل قوله تعالى: (الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ)؛ إما لبيان بعض مصاديق الآية أو لتبيين معناها وتفسيرها. وقد درسنا من الطائفة الأولى رواية محمد بن مسلم، وسندها جيد؛ حيث يعبرها بعض كالمرحوم السيد الخوئي “صحيحة” ويعتبرها آخرون “موثقة”. ومن حيث الدلالة -وعلى الرغم من الإشكالات المثارة حولها- فقد قبلنا دلالتها.
الرواية الثانية: رواية خالد بن بكير
الرواية الثانية هي رواية خالد بن بكير؛ وقد ذكر المرحوم السيد الخوئي بعد الاستدلال برواية محمد بن مسلم أن الاستدلال برواية خالد هو كالاستدلال بصحيحة محمد بن مسلم. فلننقل أصل الرواية أولاً لنرى هل يمكنها الدلالة على المدعى أم لا.
يقول خالد بن بكير: «دَعَانِي أَبِي حِينَ حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ فَقَالَ يَا بُنَيَّ اقْبِضْ مَالَ إِخْوَتِكَ الصِّغَارِ وَ اعْمَلْ بِهِ وَ خُذْ نِصْفَ الرِّبْحِ وَ أَعْطِهِمُ النِّصْفَ وَ لَيْسَ عَلَيْكَ ضَمَانٌ فَقَدَّمَتْنِي أُمُّ وَلَدِ أَبِي بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي إِلَى ابْنِ أَبِي لَيْلَى فَقَالَتْ إِنَّ هَذَا يَأْكُلُ أَمْوَالَ وُلْدِي قَالَ فَاقْتَصَصْتُ عَلَيْهِ مَا أَمَرَنِي بِهِ أَبِي فَقَالَ لِيَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى إِنْ كَانَ أَبُوكَ أَمَرَكَ بِالْبَاطِلِ لَمْ أُجِزْهُ ثُمَّ أَشْهَدَ عَلَيَّ ابْنُ أَبِي لَيْلَى إِنْ أَنَا حَرَّكْتُهُ فَأَنَا لَهُ ضَامِنٌ فَدَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ قِصَّتِي ثُمَّ قُلْتُ لَهُ مَا تَرَى فَقَالَ أَمَّا قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى فَلَا أَسْتَطِيعُ رَدَّهُ وَ أَمَّا فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَلَيْسَ عَلَيْكَ ضَمَانٌ».
تقريب الاستدلال
إن تقريب الاستدلال بهذه الرواية معلوم؛ لكون الرجل قد أوصى لابنه عند وفاته بأن يأخذ أموال إخوته الصغار ويعمل بها مضاربةً ويقسم الربح الحاصل، فيأخذ النصف لنفسه ويعطيهم النصف الآخر. وقد اعتبر ابن أبي ليلى -وهو من فقهاء العامة- أن هذا باطل وحكَم بضمانه؛ إلا أن الإمام (ع) قال: ليس عليك ضمان. فكأن الإمام (ع) قد جوّز هذا العمل، ومعنى ذلك نفوذ مثل هذه الوصية؛ فحيث أوصى الأب عند وفاته فإن وصيته نافذة. وإذا كان الأب قد أذن في حال حياته في أمر راجع إليه وأوصى به، فإن الوصي يمكنه القيام بذلك العمل بعد وفاته، فيمكنه التزويج.
دراسة الرواية الثانية
كما أشرنا، فقد أفاد المرحوم السيد الخوئي بأن الاستدلال بهذه الرواية كالاستدلال برواية محمد بن مسلم. ولكن واقع الحال يقتضي الفرق بين هذه الرواية ورواية محمد بن مسلم؛ ففي رواية محمد بن مسلم عُلِّل نفوذ وصية الأب في المضاربة، وكان الاستدلال مبتنياً على التعليل وعمومه، ولذا تعدينا من مورد الرواية إلى النكاح؛ لأن الإمام (ع) بيّن علة جواز الوصية وقلنا إن هذه العلة قائمة في مورد النكاح أيضاً، وبناءً عليه تكون الوصية بالنكاح نافذة وللوصي تزويج الصغير. بينما في رواية خالد بن بكير لم يرد مثل هذا التعليل، بل كل ما جاء في كلام الإمام (ع) هو: «وَ أَمَّا فِيمَا بَيْنَكَ وَ بَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ فَلَيْسَ عَلَيْكَ ضَمَانٌ». ولم يذكر (ع) شيئاً بخصوص العلة، فلا يثبت بحسب ظاهر هذه الرواية نفوذ الوصية في أمر النكاح. نعم، المستفاد منها هو نفوذ الوصية في الأمور المالية والمضاربة، ولكن لا يُستفاد منها نفوذ النكاح.
الطائفة الثانية من الروايات
وهي الروايات الواردة في ذيل آية (الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاَحِ)؛ بيد أن هذه الروايات أشارت في بعضها إلى المصاديق، وتكفلت في بعضها الآخر بتبيين المراد من الآية. وهي روايات متعددة نذكر منها نموذجين أو ثلاثة ونبين تقريب الاستدلال بها. علماً بأن بعض الأعلام كالمرحوم السيد الخوئي أورد هذه الروايات كـ “مؤيد”، ولعل وجه جعلها مؤيداً هو الإشكال السندي في بعضها؛ غير أن هذه الروايات بمجموعها معتبرة سنداً.
الرواية الأولى: رواية أبي بصير
وهناك عدة روايات أخرى بذات المضمون لا نكررها: «عَنْ أَبِي بَصِيرٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (ع) قَالَ: سَأَلْتُهُ عَنِ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ قَالَ: هُوَ الْأَبُ وَ الْأَخُ وَ الرَّجُلُ يُوصَى إِلَيْهِ وَ الَّذِي يَجُوزُ أَمْرُهُ فِي مَالِ الْمَرْأَةِ فَيَبْتَاعُ لَهَا وَ يَشْتَرِي فَأَيُّ هَؤُلَاءِ عَفَا فَقَدْ جَازَ». والمراد من العفو هنا هو الإبراء من المهر؛ فيقرر أنه إذا عفا هؤلاء (أي من بيدهم عقدة النكاح) عن المهر أو عن نصفه، كان عفواً نافذاً، أي يملكون الحق في العفو عن مقدار من المهر.
وفي رواية أخرى لأبي بصير ومحمد بن مسلم كلاهما عن أبي جعفر (ع) ورد في ذيلها: «فَأَيُّ هَؤُلَاءِ عَفَا فَعَفْوُهُ جَائِزٌ فِي الْمَهْرِ إِذَا عَفَا عَنْهُ»؛ فبيّن أن العفو راجع إلى ما هو في حوزة صلاحياتهم. وتوجد أيضاً رواية الحلبي وروايات أخرى عَدَّت الأئمةُ (ع) فيها هؤلاء الأفراد ممن بيدهم عقدة النكاح: الأب، الأخ، الوصي، والوكيل.
الرواية الثانية: الروايات المفسِّرة للمعنى
الروايات المتقدمة كانت بصدد بيان المصداق؛ وفي المقابل هناك روايات لم تذكر مصداقاً بل تبيّن معنى الآية الكلية، فلم تقل الأخ والأب والوصي؛ بل قالت إن (الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكاَحِ) هو “ولي أمرها”؛ كصحيحة عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (ع)، أو ما روي عن رفاعة قال: «سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (ع) عَنِ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ فَقَالَ الْوَلِيُّ الَّذِي يَأْخُذُ بَعْضاً وَ يَتْرُكُ بَعْضاً وَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَدَعَ كُلَّه».
تقريب الاستدلال بالطائفة الثانية
إن تقريب الاستدلال بهذه الروايات هو أنه كما أن للأخ والأب والوكيل والوصي الاختيار والولاية في الأمور المالية، فإن هذه الولاية ثابتة لهم في أمر النكاح أيضاً؛ خصوصاً عندما تحدد الروايات المصداق. فالروايات المحددة للمصداق واضحة الدلالة؛ إذ تسأل عمن بيده اختيار النكاح، فتعُدّ الوصي أحدهم. فيعلم منه أن الوصي يملك اختيار النكاح، وهذا واضح دلالةً. والذين أشكلوا هنا بإجمال الرواية سنرد عليهم.
السؤال: …
الأستاذ: ذاك مفروغ منه، حيث تجب مراعاة المصلحة؛ تماماً كما كان الأب يفعل ذلك بناءً على المصلحة. … دعونا نرى أولاً هل أصل هذا الأمر مقبول أم لا، لنرى بعدها هل يمكن التعدي من المورد الخاص إلى مورد آخر؟ فلو لم نقبل الأصل، لم نصل لنوبة أنه لو أوصى في مورد خاص فهل يحق له التزويج أم لا؛ إذ حتى لو أوصى في المورد الخاص فلا فرق، هذا أعم.
دراسة الطائفة الثانية من الروايات
هنا عِدة إشكالات مطروحة؛ إذا استطعنا الإجابة عنها، أمكن الاستناد إلى هذه الطائفة. وقد أشار المرحوم النراقي في المستند إلى بعضها وأجاب عنها، فيما ذهب آخرون كصاحب كشف اللثام إلى حمل الروايات على محمل آخر.
الإشكال الأول
إن هذه الروايات مجملة أساساً ولا يمكن الاستناد إليها؛ لكونها ذكرت “الأخ” في حين أن الأخ ليس من الأولياء (إذ الولي هو الأب والجد)، كما ذكرت “الوكيل في المال” وهو قطعاً ليس من أولياء النكاح؛ فكيف قُرن الأخ والوكيل في المال بالأب والجد وجُعلت الآية شاملة لهم؟ لذا فالرواية مجملة، لا سيما وأن رواية أبي بصير وغيره ركزت على العفو عن المهر: «فَأَيُّ هَؤُلَاءِ عَفَا فَقَدْ جَازَ». فقد يقول قائل إنها سمّت من يملك حق العفو وإن لم يكن أمر الزواج بيده، وهذا الاحتمال قائم، وحيث لا ترجيح لأحد الاحتمالين تصبح الرواية مجملة.
الغجابة
هذا الإشكال مدفوع؛ لأن ذكر الأخ والوكيل في الأموال لا ينافي ظهور الرواية في أن الآية تذكر أولياء العقد. وبتعبير آخر، فالآية تعترف بالأب والوصي والجد كأولياء للعقد (أي إن الرواية تطبق الآية عليهم). وعمدة المشكلة في الوكيل المالي والأخ؛ وإنما ذُكرا لأن الوكيل في الغالب يملك اختيار سائر الأمور أيضاً، أو لأن الأخ (لا سيما الأكبر) كأن الأخت قد فوضت إليه الاختيار في زواجها تعارفاً. نعم، في مورد قد ترفض الأخت وتخالف تدخل أخيها يخرج ذلك عن بحثنا؛ وكذا لو عُيّن الوكيل للمسائل المالية محضاً. ولكن بحسب المتعارف، يملك الأخ (خاصة مع غياب الأب) هذا الاختيار، وكذا الوكيل. وعليه فالإشكال ليس بوارد ولا يقدح في الاستدلال.
الإشكال الثاني
إن المراد من “الوصية” في هذه الروايات ليس الوصية الاصطلاحية، بل هو بالمعنى اللغوي أي “التوصية والأمر والسفارش”. وهذا الإشكال قد يَرِد أكثر على روايات الطائفة الأولى؛ حيث يقول إنه أوصى إليه حال حياته بأن يعمل بالمضاربة في أموالٍ ستؤول بعد وفاته إلى الصغار، فكيف يوصي بها الآن؟ فالوصية إنما تكون لما بعد الموت. ولذا أشكل بعضهم بأن هذه ليست وصية اصطلاحية فلا تنفع في محل النزاع؛ إذ كلامنا فيمن هو وصي بالمعنى الاصطلاحي ونريد معرفة هل له ولاية على النكاح أم لا.
الإجابة
هذا الحمل خلاف الظاهر وخلاف ما صرح به أهل اللغة؛ فصحيح أن الوصية تُحمل في بعض الموارد على معناها اللغوي، بيد أن الكثير من أهل اللغة اعتبروا الوصية هنا بالمعنى الاصطلاحي المراد منها لمع بعد الموت. وعليه، فهذا الإشكال غير وارد أيضاً.
وهناك إشكالات أخرى أُثيرت حول الاستدلال بهذه الرواية لا يتسع الوقت لها وس نتابع البحث فيها بعد العطلة إن شاء الله. والنتيجة الحاصلة حتى الآن هي دلالة آية من الآيات على المدعى، ووجود روايات دالة على ولاية الوصي في أمر نكاح الصغير.
بحث الجلسة القادمة
هناك أدلة أخرى ذُكرت في المقام، كما توجد أقوال أخرى ينبغي استعراض أدلتها لنصل بعدها إلى تلخيص المسألة وجَمْعِها.