الدرس الثالث، الآية 61، تفسير المقاطع المختلفة للآية، المقطع الأول
الدرس الثالث
الآية 61 – تفسير المقاطع المختلفة للآية – المقطع الأول – رأيان حول طلب بني إسرائيل – الرأي الأول: عدم المعصية – توجيه طلب بني إسرائيل – الدليل – إشكال وجوابه
7 ربيع الآخر 1447 هـ
المقطع الأول: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ)
ذكرنا بخصوص الآية 61 من سورة البقرة أن هذه الآية تشتمل على مقاطع يحتاج كل منها إلى تبيين وتفسير. المقطع الأول هو هذا الجزء من الآية: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ). بالنظر إلى التوضيح الذي بيّناه عند العرض الإجمالي لمعنى الآية، يتبادر إلى الذهن تساؤل مفاده: إن قول بني إسرائيل لموسى (عليه السلام) بأننا لن نصبر على طعام واحد، فاطلب من ربك أن يخرج لنا هذه الأطعمة، هل يُعدّ معصية أم لا؟
رأيان حول طلب بني إسرائيل
قلنا في الجلسة الماضية إن ثمة رأيين هنا؛ الرأي الأول يذهب إلى أن ما قاله بنو إسرائيل لموسى لا يُعدّ معصية، والرأي الآخر يرى أنه معصية.
الرأي الأول: عدم المعصية
ما هو التوجيه الذي يمكننا ذكره لعدم كون هذا الأمر معصية؟ لقد ذُكرت هنا عدة أغراض أو توجيهات تُعدّ بأسرها أغراضاً عقلائية؛ فقولهم إننا لن نصبر على طعام واحد وطلبهم لطعام آخر، لِمَ يكون معصية؟ ولِمَ نقول إنه كان ممنوعاً وإنهم تعرضوا لغضب الله بسبب هذا الطلب؟ لقد حلّ غضب الله عليهم لسبب آخر سأذكره الآن. إذ ورد في تتمة الآية: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ)؛ فهل كان ضرب الذلة والمسكنة والرجوع بغضب من الله بسبب هذا الطلب أم لعامل آخر؟
توجيه طلب بني إسرائيل
وفقاً للرأي الأول، يُعدّ هذا الطلب طلباً عقلائياً ونابعاً من الطبع البشري وليس معصية؛ وإذا ما جرى الحديث عن الذلة والمسكنة والتعرض لغضب الله، فإن ذلك يعود لتتمة الآية حيث قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ). بناءً على ذلك، وفي ضوء الرأي الأول، لم يكن في هذا الفعل أي محذور أو منع، وإنما تحققت الذلة والمسكنة والغضب الإلهي بسبب الكفر بآيات الله وقتل الأنبياء. والآن، ما هي تلك الأغراض العقلائية التي يمكن تصويرها هنا؟ لقد ذكر الفخر الرازي عدة وجوه سأشير إليها.
الوجه الأول
أحدها أنهم في النهاية قد أمضوا أربعين عاماً يقتاتون على نوع واحد من الطعام وهو المن والسلوى؛ “فاشتهوا غيره”، ومن الطبيعي أن تميل أنفسهم إلى طعام آخر. وهذا لا إشكال فيه في حد ذاته أن يملّ الإنسان من طعام متكرر ويطلب طعاماً سواه. أي إنهم أعرضوا عن هذا الطعام؛ كما لو أكلوا من طعام بكثرة حتى سئموه، ولذا طلبوا طعاماً آخر.
الوجه الثاني
الوجه الثاني أو الغرض الآخر هو أنهم لم يعرضوا عن ذلك الطعام ولم ينفروا منه؛ بل كانوا يبتغون أن يُرزقوا أطعمة جديدة إلى جانب طعامهم السابق. وهذا أيضاً لا إشكال فيه؛ فإذا طلب شخص طعاماً آخر علاوة على الطعام المتاح، فلا يبدو أن في ذلك محذوراً أو يمكن تصوير منع له ليُعدّ معصية.
الوجه الثالث
الوجه الثالث هو أن طلب الطعام الجديد لم يكن مقصوداً بالذات أساساً، بل كان المقصود بالذات هو الوصول إلى تلك البلاد التي تتوفر فيها هذه الأطعمة. كما لو قال شخص أريد “السوهان” ولكن غرضه هو مدينة “قم”؛ بيد أنه يشير إلى هذا المنتج ليوصل مقصده الأساسي. وهم في الواقع كانوا يبتغون الوصول إلى تلك المناطق أو البلاد أو المدن التي تتوفر فيها القثاء والبصل والعدس وما شابه ذلك. إذن، كان المقصود بالذات هو تلك البلاد وليس هذه الأطعمة. نعم، لقد ذكروا هذه الأطعمة لأنها كانت موجودة وتُزرع في تلك البلاد. وهذا أيضاً لا يبدو فيه أي محذور في حد ذاته.
الوجه الرابع
الوجه الرابع هو أن الأمر لم يكن في الواقع مجرد طلب طعام جديد مع الإعراض عن الطعام السابق أو مع التحفظ عليه، بل طلبوا الطعام لتعويض ضعفهم. إذ كانوا يظنون أن الطعام الواحد قد تسبب في نقص شهوتهم وقوة هاضمتهم؛ أي إنه أدى إلى تراجع قوتهم البدنية. ولذا تقدموا بهذا الطلب لتقوية قوة الشهوة لديهم (وقد تكون هذه الشهوة هي شهوة البطن؛ ففي الأساس تُعدّ هذه الشهوة قسماً من أقسام الشهوة)، أو أن تناول طعام مختلف كان يؤدي مثلاً إلى إشباع حس التلذذ عندهم.
إن كان الأمر يندرج تحت أي وجه من هذه الوجوه الأربعة، فهو غرض عقلائي، ولم يرد أي ذم على هذا الفعل في أي موضع؛ فلا نرى في القرآن مثلاً أن يُذمّ شخص بسبب طلب طعام جديد… ولم يُصنف هذا الأمر تحت أي عنوان من عناوين الرذائل الأخلاقية أو المعاصي.
ويعتقد الفخر الرازي بهذا الرأي ويقول إنه لم تكن هناك أية معصية. وهذه في النهاية هي الوجوه التي يمكن ذكرها في المقام.
والرأي الثاني يذهب إلى أن طلب بني إسرائيل هذا كان معصية. وقد ذُكرت للرأي الثاني أدلة حاول الفخر الرازي الإجابة عليها. ويتعين علينا ذكرها ومن ثم دراستها لنرى الحق مع أيٍّ من الرأيين؛ وهل كان هذا الأمر معصية حقاً أم لا، ثم نقوم بدراسة مؤيدات كلا الرأيين ليتضح لنا أي الكفتين أرجح.
الدليل
بالطبع، يمكننا ذكر دليل أو مؤيد للرأي الأول أيضاً، وهو أن النبي موسى (عليه السلام) قال: (أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا)، فحينما صدر الأمر بالهبوط هنا، كان ذلك إجابة لطلبهم؛ فلو كان طلبهم معصية، لكانت إجابته معصية أيضاً، وما كان ينبغي لله أن يجيبه. لقد قالوا لموسى اطلب من ربك أن يخرج لنا هذه الأطعمة وأن نذهب نحن إلى منطقة أخرى؛ فقال تعالى: (اهْبِطُوا مِصْرًا). وكأن النبي موسى أراد بصيغة الاستفهام الإنكاري أن يقول: بما أنكم تريدون ذلك، فـ “اهبطوا مصراً”. فلو كان طلبهم معصية، لكانت الإجابة لطلب المعصية معصية بحد ذاتها، وهذا محال في حق الله تعالى أن يستجيب له؛ أو على الأقل لا معنى لأن يجيب الأنبياء طلب العصاة، في حين أن موسى قال لهم اهبطوا في هذه المنطقة.
الإشكال
إن هذا لم يكن إجابة لطلبهم، بل كان من باب أن الله يعين كل شخص على ما يريده؛ كقوله تعالى في هذه الآية: (وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا)، فكل من يبتغي الدنيا نؤته منها؛ وهل طلب الدنيا ممدوح؟ كلا، ولكن الله تعالى يقول إننا نعطي من يطلب الدنيا. ولدينا نظائر كثيرة لذلك حيث يمدّ الله تبارك وتعالى أولئك الذين يمضون في طريق الكفر ويعينهم في مسارهم ذاته؛ أما تحت أي عنوان يمكننا إدراج ذلك، فله بحث آخر. ولذا، قد يكون الأمر هنا من هذا الباب حيث تقدموا بطلب كان معصية؛ وإن كان النبي موسى قد أجاب ووافق الله تبارك وتعالى على ذلك، فهو من قبيل: (وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا).
الجواب
قيل إن هذا خلاف الظاهر؛ فهناك فرق بين (وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا) و(اهْبِطُوا مِصْرًا). ومن المعلوم أن هذا ليس من باب العقوبة؛ لأن مماشاة الله للكافرين والمشركين تكون للعقوبة أحياناً، كما هو الحال هنا. فالله تعالى يجيب أحياناً رغبات الكافرين والمشركين والظالمين، ولكن ليس من باب اللطف بهم؛ بل هو في الواقع عقوبة لهم. لأن ما يطلبونه لا يجلب لهم سوى الضرر والخسارة والخسران. فعندما يطلب شخص ما الدنيا، كلما أوغل فيها أكثر، أهلكه هذا المستنقع بشكل أشد. وإذا قال الله تعالى: (نُؤْتِهِ مِنْهَا)، فهو في الواقع يريد القول إننا نعاقبهم بتلبية رغباتهم. أما بخصوص (اهْبِطُوا مِصْرًا)، فالأمر ليس كذلك؛ فاللسان وطريقة البيان لا يفيدان أن الله يريد معاقبتهم بإجابة طلبهم والأمر بالهبوط في تلك البلاد؛ بل يقول بما أنكم تريدون ذلك، فاذهبوا إلى هناك. وهذا لا يُعدّ عقوبة وجزاءً.
الخلاصة
قلتُ إن الفخر الرازي قائل بهذا الرأي. فهو يوجه هذا الطلب بأنه طلب عقلائي ويمكن أن يتحقق بأي من هذه الأغراض الأربعة؛ وقد ذكروا لذلك مؤيداً وشاهداً ليقولوا إن هذا ليس بمعصية؛ لأن الله قد استجاب له، وإجابة المعصية غير جائزة.
ثم أجاب على إشكال مفاده لعل هذا من الموارد التي تكون فيها الإجابة لطلبهم عقوبة لفعلهم، واستنتج أن هذا لم يكن معصية.
كما أنه يدافع عن هذه النظرية في السياق نفسه ويجيب على إشكال آخر وهو أنه إذا لم تكن معصية، فلماذا قال تعالى: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ)؟ والجواب هو أن هذه الجملة والرجوع بغضب من الله، لم يكن بسبب ما قبل هذه الفقرة من الآية، بل بسبب ما بعدها حيث قال: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ).
بحث الجلسة القادمة
الرأي الثاني يذهب إلى أن هذا الأمر يُعدّ معصية؛ وقد ذُكرت عدة أدلة لهذا القول أيضاً. ويتعين علينا النظر في أدلة هؤلاء، ثم نقيم مدى قابليتها للقبول؛ لنرى في النهاية أي الرأيين يجب علينا أن نأخذ به من بين هذين الرأيين.