The news is by your side.

الدرس الخامس والأربعون، أصالة البراءة، البراءة الشرعية، النقاط الخمس، النقطة الأولى

الدرس الخامس والأربعون

أصالة البراءة – البراءة الشرعية – النقاط الخمس – النقطة الأولى: معنى الشك – النقطة الثانية: متعلَّق الشك من حيث الجزئية والكلية – النقطة الثالثة: معنى التكليف

29 ربيع الأول 1447 هـ

البراءة الشرعية

بعد استعراض المباحث المتعلقة بالبراءة العقلية، ننتقل الآن إلى دراسة البراءة الشرعية. ويبدو لي ضرورياً قبل الدخول في أدلة البراءة التنويهُ بجملة من النقاط؛ إذ أرى مناسباً بيان خمس نقاط قبل عرض أدلة البراءة الشرعية.

ومن البديهي أن مجاري الأصول العملية — بأي تقريب بُيِّنت — محلُّ بحث، والشك في التكليف هو أهم مجرى تجري فيه البراءة. ولما كان محور البحث الحاضر هو البراءة الشرعية، فنحن ننبّه على هذه النقطة هنا، وإلا فهي ليست خاصةً بالبراءة الشرعية بل يمكن إثارتها في البراءة العقلية أيضاً؛ على أي حال المجرى الأصلي للبراءة هو الشك في التكليف.

النقاط الخمس

يُطرح هنا السؤال: ما المراد بـ«الشك في التكليف»؟ هذا العنوان مركَّبٌ من كلمتين رئيسيتين هما: الشك والتكليف. ونرى بيان نقطتين حول الشك ونقطة واحدة حول «التكليف»:

الأولى: ما المراد من «الشك»؟

الثانية: الشك في ماذا؟ أي هل التكليف المشكوك جزئيٌّ أم كلي؟ وأيهما محور البحث هنا؟

الثالثة: ما معنى «التكليف»؟

وذلك لأن الغموض أو عدم الوضوح في بعض هذه النقاط قد يكون منشأً لنشوء إشكالات. والتأكيد على هذه النقاط لا يعني أنها مطالب لم تُقَل من قبل، بل هو مراجعة لمفاهيم سمعتموها سابقاً وأنتم مطلعون عليها. وهذه النقاط الثلاث المتعلقة بعنوان الشك في التكليف ذاته ينبغي تبيينها. كما ينبغي إثارة نقطتين أخريين:

الرابعة: إشارةٌ إلى الخلاف بين الأصوليين والأخباريين في مسألة البراءة الشرعية.

الخامسة: دراسةٌ مقارنة موجزة لمنهج المرحوم الشيخ الأعظم الأنصاري والمرحوم الآخوند الخراساني في هذا البحث، مع مراجعة ترتيب مطالبهما وتحديد المبنى الصحيح للمضي في البحث.

النقطة الأولى: معنى الشك

الشك بالمعنى الاصطلاحي يُطلق على حالة تساوي الطرفين؛ بمعنى أن الشك لا يكشف شيئاً من الواقع، في مقابل الظن الذي يتضمن نوعاً من الكاشفية في الجملة، والقطع الذي يتضمن الكشف التام. وقد قبل الشارع المقدس بعض هذه الكاشفيات الناقصة — كبعض الظنون — ولم يقبل بعضها الآخر. أما الظن في ذاته فله درجةٌ من الكاشفية. وفي المقابل، الوهم كاشفيةٌ مرجوحة؛ أي إن مقدار الكاشفية في الوهم ضعيفٌ جداً، بحيث ربما يُعدّ في وجه ما فاقداً للكاشفية؛ فحين يكون احتمال أحد الطرفين ضئيلاً جداً لم يعد يصح إطلاق الكاشف عليه.

والشك بالمعنى الاصطلاحي يعني الحالة التي تنشأ في نفس الإنسان فيتساوى عنده الطرفان؛ فلا احتمال راجح ولا احتمال مرجوح، بل تسود الحيرة التامة.

غير أن «الشك» في هذا المقام — أي في بحث الأصول العملية — أعمُّ من الشك الاصطلاحي. فالمراد من الشك هنا هو عدم العلم وعدم اليقين. فحين نقول إن مجرى الأصول العملية هو الشك، فالمراد معناه العام الشامل للظن والشك الاصطلاحي والوهم. فمثلاً إذا قلنا: نشك في بقاء الطهارة أم لا، فهذا لا يعني بالضرورة تساوي الطرفين. فقد تكون نسبة احتمال بقاء الطهارة لديك ستين بالمئة ومع ذلك يُسمّى شكاً. وإذا كانت سبعين بالمئة فهو شكٌ أيضاً. أما حين تستصحب فكأن ذلك لم يعد شكاً، بل معناه أنه ينبغي ترتيب آثار الواقع عليه أو جعله بمنزلة الواقع.

فالمراد من «الشك» في هذا المقام إذن هو كل ما سوى العلم واليقين؛ أي عدم العلم وعدم اليقين الشامل للظن والشك الاصطلاحي والوهم. وفي الحقيقة موضوع الأصول العملية هو «الشك». وكما أشرنا، لسنا هنا بصدد الاهتمام بالتعابير المختلفة المذكورة هنا، ولا بتحديد ما هو المجرى بالضبط، ولا بكون بعض هذه الأصول تجري وتُعمَّل في موارد الشك وبعض أقسامه. فحسبنا بيان أن «الشك» يعني هذا.

النقطة الثانية: متعلَّق الشك من حيث الجزئية والكلية

الشك قد يتعلق بأمر جزئي وقد يتعلق بأمر كلي. فالأمر الجزئي هو مثل السؤال: هل تنجّس هذا الثوب أم لا؟ فهذا حكمٌ جزئي، هو حكم نجاسة ثوبي في هذا الزمان والمكان، ويتعلق بموضوع خارجي. وأحياناً يكون الشك في حكم كلي إلهي؛ كالشك في وجوب الدعاء عند رؤية الهلال — لأي سبب كان —، هل هو واجبٌ أم لا؟ وهذا لا يتعلق بي أنا المكلف بخصوصي، بل هو حكمٌ كلي إلهي. وأسباب هذا الشك قد تتعدد، فمثلاً ربما رأيت روايةً لا تبلغ درجة الاعتبار الكافي، أو فُرض ورود نصٍّ مجمل، أو وقع تعارضٌ بين نصّين. فأسباب الشك متعددة. وعلى أي حال الشك في حكم كلي إلهي، كالشك في وجوب صلاة الجمعة في عصر الغيبة، أو الشك في وجوب الحج على المستطيع في ظروف خاصة، وهذه كلها أحكام كلية إلهية.

وما يُبحث في هذا المقام يتعلق أساساً بالحكم الكلي الإلهي؛ أي إن الكلام في علم الأصول يدور أكثر ما يدور حول الشك في الأحكام الكلية الإلهية. وإذا كان الكلام في الموضوعات أو الأحكام الجزئية فربما يكون بصورة استطرادية. وقولنا إن بحثاً ما استطرادي ربما مرجعه أن موضعه ليس في علم الأصول، بصرف النظر عن أننا نُجري هذه الأصول في الجزئيات والموضوعات الخارجية أم لا. فمثلاً في بعض الأصول العملية كالاستصحاب يقول بعضهم: لا يجري في الأحكام الكلية بل يجري في الموضوعات الخارجية فحسب. وعلى أي حال فجريانه في الموضوعات يتعلق بعلم الفقه أكثر من علم الأصول؛ لأن علم الأصول يتكفل القواعد التي بها نستنبط الأحكام الكلية الشرعية أو نجد حجةً على الأحكام الشرعية. وطبيعياً هذه القواعد الأصولية الموجَّهة نحو استنباط الأحكام الشرعية، أو تلك التي تُعين المكلف عند التحيّر في مقام العمل، تتعلق في الأعم الأغلب بالأحكام الكلية الإلهية. ففي هذه الحال إذا بذلنا الجهد كله وفتشنا ولم نجد دليلاً، فما هو حكمنا؟ ما الوظيفة الملقاة على عاتق المكلف؟ هذا حكمٌ كلي إلهي يشمل جميع المكلفين أيضاً. أما الشك في الموضوعات والجزئيات، فموضع البحث الأصلي عنه ليس علم الأصول، وإن كان يُبحث فيه فبصورة استطرادية.

النقطة الثالثة: معنى «التكليف»

المراد من معنى التكليف هنا ليس شرحه اللغوي، بل البحث في ما إذا كان المراد نوعاً خاصاً من التكليف أم ما هو أعم من النوع والجنس؟ لأن التكليف تارةً إلزامي وتارةً غير إلزامي. فالتكليف الإلزامي يشمل الواجب والحرام، والتكليف غير الإلزامي يشمل المستحب والمكروه.

السؤال: هل البراءة من «التكليف» تشمل التكليف غير الملزم أيضاً؟

الأستاذ: التكليف لغةً بمعنى إيجاد الكلفة، لكنه أعم من الإلزام وغير الإلزام. والأحكام التكليفية تنقسم إلى خمسة أقسام. فلو لم يكن ثمة تكليف لما قيل واجبٌ ومستحبٌ ومكروه. والاصطلاح في تلك الحال يختلف. ويُستخدم اصطلاح «التكليف» هنا أيضاً.

لدينا نوعٌ من التكليف هو التكليف الإلزامي المنقسم إلى الواجب والحرام: فالتكليف الوجوبي نوعٌ والتكليف التحريمي نوعٌ آخر، لكنهما مشتركان في جنس الإلزام. والتكليف غير الإلزامي قسمان: المستحب والمكروه. أما المباح فيمكننا بتسامح أن نقول إنه نوعٌ آخر من التكليف؛ أي إنه حكمٌ مبيَّن، فحين نقول «مباح» فهو حكمٌ شرعي بمعنى أن فعله وتركه سيّان لا ترجيح لأحدهما. والتكليف غير الإلزامي على نوعين: الاستحباب والكراهة.

فحين نقول: شكٌّ في التكليف، هل المراد الشك في نوع التكليف أي الشك في الوجوب أو الحرمة أو الاستحباب أو الكراهة؟ أم المراد أعم، أي الشك في النوع والجنس معاً؟ احتمالٌ هو أن يكون المراد الشك في الجنس بالخصوص. وهذا الاحتمال مردود؛ إذ لا قائل بأن الشك في التكليف يعني الشك في جنس التكليف فحسب دون الشك في نوعه، فيُستبعد هذا الاحتمال. ويبقى احتمالان:

أحدهما: أن المراد من الشك في التكليف هو الشك في نوع التكليف.

الآخر: أن المراد أعم؛ أي يشمل الشك في النوع والشك في الجنس معاً.

مثالٌ: نشك في أن شرب التتن حرامٌ أم لا؟ وهذا مثالٌ للشبهة التحريمية. ولدينا مثالٌ للشبهة الوجوبية: هل الدعاء عند رؤية الهلال واجب؟ هل صلاة الجمعة واجبة في عصر الغيبة؟

فإذا شككنا في وجوب شيء أو حرمته، فهذا طبيعياً شكٌّ في النوع في حين أن أصل الإلزام يقيني لدينا، أي نحن متيقنون من وجود إلزام من قِبَل الشارع لكن لا نعلم ما هو متعلَّقه. وهنا ربما يُقال: المراد من الشك في التكليف هو أنك لا تعلم نوع التكليف ولا جنسه. فيكون هذا أعم، والشك في التكليف يشمل الشك في الأعم من النوع والجنس. وأحياناً يُقال: إن الشك في التكليف لا يشمل الجنس؛ بل الشك في التكليف فقط حيث يكون النوع مجهولاً.

وكلا الاحتمالين قائم. ومن هنا عكف بعضهم على الدراسة بعناية من هذه الجهة. فمثلاً المرحوم الآخوند الخراساني أورد هنا اعتراضات على الشيخ الأعظم لا ترد على أساس هذه النظرة.

وأذكر بصورة إجمالية أن ما يستفاد من مجمل المطالب هو أنه في مسألة البراءة لا يُراد المعنى الأعم. فللشك مراتب وهو في كل موضع متفاوتٌ بحسب مراتبه. فقد يكون لدينا شكٌّ في النوع والجنس معاً فلا نعلم شيئاً عن التكليف البتة، وهذا أيضاً مصداقٌ من مصاديق الشك في التكليف.

السؤال:

الأستاذ: في الحال التي يكون فيها أصل الإلزام معلوماً لدينا لكننا نتردد في النوع، فهذا يكون مثلاً مصداقاً للشك في المكلَّف به. كأن نعلم بأن هذا التكليف إلزامي لكن لا ندري أهو وجوبي أم تحريمي.

والشك في الجنس نفسه قسمان: شكٌّ في الإلزام وشكٌّ في غير الإلزام، وكلاهما مصداقٌ للشك في الجنس. فإذا لم ندرِ هل وقع الإلزام أم لا، فهذا مجرى البراءة. وإذا كان لدينا شكٌّ في النوع والجنس معاً، أي لا نعلم بالإلزام ولا بالنوع، فهذا أيضاً مجرى البراءة في كلا الحالتين. أما إذا شككنا في النوع فحسب دون أن يكون الجنس مشكوكاً لدينا، فهذا لم يعد من مصاديق الشك في التكليف.

السؤال:

الأستاذ: لا، ذلك المورد لا فرق فيه. فإذا شككنا في الاستحباب نفت البراءة الاستحباب أيضاً… هذه الموارد لا تختلف فيما بينها. وإذا شككنا في الكراهة نفت البراءة الكراهة أيضاً. فلا فرق من هذه الجهة… هذا الكلام أصلاً غير صحيح.

وعلى أي حال، فقد اتضح المراد من التكليف في هذا المقام.

موضوع الجلسة القادمة

تبقّت نقطتان أخريان سأعرضهما — إن شاء الله — في الجلسة القادمة.