الدرس الثامن والثلاثون، أصالة البراءة، البراءة العقلية، الأمر الثاني
الدرس الثامن والثلاثون
أصالة البراءة – البراءة العقلية – الأمر الثاني: مستند البراءة العقلية – الوجه الأول – إشكال الشهيد الصدر – الوجه الثاني – إشكال الشهيد الصدر
20 جمادى الأولى 1447 هـ
الأمر الثاني: مستند البراءة العقلية. قد ذكرنا سابقاً في البراءة العقلية أن البحث يقع في مطلبين؛ أولهما: تاريخ البراءة العقلية وسابقتها التاريخية، وهو ما تكلمنا عنه في الجلسة السابقة؛ وثانيهما: مستند البراءة العقلية؛ ونعني به البحث عن منشأ حكم عقولنا بقبح العقاب بلا بيان، وعلى أي أساس يرتكز هذا الإدراك والحكم العقلي؟
لا خلاف في طرح قاعدة قبح العقاب بلا بيان بعنوان البراءة العقلية، وإنما الخلاف في مستند هذا القبح. ولعل الأدق عند إطلاقنا لفظ “البراءة العقلية” أن نقول “البراءة غير الشرعية”؛ إذ ستلاحظون في الوجوه المذكورة كمستند لهذه القاعدة أن المسألة -طبقاً لبعضها- ليست مسألة حكم العقل بالمعنى الأصولي الدقيق، بل إن العقلاء هم الذين يحكمون بذلك. وعلى الرغم من إجماعهم على تسميتها بالبراءة العقلية، فإن المقصود بها هو الحكم بقبح العقاب بلا بيان، وإنما الاختلاف والنزاع يقع في مستند هذا الحكم.
وقد ذُكرت وجوه متعددة في بيان مستند قاعدة قبح العقاب بلا بيان:
الوجه الأول
وهو أن هذا الأمر ارتكازي يدركه الإنسان بمقتضى ارتكازه ووجدانه العرفي والعقلائي؛ حيث يدرك قبح العقاب بلا بيان. فالإنسان، بملاحظة المولوية العرفية والعقلائية، يرى أنه في كل موضع تبسط فيه علاقة المولوية في أوساط العرف والعقلاء، لا يُقدم أحد على مؤاخذة المكلف أو العبد لعدم امتثاله لتكليف لم يبيَّن له. وهو يشاهد في المجتمعات والأوساط التي تترتب فيها علاقة العبودية والمولوية ولزوم طاعة المولى، أن أحداً لا يجوّز معاقبة العبد ومؤاخذته وإن كان جاهلاً بالتكليف ما لم يصدر فيه بيان من مولاه. وبناءً على هذا الوجه، يكون منشأ قاعدة قبح العقاب بلا بيان ومستندها هو الارتكاز والوجدان العرفي والعقلائي.
إشكال الشهيد الصدر
أورد المرحوم الشهيد الصدر إشكالات على هذا الوجه وعلى الوجوه اللاحقة، وجوهر هذه الإشكالات واحد، وسنتناول تفصيله بمزيد من البحث والتحليل عند عرض مختاره ومبناه الشريف.
يذهب الشهيد الصدر إلى أن هذا البيان يبتني على وحدة حقيقة حق الطاعة والمولوية، وعدم التفريق بين مولوية الله تبارك وتعالى ومولوية العقلاء، في حين أن مولوية العقلاء اعتبارية، بينما مولوية الله سبحانه مولوية ذاتية. وهو يرى انقسام المولوية إلى نوعين: المولوية الاعتبارية والمولوية الذاتية. ويرى أن المولوية الاعتبارية بتمامها -أصلاً وحدوداً وقراراً وبقدر ما يُعتبر من وجوب الطاعة في محيط العقلاء- ترجع إلى الاعتبار، والاعتبار العقلائي قد استقر على اشتراط بيان التكليف؛ فهكذا اعتبر العقلاء. والاعتبار تابع لنظر المعتبر وجوداً وعدماً وسعة وضيقاً، وكيفما اعتبروه جرى واستقر. وقد اعتبر العقلاء في المولويات العرفية والعقلائية أن العقوبة والمؤاخذة إنما تترتب على مخالفة التكاليف الواصلة المبينة، وأما مع عدم البيان فيرون العقاب قبيحاً ومستنكراً.
وأما في المولوية الذاتية فليس الأمر كذلك؛ إذ في المولوية الذاتية يكفي مجرد احتمال التكليف للزوم الإتيان والامتثال؛ لأن المولوية الذاتية وحق الطاعة فيها مطلق وغير مقيد بالوصول والبيان. والمولوية الذاتية تنشأ من أمور تكوينية حقيقية كالمالكية والخالقية وإنعام المنعم. فالله تبارك وتعالى هو خالق هذا العالم ومالكه الحقيقي لا الاعتباري، وهو المنعم بجميع النعم على الإنسان؛ فلأجل ذلك يثبت له حق مولوية ذاتي، ويكون المكلف ملزماً بالتبعية والامتثال في مقام الطاعة لكل ما يريده المولى سبحانه، حتى وإن لم يحصل له العلم بالتكليف.
نعم، يذهب الشهيد الصدر لاحقاً إلى ثبوت البراءة شرعاً بالنسبة إلى التكاليف غير المبينة لنا؛ غير أن حكم العقل الأولي عنده هو وجوب الامتثال عند احتمال التكليف؛ فهو يرى أن الأصل الأولي بحكم العقل في موارد احتمال التكليف هو الاحتياط (مسلك حق الطاعة).
السؤال: …
الأستاذ: هنا بحثان؛ نعم، يمكنكم القول بأنه حتى لو أراد المولى التكليف ولم يظهره ولم يبيّنه، فإننا متى ما احتملنا وجود الإرادة والتكليف لزمنا الإتيان به؛ لأن افتراض عدم إرادته للتكليف يعني انتفاء التكليف أصلاً… وأما القول بعقاب المكلف بلا ارتكاز لإرادة التكليف، فهو خلاف حكمة الله تعالى؛ إذ الله لا يفعل شيئاً جزافاً وخلاف الحكمة، وعقابه للعباد بلا مبرر يتنافى مع حكمته تبارك وتعالى… وهذا هو مذهب الأشاعرة الذين يرون أن كل ما يفعله الله هو عين العدل، بخلاف ما نذهب إليه من اتصافه تعالى بالحكمة؛ فحكمة الله تمنع من العقاب بلا مبرر. فإذا لم تكن هناك إرادة للتكليف، فلا تكليف أصلاً، فما الذي نأتي به؟ وأما القدرة على العقاب بلا مبرر ومقتضٍ، فهذا لا يجتمع مع الحكمة والعدل الإلهيين… وهذا بحث آخر يختلف عما تفضلتم به؛ إذ قولكم بأن مقتضى الخالقية والمالكية يجوّز العقاب حتى بلا مبرر ودليل، ينافي الحكمة الإلهية، نعم، يستقيم هذا بناءً على المسلك الأشعري.
وعليه، فإن عمدة إشكال الشهيد الصدر على هذا الوجه يكمن في التفرقة بين المولوية الذاتية والمولوية العقلائية؛ حيث يبتني هذا الوجه على مساواة حق المولوية وحق الطاعة بين الله سبحانه وبين العقلاء وجعلهما حقيقة واحدة لا تفاوُت في رتبتها، في حين أن المولوية تنقسم إلى ذاتية ومجعولة (أو اعتبارية).
والمطلب في المولوية المجعولة والاعتبارية هو عينه ما قرره المستدل، بخلاف المولوية الذاتية؛ فلأن المولى سبحانه هو المالك والخالق والمنعم، فإن حق المولوية وحق الطاعة يقتضي لزوم عمل المكلف بالتكليف بمجرد احتماله؛ أي إن كل تكليف محتمل يكون واجب الإتيان عقلاً.
وبناءً على رأي الشهيد الصدر، فإذا فككنا وميزنا بين هذين النوعين من المولوية، فلا يمكننا إرجاع قاعدة قبح العقاب بلا بيان إلى الارتكاز العقلائي والوجدان العرفي؛ إذ المسألة تختلف تماماً بوجود هذا الفارق.
وحيث إن روح إشكالات الشهيد الصدر على الوجوه الأربعة واحدة، فسوف نتولى دراستها ومحاكمتها بمشيئة الله تعالى.
الوجه الثاني
وهو الوجه الذي التزم به المحقق النائيني (قدس سره) وأتباعه؛ ومفاده أن مرجع قبح العقاب بلا بيان هو قبح العقاب على ترك التحرك في فرض انتفاء ما يوجب التحرك ويدعو إليه. ومثاله التكويني: أن الإنسان إذا عطش وعلم بوجود الماء على بعد عشر خطوات، فإنه يتحرك تلقائياً نحو الماء ليشرب ويدفع عطشه؛ ولكن لو كان عطشاناً ولم يعلم بوجود إناء ماء بارد على بعد متر واحد منه، فهل يتحرك نحوه؟ كلاً، لأن التحرك يفتقر إلى مقتضٍ وباعث، ومقتضي التحرك وباعثه هو العلم والاطلاع. فمع انتفاء العلم كيف يسوغ لنا التحرك نحو ما يسد حاجتنا ويرفع غرضنا؟
فإذا لم يبيّن الله تبارك وتعالى تكليفاً، فلن يكون لنا تحرّك نحوه، وعليه يقبح العقاب على ترك التحرك. فالأمر يبتني على صغرى وكبرى ينتج منهما قبح العقاب بلا بيان.
الكبرى: يقبح العقاب على ترك التحرك في مورد لا يوجد فيه ما يوجب التحرك؛ إذ لا معنى لمعاقبة شخص على عدم فعله لشيء لم يتوفر له أي باعث أو محرك يدعوه لإتيانه.
الصغرى: إن الأمور الواقعية -ومنها التكليف- إنما تكون باعثة ومحركة إذا وصلت إلى المكلف، وأما مجرد وجودها الواقعي مع عدم وصولها فلا يوجب التحرك أصلاً. ومثاله ما ذكرناه من فرض الشخص العطشان؛ فلو علم بوجود الماء خارج المدرسة -ولو من باب الجهل المركب- فإن هذا العلم يحرّكه نحو الخارج؛ لأن المدار ليس على الوجود الواقعي بل على الوجود الواصل. فالعلم والوصول هما الملاك في التحرك، حتى لو أخبره مخبر كاذباً بوجود الماء لتحرك وجداناً. وأما لو كان الماء قريباً منه دون علم أو إخبار، فلا يتحقق لديه باعث الحركة.
إذن، يقبح العقاب بلا بيان؛ لأن العقل يدرك حاجة الإنسان إلى الباعث والموجب في كل حركة، ولا معنى للعقاب على ترك الحركة مع انتفاء موجبها، والتحرك إنما يتحقق بالوجود الواصل لا الوجود الواقعي فحسب.
هذا هو تقريب كلام المحقق النائيني في هذا المقام.
السؤال: ما هي الملازمة بين المحركية والعقاب؟ وهل العقاب مشروط بالمحركية وعدمها؟ وهل يرى العقل ملازمة بينهما؟
الأستاذ: يرى المحقق النائيني أن ترك التحرك هو الذي يترتب عليه العقاب؛ فالأمر والخطاب المتوجه للمكلف لا بد أن يكون صالحاً للمحركية والبعث، وترك التحرك ومخالفة هذا البعث هو الذي يستتبع العقاب، وهذا هو المفروض في المقام لكونه تكليفاً.
إشكال الشهيد الصدر
يشكل الشهيد الصدر على هذا الوجه أيضاً؛ حيث يرى أن المحرك للإنسان ينقسم إلى قسمين: المحرك التكويني، والمحرك التشريعي.
والمراد بالمحرك التكويني هو الباعث الناشئ عن غرض تكويني؛ وهو الغرض الملائم لقوة من قوى الإنسان أو الذي يوجب لديه ميلاً ورغبة نفسانية.
وأما المحرك التشريعي فهو حكم العقل بلزوم التحرك والامتثال، سواء كان للإنسان غرض شخصي فيه أم لا.
فإن كان نظر المحقق النائيني متجهاً نحو المحرك التكويني (بمعنى الغرض الملائم لقوى الإنسان)، فالحق معه في أن الوجود الواقعي للشيء لا يصلح للمحركية التكوينية بل المدار على الوجود الواصل؛ لأن الوجود الواقعي المحض لا يعد من مبادئ الإرادة، ولا يدخل في مقدمات التحرك الاختياري، ولا يبعث رغبة في نفس الإنسان لعدم علمه بملائمته لقواه، فلا يتحرك لوصوله. ولكن للوصول مراتب وأقسام؛ تارة يكون وصولاً يقينياً وتارة يكون وصولاً احتمالياً. فإن كان الوصول يقينياً وقاطعاً، كان التحرك أقوى وأكثر جدية؛ وإن كان الوصول احتمالياً، كانت المحركية بمقدار احتمال وجود المطلوب وباعثيته. فأساس إشكال الشهيد الصدر يكمن في عدم صحة إنكار المحركية مطلقاً مع الشك؛ لأن المحركية ذات مراتب شتى؛ أقصاها عند العلم والوصول التام (الوجود الواصل بتعبيره)، وعند عدم الوصول التام وثبوت الاحتمال، تظل المحركية قائمة بمرتبة تتناسب مع درجة الاحتمال.
وأما إن كان المراد بالمحرك هو المحرك التشريعي -أي إدراك العقل لخطاب يدفع المكلف نحو الامتثال- فهنا يستطيع العقل أن يكون محركاً وباعثاً استناداً إلى حق المولوية والطاعة. فحينما يدرك العقل اتصاف المولى سبحانه بالمولوية الذاتية، فإنه يحكم بلزوم الإتيان والامتثال حتماً عند قيام اليقين ووصول التكليف. وأما مع عدم وصوله التام وثبوت احتماله فحسب (أي الوصول الاحتمالي)، فإن العقل يحكم أيضاً بلزوم الامتثال ورعاية هذا الاحتمال؛ لما لله تعالى من حق مولوية ذاتي ناشئ عن المالكية والخالقية والمنعمية، وهو ما يفرض على المكلف رعاية التكاليف المحتملة والعمل بموجبها.
السؤال: نحن نحتمل العقاب، ولم نقبل بقاعدة قبح العقاب بلا بيان، وعليه يجب دفع العقاب المحتمل بحكم العقل، فيكون الاحتمال منجزاً للتكليف؟
الأستاذ: نعم، هذا يرتكز على مسلك المولوية الذاتية؛ إذ يرى الشهيد الصدر أن التكليف المحتمل واجب الإتيان رعايةً لهذا الحق المولوية. وقد قررنا في مطلع البحث الفرق الشاسع بين المولوية الذاتية والمولوية الاعتبارية؛ حيث يقتصر استحقاق المؤاخذة على ترك الامتثال في محيط العقلاء على التكاليف الواصلة فحسب، دون أن يسري هذا التحديد إلى ساحة المولوية الإلهية الذاتية؛ فلا يقبح عند العقل العقاب على ترك التكاليف المحتملة في حق الله تبارك وتعالى. وهذا هو الأساس الذي يبتني عليه كلامه.
لقد استعرضنا حتى الآن وجهين من الوجوه المذكورة لمستند قاعدة قبح العقاب بلا بيان، وقد تعرض كلاهما لإشكالات الشهيد الصدر الشريفة. والواقع أن جوهر وأساس إيراد السيد الصدر على هذين الوجهين والوجهين الآخرين واحد؛ وسنتناول بالبحث والتحقيق نظرية السيد الصدر لنرى مدى تماميتها وصحتها صناعياً وعلمياً.