The news is by your side.

حجب الإنترنت أضرّ بمعيشة الناس والمشاريع الصغيرة

آية الله السيد مجتبى نورمفيدي في حوار مع وكالة “جماران”: حجب الإنترنت أضرّ بمعيشة الناس والمشاريع الصغيرة

سياسات الحجب والفلترة الحالية تعاني من النقص والتشتت؛ والإنترنت يمثل فضاءً للتعبير عن الآراء والنقد البناء الذي يقلل التكاليف المادية والمعنوية على الدولة.

يتعين بناء الثقة وكسب ود الجمهور تجاه أمن وسرية البيانات والمعلومات المتداولة في تطبيقات المراسلة والشبكات المحلية.

صرح أستاذ ومحقق الحوزة العلمية في قم بأن حجب الإنترنت قد ألحق ضرراً بليغاً بمعيشة المواطنين وقوتهم اليومي، قائلاً: “ثمة أبحاث تدعو للسماح بالتجمعات السلمية في أماكن محددة مع تأمين سلامة المتظاهرين، وهذا المطلب في موضعه؛ غير أن الإنترنت بحد ذاته يمثّل فضاءً حيوياً للتعبير عن الآراء، والنواقص، والانتقادات، والاحتجاجات الشعبية، ويمكنه أن يعين الحكومة والدولة على إصلاح الأمور وتلافي الثغرات وعلاج القصور. وإن توفير هذا الفضاء الإلكتروني كفيل بتقليل الكثير من الأثمان والتكاليف المادية والمعنوية على نظام الحكم”.

وأوضح آية الله السيد مجتبى نورمفيدي، في حوار مع مراسل وكالة أنباء “جماران”، تفاصيل التداعيات السلبية المترتبة على حجب شبكات التواصل الاجتماعي، قائلاً: “إن الإنترنت يمثّل فضاءً لتبادل المعلومات والمعرفة، وهو واقع يحيط بالبشرية المعاصرة اليوم في كل مكان. كما أن مبدأ الفلترة والحجب يمثل ظاهرة مقبولة في الجملة لدى دول العالم لتطبيق بعض الضوابط والأنظمة ومحدوديات تبادل البيانات. ولكي نملك قراءة وتصوراً صائباً وعلمياً حيال قضية الحجب والفلترة، يتحتم علينا الإدراك بأن هذا الفضاء الإلكتروني الشاسع لتبادل المعلومات لا يمكن تركه بغير ضوابط وأنظمة قانونية تحدد مساره”.

غايات الحجب ومخاطر الإفراط والتفريط

وأكد هذا المدرس والمحقق الحوزوي: “يتعين علينا تبيين هذه المسألة بوضوح؛ إذ لا يمكن لهذا الفضاء الرقمي أن يستمر بغير أنظمة وقوانين تضبطه. ولكن بطبيعة الحال، تختلف الغايات الكامنة وراء سياسات الحجب والفلترة بين الدول، وتتباين مساحتها وتطبيقها من الناحية التقنية والفنية. وترتكز المعايير الرئيسة للحجب والفلترة بالأساس حول عدة محاور محددة؛ إما للحفاظ على القيم والمنظومة العقائدية والأخلاقية للمجتمع وعقائد العباد، وإما للحفاظ على الأمن الوطني وحماية أمن وخصوصية المستخدمين لضمان سلامتهم”.

ولفت سماحته، في سياق تبيينه لمشكلات الإفراط والتفريط في هذا المضمار، إلى أنه: “يتوهم الكثيرون أن سياسات حجب الإنترنت تُطبق في إيران بمفردها؛ بينما يطبق هذا المبدأ في غالبية دول العالم، بل إن بعض الدول تفرض فلاتر وحجباً واسع النطاق ومشدداً جداً. فعلى سبيل المثال، يحظى مبدأ حظر وصول الأطفال إلى بعض المعلومات والبيانات التي تتعارض مع التربية السليمة بقبول وإجماع عالمي مطبق. غير أن مسؤوليتنا تقتضي الحذر الشديد لكيلا نوسع نطاق هذه المحدوديات والفلترة تحت ذرائع ومسوغات واهية”.

التداعيات الاقتصادية والاجتماعية لإغلاق الإنترنت

ونوه آية الله نورمفيدي إلى التداعيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية الخطيرة المترتبة على فرض قيود واسعة على تبادل المعلومات في فضاء الإنترنت، قائلاً: “أود تقديم إحصائية هامة في الشأن الاقتصادي؛ فبين عامي 2006 و2011 م، تحقق ما يقرب من 21 بالمئة من نمو الناتج المحلي الإجمالي للدول المتقدمة في فضاء الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي، وتعتمد قرابة 75 بالمئة من الشركات الكبرى في العالم على هذه المنصات الرقمية للإعلان والتسويق لمنتجاتها”.

وأكد سماحته: “إن انفتاح هذا الفضاء الإلكتروني ينطوي على منافع وفوائد كبرى ومصيرية؛ حيث يمثل نافذة وصمام أمان لنقل آراء المواطنين، والتعبير عن احتجاجاتهم بقصد الإصلاح والتقويم. وإذا افترضنا وجوب إتاحة فرصة التجمعات السلمية وتأمين المتظاهرين -وهو أمر مطلوب في حد ذاته- فإن الإنترنت يظل الفضاء الأرحب للتعبير عن الآراء، والنقاط المطلوبة، والنقد البناء، والاحتجاجات؛ ويمكنه مساعدة الدولة والحكومة على تلافي الأخطاء وسد الثغرات. وتوفير هذا المناخ التعبيري كفيل بتقليل الأثمان والتكاليف المادية والمعنوية الباهظة”.

أثر الحجب على سيادة القانون وانتشار برمجيات الـ VPN

وأضاف أستاذ الحوزة العلمية: “إذا وُضع هذا الفضاء الرقمي في خدمة الاقتصاد المعاصر -سواء للمشاريع والمهن الصغيرة والمنزلية أم للشركات الكبرى- فسيكون له دور بالغ الأهمية والفاعلية. وإلى جانب ذلك، لا يمكن لأحد إنكار الفوائد العلمية الجمة والتطور المعرفي الذي يثمره تبادل المعلومات والبيانات العلمية والبحثية بين الناس. وصحيح أن إقرار بعض المحدوديات والفلترة قد يكون ضرورياً في بعض الظروف الأمنية أو الأخلاقية الخاصة، غير أن مساحة هذا الحجب ومدة تطبيقه تكتسب أهمية بالغة وجوهرية؛ لأن سياسات الإغلاق والحجب الشامل تترتب عليها أضرار اقتصادية واجتماعية فادحة، وتخلق أزمات نفسية ومعنوية كبيرة للمواطنين، فضلاً عن كونها تمهد الطريق لخرق القانون وانتهاكه”.

وأوضح سماحته: “حين تبادر لغلق وحجب فضاء رقمي معين، فإن هذا الحظر يحمل صفة القانون الذي يقضي بمنع شريحة واسعة من الدخول إليه للحصول على المعلومات أو تبادل البيانات. ولكن حين تتوفر طرق الالتفاف على هذا الحجب من خلال برمجيات الـ VPN واستخدامها من قِبل غالبية المواطنين، فإن هذا يعني انتهاك هذا القانون ووطأه بالأقدام من قِبل شرائح واسعة من المجتمع، وهو بحد ذاته يمثل ضرراً بليغاً ومفسدة معنوية كبرى لسيادة القانون. وفي تقديري، فإن سياسات الحظر والمسدودية المتبعة حالياً تعاني من نقص واضح؛ والسبب في ذلك هو أننا حين نحد من فضاء رقمي معين، يتحتم علينا توفير بدائل وطنية قوية وموثوقة تعوض هذا النقص الحاصل لدى المواطنين. وثانياً، يجب إخضاع مسألة الحجب والفلترة للدراسة التخصصية العميقة والبحث العلمي الرصين للوصول إلى إجماع ووفاق وطني شامل يحدد نطاق هذا الحظر وموارده الضرورية بوضوح”.

سبل صياغة إجماع وطني وبناء الثقة في المنصات المحلية

وأردف آية الله نورمفيدي بالقول: “أعتقد أن أصل الحجب والتقييد هو أمر مطبق ومعمول به في كافة دول العالم لحماية مصالحها ومواطنيها. غير أن إخضاع هذا الأمر للمزاجية والأذواق الشخصية وبعض التفسيرات الضيقة الأفق والتصور بأن هذه الأساليب كفيلة بحسم القضايا وقطع دابر المشاكل، هو تصور خاطئ تماماً ولا يثمر النتائج المرجوة. ومسؤوليتنا الأولى تقتضي بناء الثقة وكسب ود الجمهور تجاه أمن وسرية البيانات والمعلومات التي تُقدم وتُتداول في تطبيقات المراسلة وشبكات التواصل الاجتماعي المحلية والوطنية. وفي الوقت ذاته، أود تقديم مقترح يكمن في وجوب جلوس كافة النخب، والمشارب الفكرية، والجهات الملتزمة بالثورة والبلاد، لطرح هذه القضية على طاولة النقاش التخصصي والبحث العلمي الجاد، للوصول إلى اتفاق وإجماع حول الموارد والحدود التي تقتضي الحجب والفلترة يقيناً، وهو أمر يمكن بلوغه وتطبيقه”.

وصرح سماحته: “يمكن تحقيق هذا الإجماع الوطني حول القضايا المرتبطة بالأمن القومي للبلاد بمعناه الحقيقي، وتلك المرتبطة بمكافحة الإرهاب وشبكات التخريب وزعزعة الاستقرار الداخلي، وتلك التي تهدف لتخريب القيم العقائدية والأخلاقية وتدميرها؛ فهذه الموارد تحظى باتفاق الكافة ويجب صياغة إجماع وطني يحدد نطاق حجبها، لتتحول بعد ذلك إلى قانون ملزم وواضح يحدد النطاق الجغرافي والزمني للحجب والفلترة بصورة دقيقة وعلمية”.

واختتم أستاذ الحوزة العلمية حديثه بالقول: “يتعين ألا يترك هذا ملف خاضعاً للأذواق والمزاجيات المتغيرة لكيلا يعبث الكل بحدود هذا التقييد زيادة ونقصاناً، وهو ما يخلق فوضى وأزمات حقيقية في البلاد. بل حتى وفقاً للمنظور والمقاربة الحدية القصوى (الرؤية المتشددة للحظر)، فإن مقومات هذا الإغلاق الشامل قد تلاشت وانعدمت فاعليتها اليوم، ويجب التفكير عاجلاً في علاج هذا الملف وصياغة حلول عقلانية له؛ لأن المشاريع الصغيرة والمهن المنزلية البسيطة -وهي تمثل شريحة هائلة جداً في مجتمعنا- قد تضررت ضرراً بليغاً من هذا الحجب الشامل، وأصيبت معيشة وقوت الكثير من المواطنين الذين ترتبط أعمالهم بهذا الفضاء الرقمي بثلمة وخلل فادح”.

وأضاف في الختام: “على أية حال، ينبغي اتخاذ قرار حكيم وتخطيط بعيد المدى يضمن تهيئة الأرضية المناسبة والآمنة للتعبير عن الانتقادات والاحتجاجات بصورة سليمة ومصحوبة بالحلول والمقترحات الإصلاحية البناءة؛ وحينها سنصل تدريجياً إلى مرحلة ينأى فيها عامة الناس بأنفسهم طواعيةً عن تصفح واستخدام المواقع التي تضر بالأمن القومي والمعتقدات الدينية لمجتمعنا وتخلق مخاطر أمنية حقيقية للبلاد”.