قضية التحجر كانت بلا شك من كبرى هواجس ومخاوف الإمام الخميني منذ القدم
آية الله السيد مجتبى نورمفيدي في حوار مع مجلة “حضور”: قضية التحجر كانت بلا شك من كبرى هواجس ومخاوف الإمام الخميني منذ القدم
استقلال الحوزة العلمية من منظور الإمام يعني أن تكون حامياً ناصحاً وأماً دؤوبة للنظام لا حوزة حكومية تابعة؛ ومواجهة التحجر والتنسك الجاهل كانت خطاً مستمراً في نهجه.لم يسعَ الإمام الراحل قط لطرح شخصه أو كسب الشهرة والثناء في تسيير دفة الحوزة، بل كان يعرف نفسه دائماً في ظل عظمة الحوزة والإسلام والتشيع وبخلوص تام.
حضور: نشكركم جزيلاً على إتاحة جزء من وقتكم الثمين لإجراء هذا الحوار. يتمحور بحثنا حول شخصية الإمام الراحل المباركة ودوره وتأثيره في تأسيس حوزة قم العلمية. نود من سماحتكم بيان دور الإمام وتأثيره في تأسيس الحوزة ومواكبته للآيات العظام الحائري والبروجردي.
الأستاذ نورمفيدي: وأنا أتقدم بالشكر لكم ولمجلة “حضور” الكريمة على تسليط الضوء على هذا الموضوع الهام. إذا أردنا إلقاء نظرة شاملة وعامة على دور الإمام الخميني وتأثيره في حوزة قم منذ وطئت قدماه هذه المدينة وحتى ترحيله ونفيه منها في عام 1384 هـ (1964 م)، تزامناً مع دراسة تأثيره في مرحلة ما بعد انتصار الثورة الإسلامية، فيمكننا تقسيم هذا التأثير إلى عدة فترات تاريخية:
الفترة الأولى: في بداية الأمر، وعندما حلّ آية الله العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي في مدينة قم تلبيةً لدعوة ثلة من كبار علمائها كالمرحوم البافقي والمرحوم الفيض وآخرين، كان الإمام الخميني برفقة عدد من الأفاضل يتلمذون على يد الشيخ الحائري في مدينة أراك. وبعد استقرار الرأي على مجيء الشيخ الحائري إلى قم إثر مقدمات معلومة لدى الجميع، كان لمواكبة الإمام الخميني، وآية الله السيد محمد تقي الخونساري، وآية الله الأراكي للشيخ المؤسس في مجيئه دور أكيد وفاعل في تقوية الحوزة الفتية في قم وتثبيت ركائزها. ولعل الإمام -نظراً لسنه الفتية وإقامته في أراك آنذاك- لم يكن له دور مباشر ومستقل في مجيء الشيخ الحائري لقم، غير أن ازدهار الدروس والنشاط العلمي للشيخ الحائري في قم كان مديناً بالدرجة الأولى لحضور فضلاء مبرزين من قبيل الإمام الراحل. لقد كان الإمام أحد الأركان والدعائم الأساسية لدروس الشيخ الحائري، وقد صرح الإمام لاحقاً بشأن تأسيس الحوزة بالقول: “إن العمل الذي أنجزه الشيخ الحائري في تلك الحقبة التاريخية بتأسيس الحوزة العلمية، لم يكن يقل أهمية عن تأسيس الجمهورية الإسلامية”. وفي تعبير آخر يقول الإمام: “لو كان الشيخ الحائري حياً اليوم، لقام بذات العمل الذي قمت به أنا”. ومن هنا، كانت مواكبة الإمام للشيخ الحائري عاملاً محورياً في إرساء الازدهار والنشاط العلمي لحوزة قم الفتية إبان تأسيسها.
الفترة الثانية: بعد رحيل الشيخ الحائري، وفي الفترة الممتدة من عام 1355 هـ وحتى عام 1363 هـ (وهي الفترة التي سبقت مجيء آية الله البروجردي إلى قم)، كان لمواكبة الإمام وتنسيقه مع المراجع الثلاثة دور بارز جداً كأحد الأساتذة البارزين والمبرزين في توجيه دفة الحوزة وصيانة شؤونها. وفي تقديري، فإن تأثير الإمام في هذه الفترة الثانية يتضاعف ويصبح أكثر وضوحاً مقارنة بالفترة الأولى؛ إذ لم تقتصر مواكبته على حضور الدروس الفقهية، بل كان حاضراً فاعلاً في الاجتماعات الحوزوية وصياغة القرارات المصيرية للحوزة. لقد عقد الإمام بصفته أستاذاً بارزاً في الحوزة سلسلة لقاءات وتنسيقات مشتركة مع المراجع الثلاثة؛ المرحوم الخونساري، والمرحوم الحجة، والمرحوم الصدر، وكان هؤلاء العظام يعدون الإمام نداً ونظيراً لهم في معالجة القضايا والوقوف على مسائل الحوزة.
الفترة الثالثة: بادر الإمام في هذه الفترة بمساعٍ مباشرة ومحورية لدعوة آية الله العظمى البروجردي للمجيء والاستقرار في قم؛ بهدف توحيد الزعامة المرجعية وصيانة الجانب العلمي وتوفير قطب محوري لحوزة قم العلمية، حيث نجح الإمام برفقة ثلة من الأفاضل في إقناع السيد البروجردي بالقدوم إلى قم. ومنذ استقراره فيها، واظب الإمام على التعاون الوثيق والمباشر معه، وتجلى هذا التنسيق في معالجة شؤون الرواتب المعيشية للطلاب (الشهرية)، والنهوض بالوضع المعاشي، وتنظيم المناهج الدراسية، وإقرار نظام الامتحانات لتقييم ورفع المستوى العلمي للطلاب. وبناءً على هذا، تبرز هذه الفترة الثالثة وحتى رحيل السيد البروجردي كبرهة شهدت اتساعاً وتعاظماً كبيراً لدور الإمام وتأثيره الحوزوي.
الفترة الرابعة: تبدأ هذه الفترة بعد رحيل السيد البروجردي؛ حيث برزت مرجعية الإمام الخميني ومواقفه التاريخية الحاسمة حيال الأحداث الجارية في تلك الحقبة. ونهض الإمام في هذه الفترة كأبرز شخصية محورية قادت جبهة النضال والنهضة وجمعت شتات القوى الحوزوية والشعبية في هذا المسار. وبعد نفي الإمام إلى النجف الأشرف، استمر تأثيره ومنهجه في حوزة قم من خلال تلامذته الكبار الذين تخرجوا من مدرسته وعكفوا لسنوات طوال على النهل من معينه. وتنقسم هذه الفترة الرابعة إلى شقين: الأول يمثل برهة تواجد الإمام في حوزة قم بعد رحيل السيد البروجردي، والثاني يمثل مرحلة نفيه إلى النجف الأشرف واستمرار تأثيره عبر تلامذته وإرسال البيانات والتوجيهات من النجف لقم.
الفترة الخامسة: وتبدأ مع انتصار الثورة الإسلامية واستقرار نظام الجمهورية الإسلامية؛ حيث استمر تأثير الإمام المعنوي والفقهي على الحوزة العلمية ولكن بأساليب وتجليات وصور جديدة تناسب متطلبات الدولة الفتية.
وجوه الاشتراك والتمايز ومحورية التكليف الإلهي
حضور: ما هي وجوه التمايز والمشتركات بين هذه الفترات التاريخية؟
الأستاذ نورمفيدي: إذا أردنا تصنيف جودة ومنهجية تأثير الإمام الخميني ضمن قراءة شاملة، يمكننا بيان وجوه الاشتراك والتمايز في منهج الإمام قبل الثورة وبعدها. فبعد انتصار الثورة، استمر تأكيد الإمام الراحل على ركيزتي “التربية والتهذيب الأخلاقي للطلاب” بذات الحجم والوتيرة السابقة. ولم يغفل الإمام قط في جميع الفترات الخمس عن الركنين الأساسيين القوامين للحوزة العلمية: الأول النشاط والعمق العلمي الفذ، والثاني التهذيب وبناء الذات وتزكية النفوس لتأهيل الطلاب للجلوس في مسند الهداية والتبليغ والإرشاد الديني؛ فهذان الركنان كانا يحكمان فكر الإمام على الدوام.
وإلى جانب هذين الركنين، كان ثمة توجه عام يؤكد عليه الإمام دائماً؛ وهو عدم لامبالاة الحوزة العلمية حيال آلام ومشاكل الجماهير، والوقوف بوجه الممارسات الظالمة للنظام البهلوي ومكافحة الاستكبار والاستعمار العالمي. وكان الإمام يملك يقظة وحساسية بالغة ومواقف حاسمة على الدوام تجاه القضية الفلسطينية والجرائم الصهيونية وخصلة الغطرسة الأمريكية، ولم تتبدل مواقفه هذه قبل الثورة ولا بعدها؛ مؤكداً أن الحوزة يجب أن تتفاعل مع قضايا العالم الإسلامي وترفض الانعزال والصمت.
ومن الخطوط المستمرة والواضحة في فكر الإمام تجاه شؤون الحوزة، هي حساسيته البالغة والعدائية لخطر “التحجر والجمود الفكري” داخل الحوزات العلمية. ففي مذكراته عن برهة المراجع الثلاثة في حقبة الستينات الهجرية، يذكر الإمام: “لقد اجتمع المراجع الأفاضل الخونساري والحجة والصدر لسبب ما في منزلنا، ودارت بيننا نقاشات وحوارات ومخاوف حيال بعض الأحداث الجارية. فقلت للسادة الأعاظم آنذاك: أيتها السادة، إنكم لن تقووا على تحقيق أي إنجاز أو خطوة إصلاحية ما لم تخلصوا أنفسكم وتطهروا الحوزة من دنس المتنسكين الجهلة والمقدسين المزيفين”. وتعود هذه الواقعة إلى عقد الأربعينيات الميلادية؛ مما يثبت أن الإمام كان مستشعراً لخطر التحجر والتنسك الجاهل والزائف الذي يعيق حركة العلم والإصلاح منذ بدايات شبابه وحياته العلمية.
وبعد انتصار الثورة، واصل الإمام التحذير البليغ من خطر المتنسكين الجهلة والجمود الفكري، واستمر هذا التحذير والخطاب كأبرز شواغله حتى الرمق الأخير من عمره المبارك. ويمكننا القول إن: التربية العلمية الرصينة، تهذيب النفوس، مقارعة الاستكبار والاستعمار، ومكافحة التحجر والتنسك الجاهل والزائف؛ هي المعالم البارزة والوجوه المشتركة الحاكمة على فكر الإمام في كافة الفترات والعهود. وصحيح أن بعض هذه المعالم حظي بالبروز الأكبر في بعض الفترات دون الأخرى وفقاً للظروف؛ فتارة يوجه خطابه مباشرة، وتارة ينقله للزعيم الفعلي للحوزة صيانة للشأن العام وتأدية لتكليفه.
ومن جهة أخرى، برز معطى هام ركز عليه الإمام تركيزاً بالغاً بعد الثورة حكايةً عن دورانديشته ونظرته الثاقبة للمستقبل؛ ومفاده أن الحوزة تواجه سيلاً عارماً من الأسئلة، والشبهات، والمتطلبات المعاصرة التي يتحتم على علماء الدين والإسلام تقديم إجابات شافية وعلمية عنها. ولا سيما بعد استقرار الجمهورية الإسلامية؛ إذ كان الإمام قلقاً من اتهام النظام الإسلامي بعدم الكفاءة والإخفاق في معالجة القضايا المعاصرة؛ وعليه أكد تأكيداً بليغاً على وجوب إلمام المجتهدين بمعادلات العالم المعاصر وفهم التعقيدات الحاكمة على العلاقات البشرية ومراعاة المصالح العامة للأمة، ليعلن عن إدخال عنصري الزمان والمكان في عملية الاجتهاد، واصفاً هذا المعطى بأنه يمثل “الانتظار العالمي من الحوزات العلمية”.
والمعطى الآخر هو تأكيده الحازم على “استقلال الحوزة العلمية” وحظر تحولها إلى حوزة حكومية تابعة بأي شكل من الأشكال، وهو مبحث واسع يستحق التبيين والدراسة المستقلة؛ وعليه فإن هذين المعطيين كانا الأكثر بروزاً في فكر الإمام الحوزوي بعد الثورة.
أما الفترات السابقة، فقد انطوت على تمايزات نابعة بالأساس من درجات موقع الإمام ومكانته العلمية في الحوزة؛ فتارة كان الفاضل المبرز المشارك في دروس الشيخ الحائري والذي حظي برعايته الخاصة، وتارة كان الأستاذ الأبرز والمجتهد المجمع عليه، وتارة نهض كمرجع التقليد والقائد الأعلى للأمة. وتعددت أشكال حضوره وتأثيره بتعدد هذه المواقع؛ ولكن ثمة شاخص وميزة فريدة برزت واضحة في كافة حركات الإمام وتحركاته في الحوزة: “أنه لم يكن يسعى أبداً لطرح اسمه وشخصه أو كسب ثناء العباد وسمعتهم”. فحين يرى الحوزة تحت زعيم مرجع كالمراجع الثلاثة، بادر لدعمهم وتثبيت ركائز زعامتهم؛ وحين يسعى لجمع الكلمة خلف مرجع كالسيد البروجردي، واظب بكل تواضع على حضور دروسه إجلالاً وتدعيماً لمكانه العلمي؛ بالرغم من أن الإمام كان قد افتتح وبدأ إلقاء محاضرات درس الخارج منذ عام 1363 هـ (تزامناً مع قدوم السيد البروجردي لقم)، إلا أنه التزم بحضور دروس السيد البروجردي صيانة للمصلحة العامة. لقد كان الإمام يؤمن إيماناً راسخاً بوجوب دعم وتقوية الرمز والمقام المرجعي الشيعي والإسلامي لتثبيت معالم الحوزة؛ وصحيح أنه كان ينتقد بعض الأمور والسلوكيات ولا يرتضيها، غير أنه تجنب تجنباً تاماً أي ممارسة قد تؤول إلى إضعاف هذا الرمز والشعار الحوزوي. وحين تربع الإمام على قمة الهرم المرجعي والعلمي في قم كأبرز المراجع وأفضلهم، حافظ على حياض وكرامة سائر المراجع العظام والتزم بالتنسيق والتعاون والمشورة معهم على الدوام.
إن المهم لدى الإمام هو تقوية الحوزة العلمية بوصفها الميراث العلمي والفكري الخالد لأئمة الهدى (عليهم السلام)، والنهوض بمستواها العلمي والمعرفي وتوسيع مساحتها كَمّاً وكيفاً؛ ولم يكن يبتغي لنفسه جاهاً أو شهرة في هذا الصرح العلمي العظيم، بل كان يُعرّف نفسه دائماً في ظل عظمة الحوزة والإسلام والتشيع وبخلوص تام من دنس الذات والأنانية.
استقلال الحوزة وثنائية “الأم والولد” لعلاقتها بالدولة
حضور: أشرتم في جانب من حديثكم إلى دغدغة الإمام الراحل وحساسيته البالغة حيال استقلال الحوزة العلمية وعدم تبعيتها للدولة. كيف كانت منهجية تعاطي الإمام مع العلماء والمراجع العظام في اتخاذ القرارات وإصدار التوجيهات بعد الثورة واستقرار نظام الجمهورية الإسلامية؟
الأستاذ نورمفيدي: إذا كان سؤالكم ينصب بالأساس على مرحلة ما بعد استقرار نظام الجمهورية الإسلامية؛ الحقبة التي كان الإمام فيها المرجع الأعلى الطوعي للأمة، وقائد الثورة الأوحد، والشخصية العالمية الكبرى؛ فإن مجموع الكلمات والمواقف الصادرة عنه يبرهن بوضوح على أنه كان يولي مسألة “استقلال الحوزة العلمية” أهمية بالغة واستثنائية؛ وهو مبدأ يمكن رصده على المستويين الهيكلي والفكري للحوزة.
على المستوى الهيكلي والمالي، كان الإمام يؤكد دائماً على وجوب حفظ استقلال الحوزة المالي وعدم تبعيتها للدولة؛ لكون الحوزة نهاداً شعبياً نابعاً من صلب الجماهير ويجب أن يُدار مالياً على ذات المنهجية التقليدية التراثية التي سار عليها السلف الصالح عبر الاعتماد على الحقوق الشرعية والوجوهات والصدقات الشعبية، لتظل الحوزة قريبة من آلام الناس وتطلعاتهم. ومن هنا عارض الإمام بشدة أي تدخل مالي من قِبل الحكومة في ميزانية الحوزة ورواتب طلابها. وعلى المستوى الفكري والإداري، أوكل الإمام تسيير وإدارة شؤون الحوزة ومناهجها لمراجع التقليد العظام المقيمين فيها. وحرص الإمام على صيانة هذا التمايز الفقهي؛ فحتی في مسألة ثبوت هلال العيد -والتي قد يقع الخلاف الفقهي حول ثبوتها- كان الإمام يبادر للإعلان عن العيد وتثبيته للناس بناءً على ثبوته لدى بقية مراجع التقليد الأفاضل وإن لم يثبت لديه فقهياً؛ وهناك شواهد ونماذج كثيرة تعكس هذا الخلق الرفيع والالتزام التام بصيانة مكانة المراجع واستقلال الحوزة.
غير أن استقلال الحوزة من منظور الإمام لم يكن يعني أبداً انعزالها وانقطاعها وصمتها حيال قضايا النظام الحاكم وشؤون العالم الإسلامي؛ بل كان يترقب من الحوزة أن تنهض بدور “الحامي الناصح والموجه المخلص”؛ لكون هذا النظام الفتي هو في الحقيقة وليد الحوزة العلمية؛ فقائد الثورة ومؤسسها خرج من صلب الحوزة، ومبانيها الفكرية والفقهية نُقحت ودُرست في الحوزات، والذين تصدوا لإدارتها وصيانتها تربوا وتخرجوا من مدارسها؛ ومن هنا فإن علاقة النظام بالحوزة هي علاقة الابن بأمه؛ والحوزة بمثابة الأم الدؤوبة والحريصة على رشد ولدها وصلاحه. وعليه، يجب على الحوزة دعم النظام ومساندته وفي الوقت ذاته مراقبة أدائه وتشخيص زلاته وأخطائه وتقديم النصح والتوجيه الصادق لعلاجها.
لقد التزم الإمام بمبدأ “حرية الرأي والبحث العلمي” وحرية التعبير داخل أروقة الحوزة وصيانتها كأصل حاكم؛ وبغض النظر عن بعض التصرفات الهامشية التي فرضتها ظروف الهييجان إبان استقرار الثورة، فإن الإمام نفسه كان يؤمن بوجوب صيانة حرية الفكر وتعدد الأنظار العلمية في الحوزة وحظر التعرض لأي باحث أو أستاذ يطرح نقداً علمياً. وفي تلك الأيام الشريفة، كانت آراء الإمام ونظرياته الفقهية والأصولية تتعرض للنقد العلمي الجاد والمناقشة المستفيضة في بعض دروس الخارج بقم، وحين كان يبلغه البعض تذمراً من إقدام فلان على نقد آرائه الفقهية، كان الإمام يستقبل الأمر برحابة صدر وبشاشة وجه وسرور علمي بالغ.
ومن هنا، يتعين علينا الحذر الشديد من الوقوع في فخ الإفراط والتفريط عند تبيين وتفسير مفهوم “استقلال الحوزة” في فكر الإمام؛ فتارة يفسر البعض هذا الاستقلال على أنه القطيعة التامة والانعزال الكامل للحوزة عن شؤون النظام وقضاياه المعاصرة، وتارة يفسرها البعض الآخر بطريقة تمحو معالم هذا الاستقلال بالكامل وتذيب الحوزة في كنف الدولة؛ وكلا التفسيرين جانبا الصواب وفشلا في فهم حقيقة الاستقلال في منهج الإمام الراحل.
الإمام الخميني وجبهة المتنسكين الجهلة والمقدسين المزيفين
حضور: أشرتم إلى رؤية الإمام الراحل حيال التحجر في حقبة الستينات الهجرية (الأربعينيات الميلادية). من منظوركم، ما هي التوجيهات، والتحذيرات، والمخاوف الكبرى التي كان يبديها الإمام حيال خطر التحجر في أروقة الحوزة العلمية؟
الأستاذ نورمفيدي: إن قضية التحجر والجمود الفكري تُمثّل بلا شك واحدة من كبرى هواجس ومخاوف الإمام الخميني منذ بدايات حياته العلمية، ولا يمكننا الادعاء بأن حساسيته حيال هذا الملف ولدت بعد انتصار الثورة الإسلامية؛ بل كان حجم حساسيته وعدائيته للتحجر والجمود مساوياً تماماً لحساسيته ورفضه للأفكار الالتقاطية المنحرفة. وقصة غسل كوز الماء الذي شرب منه الشهيد السيد مصطفى الخميني في مطلع الأربعينيات الميلادية (بسبب تدريس الإمام لمباحث الفلسفة والعرفان) هي واقعة معروفة تعكس عمق هذه المعاناة الحوزوية.
لقد كان الإمام عالماً مستنيراً يعرف معادلات العالم المعاصر عن كثب، ويتذوق حقيقة المعارف الدينية الصافية، وملماً بتاريخ الإسلام ومظلومية العترة الطاهرة؛ ومن هنا كان يدرك يقيناً أن خطر التحجر، والجمود، والتنسك الجاهل والزائف لا يقل خطورة وأثراً مدمراً عن خطر الالتقاط والانحرافات العقائدية الواضحة، بل قد يفوقها في كونه يضرب الأمة من الداخل. وفي مواضع ومناسبات شتى، بادر الإمام للتحذير من هذا الخطر؛ وموقفه الذي أشرت إليه في لقائه مع المراجع الثلاثة وتحذيره من مغبة ترك هؤلاء المتنسكين الجهلة يعبثون بالحوزة، يعكس عمق وعيه المبكر؛ إذ كان يرى أن إهمال تحجيم هؤلاء يماثل الدخول إلى ميدان العمل والجهاد بـ “أيدٍ مغلولة”، وبها لا يمكن تحقيق أي إنجاز أو خطوة إصلاحية.
وفي المراحل اللاحقة، وحين أطلق الإمام شرارة نهضته ونضاله المبارك، واجه هجمات وحملات شرسة جداً من قِبل جبهة المتنسكين الجهلة والمقدسين المزيفين؛ لكون الإمام يدرك أن قسماً من هؤلاء يمارس هذا الجمود بدافع الجهل والانحراف الفكري، بينما ينطلق القسم الآخر من أغراض ومآرب خبيثة لتوجيه الطعنات من الداخل وتشويه صورة الدين ونفور الناس منه في العالم المعاصر. ولهذا السبب دفع الإمام أثماناً وتضحيات باهظة جداً طوال حياته لمكافحة هذا الجمود والتحجر، وتعاظمت هذه التضحيات بوضوح بعد الثورة؛ فبعد إصداره لبعض الفتاوى والآراء الفقهية التجديدية في السنوات الأخيرة من عمره الشريف، أبدى بعض المتنسكين امتعاضاً وغضباً وقالوا بجهالة: “إن هذا السيد يهدم أحكام الشريعة الإسلامية ويطأها بالأقدام”.
إن الجمود الفكري والتحجر الحبيس لصفحات الكتب وأوراقها ينطوي يقيناً على مخاطر وسلبيات جمة، ولكن خطره يتعاظم ويصبح كارثياً حين يخرج من نطاق الفكر الفردي ليلج “عرصة التنفيذ وميدان الإجراء الفعلي”. ونحن نواجه معضلة الجمود والتصلب الفكري منذ فجر التاريخ الإسلامي؛ إذ تذخر المصادر برصد جماعات انطوت على هذا التصلب وكانت في درك وتناحر مستمر مع بقية آحاد الأمة وعلمائها. وتكشف لنا بعض الروايات الشريفة عن مستويات السطحية والجمود الفكري لدى بعض أصحاب الأئمة (عليهم السلام) ومحاولاتهم رمي بعضهم البعض بالشرك والكفر بسبب عقيدة معينة، فيأتي الإمام المعصوم (ع) ليصحح فهمهم ويقر تلك العقيدة الشريفة؛ مما يثبت أن الجمود ظاهرة قديمة ولها درجات ومستويات متباينة.
وتارة ينحصر الجمود في فكر فردي محض، وتارة ينهض صاحبه لتدوين هذا الجمود ونشره والتأثير على عقول الآخرين، وتارة يمتد هذا الجمود ليحكم سياسة الإجراء والعمل الفعلي، وهنا تكمن الطامة الكبرى والمفسدة العظمى. وصحيح أن تاريخ الفقه الشيعي يذخر بالمآثر والمفاخر العلمية التي تبعث على الاعتزاز والابتهاج، ولا يمكننا بخس جهود علمائنا الأفاضل أو اتهامهم بالتحجر لمجرد اتخاذهم احتياطات معينة في بعض الظروف المعقدة صيانة للحوزة الفتية (كما كان يصنع الشيخ عبد الكريم الحائري إبان تأسيس الحوزة ونشوئها حيث آثر الاحتياط والابتعاد عن بعض الساحات السياسية، وهو الموقف الذي دافع عنه الإمام مبيناً أن تأسيس الحوزة كان في حد ذاته إنجازاً يضاهي تأسيس الجمهورية الإسلامية).
ولكن بغض النظر عن هذه التقييمات، يمكننا رصد تباين منهجين بارزين طوال تاريخ زعامة الفقه الشيعي; فتارة ينهض فقيه كبير كالآخوند الخراساني (قدس سره) ليبدي مواقف وآراء واضحة وعميقة تتدفق في صلب العمل الاجتماعي والسياسي لتقود الأمة، وتارة يفضل فقهاء آخرون الانعزال والابتعاد عن هذه الساحات. وحين رأى الإمام الخميني بعد الثورة أن بعض الأفكار التي تحمل ركائز الجمود والتحجر تسعى للولوج لساحة الإجراء والعمل التنفيذي للدولة، انتفض بكل قواه وموقعه المرجعي ليقف بوجهها ويحذر الأمة والمسؤولين من أخطارها ومفاسدها المدمرة.
إن قضية التحجر تمثل غصة تاريخية وألماً مزمناً لحق بالفكر الإسلامي تارة بحبسه في زوايا الذهن وتارة بنقله لميدان العمل مسبباً أضراراً بالغة. ولذلك كان الإمام يواجه الأفكار والممارسات المتحجرة بكل صلابة وحزم. ومع ذلك، يتعين علينا الحذر الشديد لئلا نقع في مفسدة اتخاذ “التحجر” ذريعة لإقصاء الخصوم والمنافسين وتشويه صورتهم؛ إذ يغلب على مجتمعنا اليوم إطلاق التهم والألقاب جزافاً؛ فبمجرد اختلاف شخص في الرأي أو السليقة مع آخر يبادر لرميه بالتحجر والجمود، وبالعكس يبادر الطرف الآخر لرميه بالانحراف والالتقاط. ولهذا أكد الإمام الراحل على وجوب صيانة حياض الاختلاف العلمي المحترم، ومكافحة الانحراف والجمود بأساليب علمية، وحظر اتخاذ هذه العناوين أداة للتناحر والتخاصم بين التيارات والمشارب المختلفة السائرة في ركاب الثورة والبلاد.
تجربة القرن الأول لحوزة قم العلمية وعبر الإمام الخميني
حضور: ما هي التجارب، والعبر، والفوائد التي استخلصها الإمام الراحل من تجربة القرن الأول لحوزة قم العلمية؟
الأستاذ نورمفيدي: يشتمل هذا المبحث على شقين أساسيين:
الشق الأول: تمثل في حضور الإمام الخميني ومواكبته لحوزة قم العلمية منذ فجر تأسيسها؛ حيث يرتكز جزء من رصيده وعبره الفكرية على تأملاته العميقة ودراساته لتاريخ الحوزة وأحداثها الماضية، ويرتكز الشق الآخر على مشاهداته المباشرة ومعايشته لواقع الحوزة والبيوت المرجعية وعلماء الدين من الداخل.
الشق الثاني: تمثل في رصده وتفاعله مع الأحداث والتطورات الاجتماعية والسياسية المحيطة به في البلاد؛ إذ كان يواظب على متابعة شؤون المجتمع ومؤسساته، وله كلمة شهيرة يذكر فيها حضوره في مجلس الشورى الوطني ومتابعته لمناقشات النواب عن كثب وإبداء إعجابه الشديد بالشخصية الشامخة للشهيد السيد حسن المدرس. وكان يملك تعلقاً وثيقاً ببعض الشخصيات العلمائية والروحانية المعاصرة له، بينما يقف على مسافة وتباين من شخصيات أخرى، وهي تفاصيل ومقاربات تستدعي البحث التاريخي والتحليل السلوكي العميق لشخصيته الشريفة؛ إذ كانت بعض هذه التباينات تبدو جليلة وواضحة، بينما تظل طائفة أخرى خفية ومستترة.
وفي إطار علاقته بالمراجع الثلاثة، كان الإمام أكثر قرباً وصميمية وتعلقاً بالمرجع الديني السيد محمد تقي الخونساري (قدس سره)، وله كلمات ومواقف يشيد فيها بمجاهدة السيد الخونساري ومشاركته الفاعلة في جبهات الجهاد وأسره؛ بينما كانت علاقته بالمرجع السيد الصدر في مرتبة أدنى، ومع المرجع السيد الحجة أقل بكثير؛ مما يثبت أن حجم ومستوى ارتباطات الإمام بالمراجع والشخصيات كان يتبع بالأساس معيار المجاهدة، والصمود، والروح الثورية لديهم ومقارعة الجور.
لقد كان الإمام الخميني من أعرف الناس بمواطن القوة والضعف في الحوزة العلمية؛ لكونه عكف لسنوات طوال على دراسة مناسبات علماء الدين، والبيوتات المرجعية، والمؤسسات الفاعلة في الحوزة (وعلى رأسها نهاد المرجعية الدينية الشامخ)، والوقوف بدقة على خصائص وسلوكيات المتصدين لهذه الكيانات الحوزوية والشخصيات المؤثرة فيها. ولم يكن الإمام يبادر للتدخل أو إبداء المواقف ما لم يستشعر خطراً حقيقياً يهدد صيانة الدين والحوزة؛ وكان يؤثر العمل المصلح بأساليب هادئة بعيدة عن الضجيج والصخب لإصلاح الكثير من الشؤون؛ فمثلاً حيال القضايا المرتبطة بآليات توزيع الشريحة المالية إبان عهد الشيخ الحائري وما شاكل ذلك من الممارسات والسلوكيات، كان تعامل الإمام يتسم بالحكمة والمداراة والإصلاح الصامت. وتكرر هذا المنهج الحكيم في عهد المراجع الثلاثة والسيد البروجردي؛ فلم يكن يرتضي بعض الإجراءات ولكنه تجنب إثارة الجلبة والفرقة؛ وحين يستشعر عدم جدوى التنبيه أو يخشى استغلال الخصوم للخلاف الحوزوي كان يفضل الابتعاد والصمت صوناً للمصلحة العامة؛ وهناك شواهد تاريخية كثيرة تؤكد هذا السلوك الأخلاقي الرفيع.
إن معرفة الإمام الدقيقة والعميقة بشؤون الحوزة ومفاصلها كانت نتاجاً لمعايشته المباشرة لها منذ مطلع فجر تأسيسها، وتأملاته وبحوثه العميقة، والعبر والتجارب المستخلصها من الماضي؛ وهو ما مكنه من اتخاذ خطوات تأسيسية وبنيوية لإصلاح الحوزة من ركائزها وجذورها. ففي الأزمات والتحديات يسعى الجميع للإصلاح والتقويم بطبيعة الحال، ولكن تقتصر جهود طائفة على علاج القشور والفروع الهامشية الخارجية، بينما تتوجه جهود المصلحين الحقيقيين نحو اجتثاث الأسباب وعلاج الجذور؛ وكان الإمام الخميني هو المصلح الأبرز الذي استهدف علاج الجذور وإصلاح القضايا من بنيانها وأسسها العميقة؛ وهذا هو التمايز الجوهري بين الإمام وبين معاصريه؛ وهو المنهج الذي قاد لانتصار الثورة الإسلامية وتجلى بوضوح في إدارته لشؤون الحوزة وصيانتها.