الدرس السادس والأربعون، المقام الأول
الدرس السادس والأربعون
المقام الأول: دراسة وجود وعدم الكرامة الذاتية للإنسان – أدلة الكرامة الذاتية للإنسان – الدليل الثاني: الروايات – الروايات المعارضة – معالجة الطوائف الست الأخيرة – نتيجة الجواب العام – الأجوبة الخاصة
28 ذو القعدة 1446 هـ
كان مدار بحثنا حول أدلة الكرامة الذاتية للإنسان؛ وبعد استعراض الروايات الدالة على الكرامة الذاتية ضمن دليلنا الثاني، بيّنّا وقوع التعارض الظاهري بينها وبين أخبار وروايات أخرى دلت على انتفاء الكرامة الذاتية للإنسان. وقد فرغنا من بيان عشر طوائف روائية معارضة ادُّعي دلالتها على نفي الكرامة الذاتية للإنسان. ويسعى المطلب هاهنا لإيجاد وتوجيه سبل الجمع الائتلافي بين هاتين الطائفتين من الأخبار بدقة وصناعة.
معالجة الطوائف الست الأخيرة
ويظهر لنا إمكانية الجمع والائتلاف بين هذه الروايات لدفع التعارض الظاهري؛ ولتبيين معالم هذا الجمع وقواعده المعتمدة بالصناعة، لابد من الوقوف أولاً على نقاط ونكات منهجية بالغة الأهمية. وبناءً عليها، نتصدى هاهنا لدفع الإشكال عن الطوائف الست الأخيرة، بل وعن عموم الطوائف العشر المعارضة ببيان جواب موجز تالٍ وجواب كلي عام مشترك بالصناعة. وتوجد لبعض هذه الطوائف أجوبة اختصاصية مستقلة سنعرض لها بالذكر والتحقيق العلمي إن سمح الوقت بمشيئة الله. والنقاط المنهجية الممهدة هي:
النكتة الأولى
إن هذه الروايات المعارضة صِيغت في بيان أحكام وشؤون مطلقة من النفي؛ سواء ما تعلق بنجاسة الكفار، أو وجوب إهانتهم وتحقيرهم، أو حرمانهم من بعض الحقوق والضمانات. بيد أن القدر المسلم صناعة وفوق الخلاف أن هذه الإطلاقات اللفظية ممتنعة عن نيل القبول الإجماعي من قِبل الفقهاء بكليتها؛ بل يطرأ التقييد والتخصيص على سائر شؤونها وأفرادها. ومثاله التوضيحي: أن رواد نجاسة الكفار التي قرأناها في الجلسة السابقة، يقع تعميمها وحمل شمولها لخصوص أهل الكتاب محلاً للبحث والخلاف الواسع بين الأعاظم؛ لجهت ذهاب طائفة من المحققين لطهارة أهل الكتاب عيناً بالصناعة. وكذا يثور النزاع الفقهي في صيرورة هذه النجاسة تكوينية عينية ذاتية، أم خبثاً معنوياً باطنياً؛ وهل هي نجاسة ذاتية أم عرضية طارئة عارضة لما يباشرونه من النجاسات كخمر ولحم خنزير بموجب ما نبهت عليه طائفة من الأخبار عيناً؛ فجل هذه الإطلاقات محاطة بالبحث والنقاش المنهجي موضوعاً وحكماً في مصنفات القوم بالذات.
النكتة الثانية
الركن الثاني يتمثل في خلو هذه الروايات من تفصيل الفرز والتفرقة بين الجاهل القاصر والجاهل المقصر في الكفر؛ وحكم الكافر القاصر يباين حكم الكافر المقصر تباعداً كبيراً بالصناعة؛ وكذا الشأن يسير في سائر الفرق والنحل المنتسبة للملة من خوارج ونواصب وغلاة بالذات؛ ولا يصح إهمال هذا التفصيل المنهجي الخطير عند معالجة المطلب وعوارضه. ولتبيين وجه الحق في الأثر، نعرض لقراءة عبارة شريفة للإمام الخميني (قده) في الأصول: «إنّ الكفّار كجهّال المسلمين منهم قاصر، و هم الغالب، و منهم مقصّر. و التكاليف أصولا و فروعا مشتركة بين جميع المكلّفين عالمهم و جاهلهم، قاصرهم و مقصّرهم. و الكفّار معاقبون على الأصول و الفروع لكن مع قيام الحجّة عليهم لا مطلقا، فكما أنّ كون المسلمين معاقبين على الفروع ليس معناه أنّهم معاقبون عليها سواء كانوا قاصرين أم مقصّرين كذلك الكفّار طابق النعل بالنعل بحكم العقل و أصول العدليّة». فالكلام صريح في ضرورة التفرقة والفرز في رتبة العقاب والمسؤولية بين القاصر والمقصر؛ فرغم اشتراك التكليف في الأصول والفروع لعامة المكلفين قاطبة، إلا أن تفعيل العقاب والحكم مشروط بقيام الحجة عيناً بالصناعة؛ فيجري الحكم طابق النعل بالنعل في حق الكافر والمسلم بموجب العقل وأصول العدلية.
وبناءً على هذا التأصيل المنهجي، يعسر حمل شمول هذه الروايات وتعديتها لخصوص القاصرين من الكفار والمخالفين وسائر الفئات؛ وهو مبحث غاية في الأهمية. وحتّى لو سلمنا بجرائمها وسريان تضييقها ومحروميتها لخصوص الكفرة المقصرين بالصناعة؛ فإن التفصيل المذكور يحد من دائرة وسعة هذه الأحكام والوظائف والمحدوديات؛ لينحصر جريانها في فئة يسيرة من الخلق بدلاً من تعميمها لعامة الكفار قاطبة بالذات.
النكتة الثالث
يتعين علينا رعاية حقيقة وجود مرتبة وحيز واسع يمثل واسطة بين دائرة الإسلام ودائرة الكفر عيناً؛ فالسبر العقلي يمنع انحصار التقسيم الوجودي الثنائي في مقولة: “الإنسان إما مسلم وإما كافر” بالكلية؛ لكون السواد الأعظم من الخلق لا يدينون بالإسلام تكويناً، غير أنهم خارجون عينا عن حدود الكفر المعاند والخصومة؛ فهم مترددون أو شاكون من غير عناد وخصومة. فمتى التزمنا بوجود هذه الواسطة والمنزلة المتوسطة (وهي رتبة تحكم السواد الأعظم من مجتمعات عالمنا المعاصر عيناً)، لزمنا بالصناعة إعادة النظر في شمول هذه الأدلة والروايات لعامة غير المسلمين قاطبة؛ لكون المتبادر من نصوص الكفر هو المعاند المعارض فحسب دون غيره بالذات.
النكتة الرابعة
ويجب علينا التفكيك والفرز المنهجي في حقيقة الكفار، خلافاً للاصطلاح الشائع بين الفقهاء القاضي بتقسيم الكافر لثنائي: إما ذمي وإما حربي؛ فيصيّرون الكافر الحربي اسماً وعنواناً لكل كافر غير ذمي بالتمام. وقد أسلفنا التعرض لهذا التفصيل في المباحث الماضية ونبهنا لعدم تماميته بالصناعة؛ فالكفار المعاهدون والذميون هم الخاضعون لشرائط الذمة وبذل الجزية لتأمين حمايتهم؛ والكفار الحربيون هم الفئة الناصبة للقتال والمباشرة للحرب ضد المسلمين؛ غير أن هاهنا قسماً وثالثاً للبشر يباين الكافر الحربي والذمي بالتمام عيناً، ويمتنع إلحاق أحكامه بأحدهما بالصناعة؛ ومفاده الفئات والكفار المعاصرون الذين يخلون من حال الحرب والقتال، وفي الوقت ذاته لا يخضعون لعقد الذمة وموافقة الشروط؛ فهم في مسار مهادنة وسلام تكويني من غير حرب ولا صلح ولا معاهدة بالذات. فهل يصح تنزيل سائر الأحكام والتضييقات المقررة في حق الكافر الحربي المعتدي وتعديتها لعموم هذا الصنف والواسطة؟ يمتنع ذلك بالوجدان.
النكتة الخامسة
لقد أوضحنا في معرض دراستنا للطوائف الأربع الأولى من الأخبار المعارضة أن لسان طائفة المنع والحظر قد يتوجه عيناً لحالة كون المعاونة والإحسان مؤدياً ورافداً لتقوية جبهة الكفر وعلو شوكته خارجاً بالصناعة؛ ومتى خلا الفعل من هذا العنوان والعلة الحاكمة، ارتفع الحظر والنهي وبقي على أصل الإباحة عيناً. وهذا النظر يتعين رعايته وإجرائه في معالجة هذه الطوائف الست الأخيرة أيضاً؛ لكون عمدة هذه المحدوديات والخصومات مساقة بالذات لمنع شيوع الكفر وتسربه لبيئة المسلمين وحفظ حدود العقيدة وتوهين الباطل. ومثاله التوضيحي عيناً: طائفة الروايات الآمرة بالبغض والعداوة القلبية للكفار والناهية عن وداهم ومحبتهم؛ حيث تنهض القرائن السياقية لإرادة منع حصول الانجذاب العقدي للمسلمين والوقوع تحت تأثير باطلهم لئلا يخرجوا عن الملة بالتدريج؛ فالشارع يسعى لحظر وقطع سائر المقدمات للانحراف العقدي والمسلكي للمسلم بالتمام.
ونظير ذلك يجري في طائفة الروايات الناهية عن نكاح المسلم للكتابية والمشركة بالذات؛ لرعاية كلا الأمرين: منع تأثر الكيان العائلي المسلم بباطلهم، وتجنب ذوبان عقيدة الولد في الكفر، وإقامة التضييق المنهجي المشروع للكفرة بالصناعة؛ والتقييد والتحديد في شؤون المعاشرة والنكاح أمر تقره القوانين التكوينية والمنظومات الإدارية للمجتمعات الإنسانية رعاية لأمنها ومقاصدها العامة، ولا يستلزم بالوجدان وصمه بالتعدي ونفي الكرامة الإنسانية الذاتية للعبد بالتمام.
النكتة السادسة
إن ظاهر هذه الطوائف من الأخبار والمعاملات -مع غض النظر عن مسار العقوبات والحدود التي سنفصلها لاحقاً- يؤول بالذات لتأسيس محدودیات وتضييقات واضحة لخصوص طائفة من البشر رعاية لغايات الهداية والتنبيه والردع؛ بمعزل عن الأبعاد الأخروية وعقاب يوم القيامة. ونحن هاهنا بمعزل عن موازنة الوعيد والجزاء الأخروي للعبد؛ بيد أن الكلام يدور مدار حرمان الكافر من الإرث، وامتناع قبول شهادته، وحظر نكاحه؛ وهي شؤون تنهض لبيان امتيازات وشرافات خاصة تتقرر للمسلم الملتزم بالبند والعهد الإلهي، قبل صيرورتها تضييقاً وحظراً موجهاً للكافر بالذات. فالشريعة تقر وتلزم المسلم بامتناع نقل ماله للكافر بالوجدان، وتنهى عن نكاحه؛ وهو تنظير قانوني داخلي للمجتمع العقدي يماثل لوائح المنظمات الإدارية المخصصة لأعضائها بالتمام. وكونها حظراً عاماً يهدف لردع الكفار وتنبيههم لغواية طريقهم الكفري لا ينافي بالصناعة الكرامة الذاتية والتكريم التكويني الموهوب للإنسان؛ بل هو تضييق يقع في جبهة العقوبات العامة للتوهين والردع.
النكتة السابعة
وعلى أي حال، حتى لو تنزلنا وسلمنا بجريان هذه المحدوديات لكافة الأصناف خارجاً، فإنها ممتنعة عن منافاة وتعارض الكرامة الذاتية للإنسان بحدود قلمورها المقرر والمبين بالصناعة عندنا. فالتزامنا بالكرامة الذاتية لا يقتضي بالضرورة رعاية وقبول سائر ما تدعيه القوانين الوضعية من الحقوق المفتقرة للمنبت الفطري التكويني؛ كحق الشواذ في اختيار الرذيلة، وحق الملحد في بث سموم الكفر والإفساد المعرفي للمجتمع؛ فتلك دعاوى واهية تأباها جبلة العبد بالوجدان. بل المتقرر عندنا هو رعاية الحقوق الطبيعية الأساسية المتولدة عيناً عن الأصول التكوينية الثلاثة: العقل، والإرادة والحرية، والمشاعر الإنسانية بالذات؛ ولا يصح تضييقها أو نفيها بغير معارض شرعي معتمد؛ وليس في طيات هذه الأخبار المعارضة ما يصادم هذه الأصول والحقوق الطبيعية الأساسية عيناً؛ وسنبين ذلك لاحقاً في معترك بحث القلمور والحدود بالصناعة.
وتساهم هذه النقاط السبع المنهجية مساهمة كبرى في رفع تعارض هذه الأخبار وتأويل دلالتها بالتمام؛ لكونها تخرج جل الروايات المعارضة من حيز الخصومة مع نصوص الكرامة بالوجدان. وتبقى طائفة مجازاة الكفار الجناة والغلاة، وهي من شؤون العقوبات والحدود الشرعية المقررة بالصناعة، ولها تفصيل وتوجيه سنذكره في محله. غير أن بعض الروايات المأثورة في الجلسة السابقة تستوجب جواباً اختصاصياً مستقلاً؛ كروايات اللعن، وروايات البهتان، وروايات استباحة مال الناصب، ونجاسة المشرك؛ وهي طوائف تفتقر لمزيد تفصيل وتحقيق فقهي لدفع التوهم بالصناعة.
نتيجة الجواب العام
وبموجب هذا الجواب العام المشترك، يخرج السواد الأعظم من غير المسلمين بقرينة تلك النقاط المنهجية عن شمول هذه الروايات المعارضة وتضييقاتها؛ لينحصر مضمونها وجريان حكمها في طائفة يسيرة جداً من الخلق بالذات؛ وهو انحصار مقبول وقابل للتوجيه عيناً؛ لكون أولئك المتخلفين المنحصرين يمثلون جبهة المحاربة والخصومة وبث الشبهات لإفساد العقيدة وتوهين أركان الشريعة، أو يتصفون بالعناد واللجاج والمجاهدة الفعلية للمسلمين وهداة الدين؛ فصناعة فرض التضييق والحد في مواجهتهم تقع عيناً في جبهة العقاب والجزاء والردع; تماماً كالعقوبات والحدود الجارية في حق الجناة والمجرمين في المنظومات العقلائية والوضعية؛ وهو مسلك مقبول ومرعى بالتمام. وإن جرى تضييق حرياتهم ومحروميتهم عقاباً للجناية وعلو الإفساد، إلا أن هذا التناسب والحد المقر بين الجرم والجزاء، يؤكد رعاية شؤونهم الإنسانية؛ لكون واجب تلبية متطلباتهم الحياتية والضرورات الطبيعية كحق السقي وحفظ الرمق باقياً بفعليته وقوته عيناً بتقدير الشارع؛ ويمتنع تجاوزه بالصناعة. ومنه يثبت انتفاء التعارض الكلي والخصومة بين تلك الأخبار ونصوص الكرامة الذاتية؛ وهذا مجمل تقرير الجمع والنتيجة العامة بالصناعة.
الأجوبة الخاصة
وفضلاً عن هذا التوجيه الكلي العام المشترك، يتهيأ لنا صياغة أجوبة وتوجيهات اختصاصية تفصيلية حيال جل هذه الطوائف الروائية المعارضة، ونعرض لذكرها بالترتيب:
1. الطائفة الخامسة
يظهر بالدقة في طائفة الأخبار الخامسة المعنية بلزوم البغض والعداوة للكفار والأعداء وحظر توددهم، اشتمال سياقها عيناً على إشعار بتعليق الحكم ودورانه مدار وصف الكفر والجحود بالذات؛ فقوله (ع): «مَنْ أَحَبَّ كَافِراً» أو «مَنْ أَبْغَضَ كَافِراً»، يشي بكون البغض والحظر معلولاً لوصف الكفر؛ فيتبغض الكافر لكفره وجحوده، لا بمطلق كينونته وشخصه عيناً. فالمنظور ليس نفي المودة الشخصية والعلاقة الإنسانية الطبيعية الصرفة؛ بل حظر المودة والتعلق المفضي لتقوية معسكر كفره، وتلافي الانجذاب العقدي المؤثر في نفس العبد المسلم؛ فنهي الشارع يتجه لدفع خطر الانحراف وحماية حدود العقيدة الشريفة للعبد من اللغوز والفتنة بالصناعة.
2. الطائفة السادسة
تندرج الطائفة السادسة المشتملة على الأخبار المجوزة لإلقاء البهتان والاتهام الصوري في حق أصحاب الريب والبدع، تحت توجيهات رصينة تخرجها عن حيز التعارض بالذات:
أولاً: قوله (ص) في الخبر الشريف: «إِذَا رَأَيْتُمْ أَهْلَ الرَّيْبِ وَ الْبِدَعِ مِنْ بَعْدِي»؛ فالكلام ناظر لخصوص من يعقبون عهده (ص) بإثارة الشبهات وتأسيس الانحرافات والبدع العظمى في الدين؛ لكون أصحاب الريب والبدع متواجدين في عهده وعصره عيناً، غير أن تقييد النهي بـ «مِنْ بَعْدِي» يهدف بالدقة لرفع حساسية المسلمين وتنبيههم لخطورة أولئك النفر المبتدعين الذين يضعون أركان انحراف عقدي فسيح يهلك الشريعة كشأن بدع وتحريفات الشرائع السالفة (موسى وعيسى ع)؛ فذمهم والوقيعة في حقهم يتناسب مع عظم جنايتهم وموقعهم التأسيسي للباطل الهدام، ولا يستلزم التعدي لعموم ذوي الشبهات اليسيرة أو غير المبتدعين بالصناعة.
ثانياً: قوله: «فَأَظْهِرُوا الْبَرَاءَةَ مِنْهُمْ»؛ وإظهار البراءة والتباعد عن أهل البدع مطلوب عقلائياً وشرعياً لغرض فرز الصفوف وصيانة عقائد العامة، ولا قبح فيه بالوجدان.
ثالثاً: قوله: «وَ أَكْثِرُوا مِنْ سَبِّهِمْ وَ الْقَوْلِ فِيهِمْ وَ الْوَقِيعَةِ»؛ وعمدة الإشكال يكمن في قوله بـ «أَكْثِرُوا مِنْ سَبِّهِمْ»؛ لكون السب لغة دشن في الفحش والتقريع البذيء؛ وهو ما يفتقر لتوجيه علمي دقيق بالصناعة؛ لكون لزوم الإكثار من السب يباين بظاهره نصوصاً مستفيضة تنهى صراحة عن السب والتقريع في القرآن والسنة؛ كحظر سب آلهة المشركين لئلا يسبوا الله عدواً بغير علم، ونهي الوصي (ع) لجيشه بصفين عن سب أصحاب معاوية وجند الشام. فبقرينة هذه الملازمات الصريحة، يتعين حمل السب هاهنا على بيان معايبهم وهتك ستر انحرافهم وفسادهم لئلا ينخدع الناس بباطلهم؛ أو قصر الحكم على أولئك المؤسسين للضلال الهدام اللاحق لعهده (ص)؛ فلا يتعدى لعامة العباد، ويبقى حظر السب ثابتاً للجميع.
السؤال: …
الأستاذ: لقد أوضحت سابقاً انحصار هذا الحكم بالصنف التأسيسي والفرقة المبتدعة الهدامة اللاحقة لعهده (ص)، التي تضع بذور الانحراف والبدع الهدامة للأجيال اللاحقة بالتمام… فالنهي والوقيعة تتناسب مع شدة فسادهم وقبح صنيعهم الهدام عيناً.
رابعاً: قوله: «وَ بَاهِتُوهُمْ»؛ والبهتان هاهنا محل عريض للخلاف؛ فذهب جملة من الأعاظم كصاحب الوافي الفيض الكاشاني والمجلسي في البحار لحمل البهتان على معنى الإفحام والإسكات والمجابهة بالحجج البالغة التي تبهتهم وتخرس ألسنتهم بالحق؛ فلا يراد به الكذب والافتراء الصوري بالذات؛ وعليه يسقط الإيراد بالوجدان.
خامساً: التعليل الرباني والنبوي المقر: «كَيْ لَا يَطْمَعُوا فِي الْفَسَادِ فِي الْإِسْلَامِ»؛ ومفاده أن سائر هذه التدابير مخصصة لغرض دفع فتنتهم وكسر طمعهم في إفساد الدين؛ فمن سلك مسلك الإفساد العقدي وهدم أركان الملة واجهته الشريعة بهذه العقوبات والردع عيناً؛ ولا يمس هذا الحكم عموم الكرامة والرفق البشري للنفوس الطاهرة بمعزل عن الإفساد.
سادساً: حتى في شأن هؤلاء المفسدين، لم يرد نهي عن تلبية ضروراتهم المادية كالمأكل والملبس وحق السقي، بل انحصر العقاب والردع في مساحة إسقاط هيبتهم المعنوية فحسب؛ فحق حيواتهم مصون بالتمام.
سابعاً: قوله: «وَ يَحْذَرَهُمُ النَّاسُ وَ لَا يَتَعَلَّمُونَ مِنْ بِدَعِهِمْ»؛ لغرض صيانة الأمة وتحذيرها من غواية بدعهم بالصناعة.
إذن، فمعارضة طائفة البهتان والسب لأخبار الكرامة مندحرة بالتمام بموجب هذه التفاصيل الفقهية.
3. الطائفة السابعة
وأما في مساحة طائفة الروايات السابعة الدالة على جواز أو لزوم اللعن والطرد:
أولاً: يقع الخلاف الفقهي واللغوي في صيرورة اللعن اهانت وتوهيناً عيناً بالصناعة؛ لكون اللعن لغة يؤول لطلب الطرد والدعاء بالبعد عن الرحمة الإلهية؛ ومآله يرجع للنفرين والدعاء بالخسار والعدم؛ واللعن بموجب نظر الأغلبية الساحقة من أهل العرف العام والخاص، خارج عن حيز السب الفاحش وتوجيه الإهانة البذيئة المسقطة للكرامة الشخصية بالذات. فمتى تنزه اللعن عن الإهانة الصورية بالصناعة، بطلت معارضته لنصوص الكرامة الذاتية بالوجدان.
ثانياً: لو سلمنا بكون اللعن لوناً من الإهانة والتصغير، فإن الوارد في الأخبار هو جواز اللعن للظالمين والغلاة والمبتدعين، وليس وجوباً شرعياً مأثوراً على الأعيان؛ فالشارع أتاح مكنة الدعاء بالطرد عن الرحمة لغرض الردع وإبراز استقباح الصنيع؛ وهو صنيع الباري عيناً في كتابه: «أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ»؛ ولا ريب في أن طرد الجاني المفسد عن الرحمة والفضل الإلهي جزاء وفاقاً لصنيعه في الدنيا لا يصادم ركائز كرامته التكوينية الذاتية الموهوبة له بموجب خلقه الأصيل بالصناعة.
السؤال: …
الأستاذ: عبارة «أكثروا السب» بموجب قرائن السياق وحكم العقل والشرع، ممتنعة عن حملها على السب الفاحش والبذاءة اللفظية المقبوحة بالوجدان؛ بل مآلها كشف عوار بدعتهم وإبراز فساد منهجهم للعامة عيناً… وحمل السب على هذا المعنى بقرينة السياق سائغ وقبول بالتحقيق الفقهي بالذات. وصرنا سابقاً لتوجيه السب والبهتان بالمعاني السالفة، ونبهنا لكون الحكم مقيداً بخصوص الطغاة والمبتدعين الكبار واضعي بذور الضلال؛ فلا تعارض بالصناعة… مع صيانة ضروراتهم الحيوية والمعاشية كحق السقي والطعام المقر لعامة النفوس التكوينية. والتزامنا بالكرامة الذاتية يقع في حدود فطرية تكوينية معللة بالصناعة عيناً.
4. الطائفة الثامنة
تشتمل الطائفة الثامنة على الأخبار والآثار الدالة على لزوم صغار وإذلال أهل الذمة عند استيفاء الجزية؛ بموجب قوله (ع): «لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُمْ بِهِ حَتَّى يُسْلِمُوا فَإِنَّ اللَّهَ قَالَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَ هُمْ صاغِرُونَ، وَ كَيْفَ يَكُنُ صَاغِراً وَ هُوَ لَا يَكْتَرِثُ لِمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ حَتَّى لَا يَجِدَ ذُلًّا لِمَا أُخِذَ مِنْهُ فَيَأْلَمَ لِذَلِكَ فَيُسْلِمَ…»؛ فإلزامهم بالصغار والذل في جباية المال حكم شديد تنهض دلالته بظاهره لنفي الكرامة عنهم عيناً.
غير أننا بالرجوع لأدلة الباب وموازنتها، نجد ورود سيرة شريفة وأخبار مستفيضة للمعصومين (ع) تقرر حسن معاشرتهم ورفق المعاملة معهم خارجاً. وحصول التفويض للإمام (ع) بتعيين مقدار الجزية وصناعة استيفائها يكشف عن انتفاء كونه حكماً تكوينياً دائمياً بل هو راجع للمصلحة والسياسة الشرعية للحاكم؛ بموجب قوله (ع): «ذَلِكَ إِلَى الْإِمَامِ يَأْخُذُ مِنْ كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ مَا شَاءَ عَلَى قَدْرِ مَالِهِ مَا يُطِيقُ»؛ فهو حكم واجد لصبغة ولائية تتبع تدبير الحاكم ورأيه؛ ومقتضاه صيرورة الإذلال والصغار عقوبة ردعية مخصصة بحالات التمرد والخروج عن التعهدات، وجزاءً وفاقاً لعدوانهم ومكابرتهم، وليس أصلاً تشريعياً عاماً مبدئياً لكافة أحوالهم بالصناعة.
السؤال: …
الأستاذ: يصح حمل الأمر على باب التأديب والسياسة الشرعية… وهو من شؤون منزلة الإمام وسلطانه؛ وجريانه في عصر الغيبة لخصوص الولي الفقيه الجامع للشرائط محل بحث في بابه…
5. الطائفة التساعية
وأما طائفة الأخبار التاسعة الدالة على نجاسة الكفار والمشركين؛ فقد سلف لنا تبيين دلالتها بالصناعة؛ وحمل النجاسة هاهنا على النجاسة العارضية الطارئة الناشئة عن مباشرتهم للخمر والنجاسات ولحم الخنزير مستقيم ومقبول عند ثلة من الأعاظم؛ ومتى ثبتت عرضية النجاسة انتفت منافاتها ومعارضتها للتكريم التكويني والكرامة الذاتية للعبد بالتمام؛ تماماً كالمريض المبتلى بعوارض سارية يأمر الأطباء باجتنابه وتلافي ملاقاته حماية للنفوس؛ والاجتناب لا يحط من كرامته الإنسانية أصلاً. وبطبيعة الحال، فإن هذا التوجيه مبنائي لا يستقيل القول به عند الالتزام بالنجاسة العينية الذاتية للكافر عيناً.
6. الطائفة العاشرة
وتتكفل الطائفة العاشرة -المستوعبة لجموع الأبواب والوجوه الفرعية الموصوفة بالشدة والحد مع الخصوم والكفار كحظر الإرث وشهادة الكافر واسترقاقه وإباحة دم الناصب وماله- ببيان أحكام تنهض بالصناعة كحدود وعقوبات للجناية والعدوان، أو صياغة ضوابط داخلية للمجتمع الإيماني؛ فمنع المسلم من تمليك ماله للكافر إرثاً أو حظر نكاحه يؤول لتأسيس حدود وضوابط معاملية للمسلم عيناً بالذات. وأما استباحة دم الناصب المحارب وماله بموجب قوله (ع): «عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَمَّارٍ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (ع): مَالُ النَّاصِبِ وَ كُلُّ شَيْءٍ يَمْلِكُهُ حَلَالٌ لَكَ إِلَّا امْرَأَتَهُ، فَإِنَّ نِكَاحَ أَهْلِ الشِّرْكِ جَائِزٌ، وَ ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ (ص) قَالَ: لَا تَسُبُّوا أَهْلَ الشِّرْكِ فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ نِكَاحاً»؛ فيندرج في سياق عقاب ومصادرة أموال الجناة والمارقين المباشرين لعدوان الحرب والإفساد؛ ومصادرة أموال البغاة والمفسدين قاعدة عقلائية مرعية في سائر قوانين المعمورة؛ فلا تباين الكرامة الذاتية بالذات. بل والآية والخبر ينهضان شاهداً لمدعانا عيناً بقرينة قوله: «فَإِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ نِكَاحاً» ونهيه الصريح عن قذفهم وسب أعراضهم ونسبهم بالفاحشة؛ لكون صيانة النسب وحظر السب يثبت للعبد بموجب كرامته الإنسانية وضرورة رعاية حرمته وعرضه بالصناعة.
إذن، فمعارضة سائر هذه الطوائف الست الأخيرة لأدلة الكرامة الذاتية مندفعة بالتمام بالصناعة والجمع المأثور.
بحث الجلسة المقبلة
لقد فرغنا حتى الآن من موازنة دليلي الكتاب والسنة، وتوجيه الجمع الائتلافي مع جل الآيات والأخبار المعارضة بالصناعة. ويتبقى لدينا المورد الثالث وهو “الدليل العقلي”؛ حيث يتهيأ لنا تأسيس وإثبات مدعى الكرامة الذاتية بحكم العقل أيضاً بالصناعة. وسنعقد مباحث الجلسة المقبلة لتبيين الدليل العقلي وصياغة معالمه الوجودية، تمهيداً لعقد خلاصة جامعة لقلمور الكرامة الذاتية والوظائف المترتبة عليها بمشيئة الله تبارك وتعالى.