الدرس الخامس والأربعون، المقام الأول
الدرس الخامس والأربعون
المقام الأول: دراسة وجود وعدم الكرامة الذاتية للإنسان – أدلة الكرامة الذاتية للإنسان – الدليل الثاني: الروايات – الروايات المعارضة – دراسة الطوائف الست الأخيرة – سبع نقاط – الجواب العام
27 ذو القعدة 1446 هـ
كان مدار بحثنا حول أدلة الكرامة الذاتية للإنسان؛ وبعد استعراض الروايات الدالة على الكرامة الذاتية ضمن دليلنا الثاني، بيّنّا وقوع التعارض الظاهري بينها وبين أخبار وروايات أخرى دلت على انتفاء الكرامة الذاتية للإنسان. وقد فرغنا من بيان عشر طوائف روائية معارضة ادُّعي دلالتها على نفي الكرامة الذاتية للإنسان. ويسعى المطلب هاهنا لإيجاد وتوجيه سبل الجمع الائتلافي بين هاتين الطائفتين من الأخبار بدقة وصناعة.
دراسة الطوائف الست الأخيرة
ويظهر لنا إمكانية الجمع والائتلاف بين هذه الروايات لدفع التعارض الظاهري؛ ولتبيين معالم هذا الجمع وقواعده المعتمدة بالصناعة، لابد من الوقوف أولاً على نقاط ونكات منهجية بالغة الأهمية. وبناءً عليها، نتصدى هاهنا لدفع الإشكال عن الطوائف الست الأخيرة، بل وعن عموم الطوائف العشر المعارضة ببيان جواب موجز تالٍ وجواب كلي عام مشترك بالصناعة. وتوجد لبعض هذه الطوائف أجوبة اختصاصية مستقلة سنعرض لها بالذكر والتحقيق العلمي إن سمح الوقت بمشيئة الله. والنقاط المنهجية الممهدة هي:
النكتة الأولى
إن هذه الروايات المعارضة صِيغت في بيان أحكام وشؤون مطلقة من النفي؛ سواء ما تعلق بنجاسة الكفار، أو وجوب إهانتهم وتحقيرهم، أو حرمانهم من بعض الحقوق والضمانات. بيد أن القدر المسلم صناعة وفوق الخلاف أن هذه الإطلاقات اللفظية ممتنعة عن نيل القبول الإجماعي من قِبل الفقهاء بكليتها؛ بل يطرأ التقييد والتخصيص على سائر شؤونها وأفرادها. ومثاله التوضيحي: أن رواد نجاسة الكفار التي قرأناها في الجلسة السابقة، يقع تعميمها وحمل شمولها لخصوص أهل الكتاب محلاً للبحث والخلاف الواسع بين الأعاظم؛ لجهت ذهاب طائفة من المحققين لطهارة أهل الكتاب عيناً بالصناعة. وكذا يثور النزاع الفقهي في صيرورة هذه النجاسة تكوينية عينية ذاتية، أم خبثاً معنوياً باطنياً؛ وهل هي نجاسة ذاتية أم عرضية طارئة عارضة لما يباشرونه من النجاسات كخمر ولحم خنزير بموجب ما نبهت عليه طائفة من الأخبار عيناً؛ فجل هذه الإطلاقات محاطة بالبحث والنقاش المنهجي موضوعاً وحكماً في مصنفات القوم بالذات.
النكتة الثانية
الركن الثاني يتمثل في خلو هذه الروايات من تفصيل الفرز والتفرقة بين الجاهل القاصر والجاهل المقصر في الكفر؛ وحكم الكافر القاصر يباين حكم الكافر المقصر تباعداً كبيراً بالصناعة؛ وكذا الشأن يسير في سائر الفرق والنحل المنتسبة للملة من خوارج ونواصب وغلاة بالذات؛ ولا يصح إهمال هذا التفصيل المنهجي الخطير عند معالجة المطلب وعوارضه. ولتبيين وجه الحق في الأثر، نعرض لقراءة عبارة شريفة للإمام الخميني (قده) في الأصول: «إنّ الكفّار كجهّال المسلمين منهم قاصر، و هم الغالب، و منهم مقصّر. و التكاليف أصولا و فروعا مشتركة بين جميع المكلّفين عالمهم و جاهلهم، قاصرهم و مقصّرهم. و الكفّار معاقبون على الأصول و الفروع لكن مع قيام الحجّة عليهم لا مطلقا، فكما أنّ كون المسلمين معاقبين على الفروع ليس معناه أنّهم معاقبون عليها سواء كانوا قاصرين أم مقصّرين كذلك الكفّار طابق النعل بالنعل بحكم العقل و أصول العدليّة». فالكلام صريح في ضرورة التفرقة والفرز في رتبة العقاب والمسؤولية بين القاصر والمقصر؛ فرغم اشتراك التكليف في الأصول والفروع لعامة المكلفين قاطبة، إلا أن تفعيل العقاب والحكم مشروط بقيام الحجة عيناً بالصناعة؛ فيجري الحكم طابق النعل بالنعل في حق الكافر والمسلم بموجب العقل وأصول العدلية.
وبناءً على هذا التأصيل المنهجي، يعسر حمل شمول هذه الروايات وتعديتها لخصوص القاصرين من الكفار والمخالفين وسائر الفئات؛ وهو مبحث غاية في الأهمية. وحتّى لو سلمنا بجرائمها وسريان تضييقها ومحروميتها لخصوص الكفرة المقصرين بالصناعة؛ فإن التفصيل المذكور يحد من دائرة وسعة هذه الأحكام والوظائف والمحدوديات؛ لينحصر جريانها في فئة يسيرة من الخلق بدلاً من تعميمها لعامة الكفار قاطبة بالذات.
النكتة الثالث
يتعين علينا رعاية حقيقة وجود مرتبة وحيز واسع يمثل واسطة بين دائرة الإسلام ودائرة الكفر عيناً؛ فالسبر العقلي يمنع انحصار التقسيم الوجودي الثنائي في مقولة: “الإنسان إما مسلم وإما كافر” بالكلية؛ لكون السواد الأعظم من الخلق لا يدينون بالإسلام تكويناً، غير أنهم خارجون عيناً عن حدود الكفر المعاند والخصومة؛ فهم مترددون أو شاكون من غير عناد وخصومة. فمتى التزمنا بوجود هذه الواسطة والمنزلة المتوسطة (وهي رتبة تحكم السواد الأعظم من مجتمعات عالمنا المعاصر عيناً)، لزمنا بالصناعة إعادة النظر في شمول هذه الأدلة والروايات لعامة غير المسلمين قاطبة؛ لكون المتبادر من نصوص الكفر هو المعاند المعارض فحسب دون غيره بالذات.
النكتة الرابعة
ويجب علينا التفكيك والفرز المنهجي في حقيقة الكفار، خلافاً للاصطلاح الشائع بين الفقهاء القاضي بتقسيم الكافر لثنائي: إما ذمي وإما حربي؛ فيصيّرون الكافر الحربي اسماً وعنواناً لكل كافر غير ذمي بالتمام. وقد أسلفنا التعرض لهذا التفصيل في المباحث الماضية ونبهنا لعدم تماميته بالصناعة؛ فالكفار المعاهدون والذميون هم الخاضعون لشرائط الذمة وبذل الجزية لتأمين حمايتهم؛ والكفار الحربيون هم الفئة الناصبة للقتال والمباشرة للحرب ضد المسلمين؛ غير أن هاهنا قسماً وثالثاً للبشر يباين الكافر الحربي والذمي بالتمام عيناً، ويمتنع إلحاق أحكامه بأحدهما بالصناعة؛ ومفاده الفئات والكفار المعاصرون الذين يخلون من حال الحرب والقتال، وفي الوقت ذاته لا يخضعون لعقد الذمة وموافقة الشروط؛ فهم في مسار مهادنة وسلام تكويني من غير حرب ولا صلح ولا معاهدة بالذات. فهل يصح تنزيل سائر الأحكام والتضييقات المقررة في حق الكافر الحربي المعتدي وتعديتها لعموم هذا الصنف والواسطة؟ يمتنع ذلك بالوجدان.
النكتة الخامسة
لقد أوضحنا في معرض دراستنا للطوائف الأربع الأولى من الأخبار المعارضة أن لسان طائفة المنع والحظر قد يتوجه عيناً لحالة كون المعاونة والإحسان مؤدياً ورافداً لتقوية جبهة الكفر وعلو شوكته خارجاً بالصناعة؛ ومتى خلا الفعل من هذا العنوان والعلة الحاكمة، ارتفع الحظر والنهي وبقي على أصل الإباحة عيناً. وهذا النظر يتعين رعايته وإجرائه في معالجة هذه الطوائف الست الأخيرة أيضاً؛ لكون عمدة هذه المحدوديات والخصومات مساقة بالذات لمنع شيوع الكفر وتسربه لبيئة المسلمين وحفظ حدود العقيدة وتوهين الباطل. ومثاله التوضيحي عيناً: طائفة الروايات الآمرة بالبغض والعداوة القلبية للكفار والناهية عن وداهم ومحبتهم؛ حيث تنهض القرائن السياقية لإرادة منع حصول الانجذاب العقدي للمسلمين والوقوع تحت تأثير باطلهم لئلا يخرجوا عن الملة بالتدريج؛ فالشارع يسعى لحظر وقطع سائر المقدمات الممهدة للانحراف العقدي والمسلكي للمسلم بالتمام.
ونظير ذلك يجري في طائفة الروايات الناهية عن نكاح المسلم للكتابية والمشركة بالذات؛ لرعاية كلا الأمرين: منع تأثر الكيان العائلي المسلم بباطلهم، وتجنب ذوبان عقيدة الولد في الكفر، وإقامة التضييق المنهجي المشروع للكفرة بالصناعة؛ والتقييد والتحديد في شؤون المعاشرة والنكاح أمر تقره القوانين التكوينية والمنظومات الإدارية للمجتمعات الإنسانية رعاية لأمنها ومقاصدها العامة، ولا يستلزم بالوجدان وصمه بالتعدي ونفي الكرامة الإنسانية الذاتية للعبد بالتمام.
النكتة السادسة
إن ظاهر هذه الطوائف من الأخبار والمعاملات -مع غض النظر عن مسار العقوبات والحدود التي سنفصلها لاحقاً- يؤول بالذات لتأسيس محدودیات وتضييقات واضحة لخصوص طائفة من البشر رعاية لغايات الهداية والتنبيه والردع؛ بمعزل عن الأبعاد الأخروية وعقاب يوم القيامة. ونحن هاهنا بمعزل عن موازنة الوعيد والجزاء الأخروي للعبد؛ بيد أن الكلام يدور مدار حرمان الكافر من الإرث، وامتناع قبول شهادته، وحظر نكاحه؛ وهي شؤون تنهض لبيان امتيازات وشرافات خاصة تتقرر للمسلم الملتزم بالبند والعهد الإلهي، قبل صيرورتها تضييقاً وحظراً موجهاً للكافر بالذات. فالشريعة تقر وتلزم المسلم بامتناع نقل ماله للكافر بالوجدان، وتنهى عن نكاحه؛ وهو تنظير قانوني داخلي للمجتمع العقدي يماثل لوائح المنظمات الإدارية المخصصة لأعضائها بالتمام. وكونها حظراً عاماً يهدف لردع الكفار وتنبيههم لغواية طريقهم الكفري لا ينافي بالصناعة الكرامة الذاتية والتكريم التكويني الموهوب للإنسان؛ بل هو تضييق يقع في جبهة العقوبات العامة للتوهين والردع.
النكتة السابعة
وعلى أي حال، حتى لو تنزلنا وسلمنا بجريان هذه المحدوديات لكافة الأصناف خارجاً، فإنها ممتنعة عن منافاة وتعارض الكرامة الذاتية للإنسان بحدود قلمورها المقرر والمبين بالصناعة عندنا. فالتزامنا بالكرامة الذاتية لا يقتضي بالضرورة رعاية وقبول سائر ما تدعيه القوانين الوضعية من الحقوق المفتقرة للمنبت الفطري التكويني؛ كحق الشواذ في اختيار الرذيلة، وحق الملحد في بث سموم الكفر والإفساد المعرفي للمجتمع؛ فتلك دعاوى واهية تأباها جبلة العبد بالوجدان. بل المتقرر عندنا هو رعاية الحقوق الطبيعية الأساسية المتولدة عيناً عن الأصول التكوينية الثلاثة: العقل، والإرادة والحرية، والمشاعر الإنسانية بالذات؛ ولا يصح تضييقها أو نفيها بغير معارض شرعي معتمد؛ وليس في طيات هذه الأخبار المعارضة ما يصادم هذه الأصول والحقوق الطبيعية الأساسية عيناً؛ وسنبين ذلك لاحقاً في معترك بحث القلمور والحدود بالصناعة.
وتساهم هذه النقاط السبع المنهجية مساهمة كبرى في رفع تعارض هذه الأخبار وتأويل دلالتها بالتمام؛ لكونها تخرج جل الروايات المعارضة من حيز الخصومة مع نصوص الكرامة بالوجدان. وتبقى طائفة مجازاة الكفار الجناة والغلاة، وهي من شؤون العقوبات والحدود الشرعية المقررة بالصناعة، ولها تفصيل وتوجيه سنذكره في محله. غير أن بعض الروايات المأثورة في الجلسة السابقة تستوجب جواباً اختصاصياً مستقلاً؛ كروايات اللعن، وروايات البهتان، وروايات استباحة مال الناصب، ونجاسة المشرك؛ وهي طوائف تفتقر لمزيد تفصيل وتحقيق فقهي لدفع التوهم بالصناعة.