The news is by your side.

الدرس التاسع عشر، المقام الأول:

الدرس التاسع عشر
المقام الأول: دراسة وجود وعدم الكرامة الذاتية للإنسان – مباني الكرامة الذاتية للإنسان – الطائفة الأولى: 6. العواطف الأخلاقية – الفرق بين العواطف الإنسانية والحيوانية – الشواهد – الشاهد الأول والثاني والثالث

19 جمادى الآخرة 1446 هـ

طرحنا في الطائفة الأولى من مباني الكرامة الذاتية للإنسان خمسة أمور يمكن ذكرها كمبادئ للكرامة الإنسانية وأخضعناها للدراسة والمناقشة.

6. العواطف الأخلاقية

والمورد السادس يتبلور في العواطف الأخلاقية أو الوجدان الأخلاقي وتعبيرات أخرى مشابهة له، كالخير الأخلاقي أو المشاعر والعواطف الإنسانية. والمقصود بالعواطف والمشاعر والوجدان الأخلاقي أو العواطف الأخلاقية هو أن الإنسان يجد في باطنه هذه العواطف والمشاعر بغض النظر عن عقيدته وإيمانه، ودون الالتفات إلى منطقته الجغرافية أو عرقه أو جنسه أو لون بشرته؛ أي إن الله تعالى وهب الإنسان هذه المشاعر والعواطف التي تدفعه من خلالها إلى الإحسان وصنع المعروف للآخرين. فعلى سبيل المثال، لو رأى إنسانٌ شخصاً مأزوماً في صحراء قاحلة وموحشة وقد شارف على الهلاك جوعاً وعطشاً، فإن عاطفته الإنسانية تقتضي طبعاً مساعدته وإنقاذه من الموت. وفي تلك اللحظة، لا يهم الإنسانَ المُحسِن معتقدُ الطرف الآخر وإيمانه، كما لا يلتفت هو نفسه إلى ذلك، وقبل أن يتلقى أمراً من مسلكه أو مذهبه، فإن نداءه الداخلي يسوقه نحو هذا الإحسان. وإذا كُتب لهذا الشخص النجاة والتقى بالمنقذ بعد سنوات، مع أنه لم يكن يعرفه سابقاً ولا يملك له عنواناً، فإنه يجد نفسه ملزماً بشكره وتقديره؛ بل وإن الآخرين أيضاً يمتدحون هذا الصنيع ويثنون عليه عند سماعهم بالقصة. بينما لو مر هذا الشخص مرور الكرام في تلك الظروف العصيبة دون مبالاة ولم يمد يد العون للرجل المكروب، سواء نجا هذا الأخير أم هلك، لكانت ردود الأفعال متباينة تماماً؛ إذ سينظر إليه ذلك الشخص نظرة أخرى مستقبلاً، كما سيلومه الناس ويذمونه عند سماعهم بتفاصيل الواقعة.

وعلى أي حال، فإن منشأ هذا الإحسان هو الوجدان الأخلاقي؛ وكذا منشأ ثناء الآخرين وتقدير الشخص المكروب نفسه هو الوجدان الأخلاقي. أي كما أن عواطفه الأخلاقية ومشاعر الإنسانية ألجأته إلى المساعدة، فإن هذا الشخص الذي يشكره لاحقاً ويجازيه بالإحسان، ينطلق أيضاً من ذات الوجدان الأخلاقي. وعليه، فإن أصل الإحسان، وقاعدة مقابلة الإحسان بالإحسان؛ (كما في قوله تعالى: «هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ» [الرحمن: 60])، ومدح العقلاء لهذا الصنيع، كلها جذور ضاربة في الوجدان الأخلاقي للإنسان، ولا يسع أحداً إنكار ذلك.

وههنا مسألة مطروحة: هل هذه العواطف شعبة من شعب الفطرة أم هي أمر مستقل عنها؟ وهذا يتطلب بحثاً مستقلاً في أن الوجدان هل يمثل حيزاً من إدراكات العقل العملي أم يباينه أم هو عين الفطرة. ولكن نظراً إلى بنائنا في هذا الموضع على سرد هذه المبادئ وعرضها، فيمكننا إدراج هذا المورد كمبدأ؛ سواء أرجعناه إلى عامل يؤول إلى الفطرة، أم اعتبرناه أمراً مستقلاً جديراً بالدراسة والبحث المستقل. وبناءً على بعض التعاريف والتفاسير للفطرة، فإنه يؤول إليها. ونحن نبني ههنا على أن الوجدان الأخلاقي يمتلك بعض الفروق والتمايزات عن الفطرة على الأقل.

السؤال: …

الأستاذ: تلك مباحث سنطرحها لاحقاً بالتفصيل في معرض حديثنا عن هذه الأمور قاطبة؛ وحتى لو فرضنا وجود مثل هذا الأمر، فإنه يندرج في سياق العقاب والمجازاة. ويختلف الأمر تماماً بين أن نسلب بعض الحقوق والميزات المرتبطة بالإنسان من بعض الأشخاص عقوبةً ومجازاة على فعل اقترفوه، وبين أن نقول إنهم مجردون من هذه الحقوق أصلاً منذ البداية؛ فهنالك بون شاسع بين الأمرين. ثمة رؤية تذهب إلى أن الإنسان بما هو إنسان يتمتع بهذه المزايا والامتيازات والنعم الخاصة، بيد أنه لو ارتكب هذه الذنوب والجرائم، فإنه يُحرم من بعض هذه الامتيازات على وجه العقوبة. وسنبين هذا لاحقاً إن شاء الله. ونحن الآن في صدد تبيين أصل مبدأ الكرامة الذاتية… وهذا الإشكال لا يختص بالعاطفة والوجدان الأخلاقي، بل هو وارد في جميع الموارد المذكورة. وقد أشرنا إجمالاً إلى بعض هذه الإشكالات في تضاعيف البحث عن هذه المبادئ، غير أن هناك سلسلة من الإشكالات العامة التي تتوجه إلى هذه المبادئ برمتها وسنعرض لذكرها لاحقاً. بل إننا قسّمنا المبادئ إلى طائفتين؛ ونحن الآن نعرض الطائفة الأولى. ولم نتطرق في الطائفة الأولى إلى “الخلافة الإلهية”، ولم نذكر كون الإنسان مسجوداً للملائكة، ولا حمل الأمانة الإلهية… فهذا كله مما يختص بالطائفة الثانية من مباني الكرامة الذاتية، وسأبين وجه الاختلاف والتفاوت والامتياز بين هاتين الطائفتين لاحقاً؛ لكونه ذا أثر بالغ في أبحاثنا الآتية.

الفرق بین العواطف الإنسانیة والحيوانية

وعلى أي تقدير، فإن العاطفة الإنسانية والأخلاقية أمر وهبه الله تبارك وتعالى للبشر، ولا يتصف به مخلوق آخر. وقد يقال إن الحيوانات تتمتع ببعض هذه العواطف أيضاً؛ حيث نشاهد تجليات هذه العواطف بين الحيوانات ولا سيما تجاه صغارها؛ كإطعام الأمهات ورعاية الآباء لصغارها في كافة أصناف الحيوانات؛ غير أننا نستطيع تسجيل فرقين جوهريين بين العاطفة الإنسانية والعواطف الحيوانية:

  1. إن العاطفة الإنسانية واعية وإرادية؛ بينما العاطفة الحيوانية غير واعية وغير إرادية، وبتعبير أدق: عاطفة غريزية. ويختلف الشأن كثيراً بين أن تصدر العاطفة عن غريزة، وبين أن تصدر عن إرادة ووعي واختيار. فالطابع الغريزي للعاطفة في الحيوان، والطابع الإرادي الواعي المختار في الإنسان، يمثل نقطة تمايز فارقة بين العواطف الإنسانية وغيرها.

السؤال: …

الأستاذ: ليست واعية؛ تماماً كالطفل الصغير الذي يولد من بطن أمه، فإنه بمجرد أن يجوع يبدأ بالبكاء تلقائياً أو يبحث عن ثدي أمه ليرتضع؛ فهذه غرائز لا وعي فيها ولا إرادة، بل تقع على نحو اللاوعي.

2.إن الغريزة الحيوانية في مثل هذه السلوكيات لا تتعدى دائرة صغارها؛ بينما تتسع هذه العاطفة والمشاعر في الإنسان لتشمل كل من هو من جنسه وبني نوعه، بل قد تتعداه لتشمل غير البشر كالحيوانات مثلاً. إذن، تتصف العاطفة الإنسانية بسعة النطاق ورحابة المدى، بينما تقف العاطفة الحيوانية عند حدود ضيقة؛ فليس من المعلوم أن يعرض الحيوان نفسه للخطر فداءً لغيره، أو يتنازل عما يرغب فيه ويغض الطرف عن حاجته الشخصية؛ في حين نرى في الإنسان خلاف ذلك؛ إذ توجد شواهد كثيرة يتنازل فيها البشر عن حاجاتهم الحتمية إيثاراً للآخرين ويتغاضون عن متطلباتهم الذاتية.

ومن ثم، فإن العاطفة الإنسانية بالمعنى المذكور منتفية تماماً في غير الإنسان من الكائنات؛ وهذا ما يدعونا للقول بأنها كرامة. وقد قررنا منذ البداية أن الكرامة تعني النعمة الخاصة والامتياز الفريد الذي يخص الله به الإنسان دون سائر المخلوقات. وهذه خصوصية وهبها الباري للإنسان بالذات. وهذه الكرامة ذاتية للإنسان؛ بمعنى أن هذه المشاعر والعواطف مستقرة في باطن البشر قبل ملاحظة عقائدهم وإيمانهم.

وفضلاً عما أشرنا إليه ابتداءً، يبدو من المناسب الالتفات ههنا إلى مسألة أخرى، لست بصدد تفصيلها بل أكتفي بالإشارة إليها إجمالاً؛ وهي هل تتطابق المشاعر والعواطف البشرية مع الوجدان الأخلاقي موضوعاً وحقيقة أم لا؟ وهل المشاعر والعواطف هي الموجدة للوجدان الأخلاقي، أم هي عينه، أم ثمة تغاير بينهما؟ فهذه مباحث ينبغي تتبعها في مظانها.

إذن، لدينا ههنا ملاحظتان؛ الأولى: إمكانية إرجاع العواطف والمشاعر والوجدان الأخلاقي والخير الأخلاقي والعواطف الإنسانية إلى الفطرة. والثانية: هل تنطبق العواطف والمشاعر الإنسانية على الوجدان الأخلاقي تمام الانطباق أم هما أمران متغايران؟ وتارة يُفسر الوجدان الأخلاقي بكيفية تجعله قابلاً للإرجاع إلى الفطرة؛ حيث يقال إن الوجدان الأخلاقي هو القوة التي تلهم الإنسان الخير والشر وتعلمه إياهما. وبناءً على أحد معاني الفطرة، فإن منشأ الخير في وجود الإنسان هو الفطرة، بيد أنها الفطرة المخمورة بالاصطلاح؛ كما أن منشأ الشر في وجوده هو الفطرة ولكنها الفطرة المحجوبة بالاصطلاح؛ وقد أوضحنا هذا سابقاً. ونحن بمعزل عن هذه المباحث فعلاً؛ إذ العمدة هي أن الإنسان يتمتع بكرامة ذاتية موهوبة من لدن الله سبحانه ولا يشاركه فيها مخلوق آخر. وأما التعابير الاصطلاحية المتنوعة التي تطرح لمعالجة هذه الحقيقة في علم النفس أو علم الكلام أو علم الأخلاق والعرفان، فلا نرى حاجة للدخول فيها ههنا.

الشواهد

يمكننا إقامة ثلاثة شواهد على هذه الكرامة:

الشاهد الأول: الآيات

الشاهد الأول يكمن في طائفة من الآيات الشريفة:

الآية الأولى

الآيتان الأولى والثانية من سورة القيامة: لا أقسم بيوم القيامة ولا أقسم بالنفس اللوامة؛ (كما في قوله تعالى: «لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ» [القيامة: 1-2]). ومن الواضح الدلالة التي تنطوي عليها النفس اللوامة، وعلامَ يقع هذا اللوم والتقريع؛ إذ هو إشارة واضحة إلى تلك العواطف والمشاعر الباطنية.

السؤال: …

الأستاذ: إلا أن نقول إن هذه العاطفة لا تقتصر على شأن الآخرين فحسب؛ بل إن هذه اللوامية والنزوع الباطني يمثل إحدى العواطف والمشاعر الإنسانية الكامنة… فهو يعصي ربه دون أن يظلم أحداً من الخلق… وهذا يرجع بالتبع إلى الفطرة التي قررناها سابقاً.

وإن أردنا قبول دلالة هذه الآية في المقام، فيتعين القول إن تلك النفس اللوامة وذلك الباطن الذي يقرع الإنسان ويلومه على فعل بعض الأمور أو تركها؛ كالحالات التي يجب عليه فيها الإحسان، فمن البديهي أنه إن أحجم عن الإحسان لا يجد في نفسه رضا وطمأنينة؛ وإذا لم يقابل إحسان الآخرين بالإحسان، لامتْه نفسه وقرعته. فالنفس اللوامة في بعض أبعادها تحكي عن هذه العواطف والمشاعر الداخلية للإنسان، وإن كان شأن النفس اللوامة ومساحتها لا تقتصر على هذه الأمور بل تستوعب دافعاً أوسع نطاقاً.

السؤال: …

الأستاذ: لِنفرض مثلاً تلك الفطرة الباحثة عن الله الكامنة في الإنسان، فلو أن أحداً أنكر ذلك في باطنه… أو صدر منه سلوك شركي ولم يكن فيه ظلم للآخرين… فالفطرة سابقة على الاعتقاد؛ وهي لم تبلغ مرتبة الاعتقاد ههنا بعد… فالفطرة لا صلة لها بالاعتقاد الفعلي؛ فحين نقرر أن فطرة الجميع باحثة عن الله، فمعناه أن الكافر أيضاً يمتلك فطرة باحثة عن الخالق تبارك وتعالى. فالكلام ليس في مسألة الاعتقاد أصلاً.

الآية الثانية

جميع الآيات الدالة بنحو من الأنحاء على وجود كينونة ومركز في الإنسان يغاير العقل، وهو ما يعبر عنه في اللغة بالفؤاد أو القلب. وهذا القلب والفؤاد المشار إليه في القرآن الكريم لا يراد به العضو الجسماني الحقيقي النابض، بل يراد به كينونة الحب والعاطفة والمشاعر والوداد. فالعقل هو مركز التعقل والتفكير؛ بينما القلب والفؤاد هو مركز العلاقات والتعلقات النفسية. ومن ذلك قوله تعالى: ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً؛ (كما في قوله تعالى: «وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا» [الإسراء: 36]). فقد ورد ذكر الفؤاد ههنا، والفؤاد هو القلب؛ وليس المراد به العضو المادي الذي ينبض بالدم، بل هو كينونة المشاعر والعواطف الإنسانية. وثمة آيات عديدة في القرآن تشير إلى مركزي الثقل الوجودي في الإنسان؛ أحدهما العقل والآخر الحب، أحدهما الاستدلال والآخر الشهود؛ وقد قُدِّم كلاهما كطريقين لإدراك الحقيقة والوقوف عليها.

الشاهد الثاني: الروايات

الشاهد الثاني يتجلى في الأحاديث والروايات المبينة لهذه الحقيقة. ومنها ما رُوي في قصة بلال بن رباح؛ حيث أبصر النبي الأعظم (ص) في إحدى الغزوات أن بلالاً قد مر بامرأة يهودية من السبايا تُدعى صفية بجانب قتلى قومها من اليهود، فأنكر النبي (ص) صنيعه وعزره بالقول والخطاب. فقد سلك بها بلال طريقاً تمر فيه على جثث صرعاها (من زوج أو ولد أو إخوة)، مما أدى بصفية إلى الهلع والاضطراب الشديد، فصاحت وعفرت وجهها بالتراب؛ وحين علم النبي (ص) بما جرى، زجر بلالاً بقوله: «أُنْزِعَتْ مِنْكَ الرَّحْمَةُ يَا بِلَالُ؟». ومع كون بلال من خلص الأصحاب وهذه المرأة من نساء اليهود المحاربين الذين قاتلوا الإسلام؛ فإن مجرد تسييرها بجانب جثث ذويها استوجب هذا التقريع الشديد من النبي (ص) ومواجهته بهذا الخطاب المهيب: «أُنْزِعَتْ مِنْكَ الرَّحْمَةُ؟». وهذا يحمل دلالات عميقة جداً؛ فلولا قبح هذا الفعل ومنافاته لأصل الرحمة الإنسانية، لَمَا كان هناك مسوغ لمؤاخذة بلال ومخاطبته بهذا الأسلوب. فقوله (ص): «أُنْزِعَتْ مِنْكَ الرَّحْمَةُ؟» يعني أنك جردت من الرحم والرفق؛ وكأن النبي (ص) قد رأى نقصاً وخروجاً عن السجية الإنسانية في فعل بلال فوجه إليه هذا الإنكار. وهذا يدل على أن للإنسان عواطف ومشاعر ينبغي له مراعاتها والالتزام بحدودها تجاه الإنسان الآخر أياً كانت عقيدته ومذهبه. وأما تفريع الحقوق والتكاليف على هذه الكرامة الذاتية فهو مبحث آخر سنعقد له الكلام لاحقاً. وهذه من المسائل التي يغفل عنها الكثيرون للأسف؛ إذ يظن البعض أنه في سبيله لإحقاق الحق الذي يعتقده يسوغ له اقتراف كل فعل وبأية كيفية كانت مع مخالفيه؛ بذريعة أن ذلك في سبيل الحق.

ونحن بمعزل عن الأبحاث التي تدور في فلك الاستحباب یا الكراهة في هذا المقام؛ إذ لا نريد استنباط حكم تكليفي فعلاً. وحتى لو حملنا نهي النبي (ص) وتوبيخه لبلال على المحمل الأخلاقي والإرشاد الروحي، فإنه ينهض حجة كافية لإثبات مدعانا؛ لكونه يكشف في نهاية المطاف عن عطاء إلهي خاص بالإنسان يمثل كرامة ذاتية له.

الشاهد الثالث: الوجدان

الشاهد الثالث يكمن في الوجدان؛ وهو ما يجده الإنسان في باطنه وجبلته. والوجدان شاهد غني عن إقامة الأدلة والبراهين الصورية، ولا يمكن التغاضي عنه أو إنكاره بحال. وهي حقيقة يدركها كل من رجع إلى باطنه ونفسه بالوجدان، حيث يلمس بوضوح وجود هذه المشاعر والعواطف تجاه الآخرين وتجاه أفعال معينة، وهو أمر غير قابل للإنكار بالوجدان والوجدان خير شاهد.

بحث الجلسة المقبلة

تكلمنا حتى الآن عن الطائفة الأولى من الطائفتين المصورتين كمبانٍ للكرامة الذاتية للإنسان وأخضعناها للدراسة والمناقشة. وثمة أمور أخرى قابلة للذكر بوصفها مبادئ للكرامة الذاتية، صنفناها في الطائفة الثانية؛ وسنتعرض بمشيئة الله تبارك وتعالى لبيان وجه التمايز والفصل بين هاتين الطائفتين في الجلسة المقبلة.