الدرس الحادي عشر، المقام الأول
الدرس الحادي عشر
المقام الأول: دراسة وجود الكرامة الذاتية في الإنسان وعدمها – مباني الكرامة الذاتية للإنسان – الطائفة الأولى: 1. العقل – الشواهد – الشاهد الثاني، والثالث، والرابع
25 ربيع الآخر 1446 هـ
خلاصة الدرس السابق
ذكرنا أن الآية 70 من سورة الإسراء تُعد شاهداً على أن الله المتعال قد وهب الإنسان كرامة يختص بها دون سائر الكائنات، وبيّنا كيفية الاستشهاد بها. ومحصل ذلك هو أن العقل، بمعنى قوة الفهم والإدراك والحفظ والعلم والبيان والنطق وما شابه ذلك، يمتلك فعلية في الإنسان، وأن الإنسان بما هو إنسان ينتفع بهذه النعمة الإلهية وهذه الكرامة الموهوبة من الباري تعالى؛ وأن هذه القوة تلازمه حتى النهاية لولا طروء العوارض والموانع، وهي متوافرة في جميع البشر، كافراً كان أم مسلماً، وتصلح أن تكون مبنى لاكتساب كرامات أخرى. وهي القوة التي تملك قابلية الرقي بالإنسان وبلوغ الدرجات العلى، شريطة ألا تشوبها الأوهام وهوى النفس.
وثمة شواهد أخرى أيضاً، ولعلها لم تحظَ باهتمام كافٍ من هذا المنظور، لذا سأعرضها؛ وربما لا ترقى في قوة دلالتها لتلك الآية، إلا أنها تدل على ذات المطلب.
الشاهد الثاني: آية ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾؛ يقول الله تبارك وتعالى: لقد خلقنا الإنسان في أتم خلقة وأكمل صورة؛ ثم رددناه إلى أدنى المراتب وأسفلها، إلا من آمن وعمل صالحاً، فله أجر عظيم لا ينقطع.
وتدل هذه الآية على أن الإنسان يتمتع بنعمة خاصة تُدعى العقل، ببيان أن ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ يُراد به أتم الاستعدادات الروحية والجسدية لبلوغ المقامات العالية؛ وسنبين لاحقاً تباين أنظار المفسرين حول ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. غير أن محط الاستشهاد هنا هو قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. فلام التوكيد، وحرف ﴿لَقَدْ﴾، ونسبة خلق الإنسان لله تبارك وتعالى في أحسن صورة، كلها تدل على اختصاص هذه النعمة بالإنسان.
الأقوال حول ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾
ما هو المراد بـ “أحسن صورة”؟ ولماذا نقول إن “أحسن صورة” تعني أن الإنسان قد حظي بجملة من النعم، أهمها العقل؟ اختلفت الأنظار حول ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾؛ وقد ذُكرت ثلاثة آراء أو تفاسير على أقل تقدير. سأشير إليها إجمالاً، ثم أعرّج بإيجاز وتلخيص على وجه اختيار الرأي الذي بيّنّاه.
القول الأول
يرى البعض أن المراد بـ ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هو استقامة القامة؛ أي خلقنا الإنسان على أتم وجه؛ قوياً، قادراً، منتصب القامة. وحينها، تشير ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ في هذه الآية إلى الهرم والضعف والشيخوخة والعجز الذي يصيب الإنسان؛ أي إننا خلقناه في أتم قوة بدنية وأقوم هيئة، ثم رددناه إلى الهرم والضعف.
السؤال: …
الأستاذ: ثمة مبعدات كثيرة لذلك، سواء في ذات الآية أو في خارجها.
القول الثاني
بموجب هذا الرأي، الذي بيّنه الملا صدرا في تفسيره، فإن ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هو أعلى مراتب الوجود الإمكاني الذي يعلو الوجود المادي؛ أي وجود مجرد، لعلّه المخلوق الأول أو العقل الأول وتلك الحقيقة الوجودية للنبي الأكرم (ص)، ثم رُد إلى أدنى مراتب الوجود وهو الوجود المادي والجسدي. أي إن الله خلق الإنسان أولاً في أسمى المراتب في عوالم الوجود؛ ثم أنزله من تلك المرتبة السامية إلى أدنى مرتبة وهي هذا العالم السفلي وعالم المادة، ويبقى البشر في هذه المرتبة إلا من آمن وعمل صالحاً. وبناءً عليه، فإذا آمن البشر وعملوا الصالحات، عرجوا مجدداً، وترتبط مراتب عروجهم وتساميهم، بطبيعة الحال، بمدى عملهم وإيمانهم. فالنبي (ص) يعرج إلى أن يتحد مجدداً بتلك الحقيقة؛ بينما يبقى آخر في هذا العالم المادي ولا يرتقي قيد أنملة. وهذا هو قوس النزول وقوس الصعود الذي أُشير إليه في بعض الكلمات.
السؤال: …
الأستاذ: لا علاقة له بالمعاد؛ … أي إنه مرهون بمدى تجردهم من المادة؛ فأولئك الذين يسمون بأنفسهم عن التعلق بالمادة وهذا العالم، ويتوجهون نحو الحقائق الغيبية، يبتعدون عن ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾.
القول الثالث
الوجه الثالث، الذي أورده المرحوم العلامة، هو ذات الوجه الذي أشرت إليه في البداية؛ أي إن الإنسان خُلق في أتم استعداد، سواء من الناحية المادية والجسدية أم الروحية والمعنوية. أي إنه كائن تام الاستعداد والتهيؤ للتسامي والنمو؛ إنسان وُهب أموراً أهمها العقل، ويسعه العروج به وتفتيح هذه الاستعدادات؛ غير أنه ينحدر نحو السقوط بسوء اختياره؛ أي وكأن طينة الإنسان تميل به نحو أسفل سافلين. كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾؛ فكأن جنس الإنسان لا ينتفع من هذه الاستعدادات وتلك الإمكانيات والقابليات، إلا من آمن وعمل الصالحات.
وقد ذُكرت تفاسير أخرى لـ ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾، غير أن أهم الآراء هي هذه الثلاثة التي عرضناها.
مؤيد القول الثالث
ومما يؤيد الرأي الثالث ويعضده، الرواية الواردة عن الإمام الهادي (ع) في “تحف العقول”: «فَقَدْ أَخْبَرَ عَزَّ وَجَلَّ عَنْ تَفْضِيلِهِ بَنِي آدَمَ عَلَى سَائِرِ خَلْقِهِ مِنَ الْبَهَائِمِ وَالسِّبَاعِ وَدَوَابِّ الْبَحْرِ وَالطَّيْرِ وَكُلِّ ذِي حَرَكَةٍ تُدْرِكُهُ حَوَاسُّ بَنِي آدَمَ بِتَمْيِيزِ الْعَقْلِ وَالنُّطْقِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ»؛ فيقول (ع) إن الله عز وجل أخبر عن تفضيله للإنسان على سائر خلقه من بهائم وسباع وحيوانات بحرية وطيور وكل دابة تدركها حواس الإنسان، وذلك بوهبه تمييز العقل والنطق؛ وهذا هو معنى قوله: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾. فما معنى خلقنا الإنسان في أحسن تقويم؟ يعني وهبناه العقل، وقوة التمييز والبيان، التي يدرك بها سائر الموجودات في هذا العالم، وهذا هو بالذات ما يوجب تفضيل الإنسان. ولا يطرح هنا التفضيل والتكريم؛ فالنعمة التي وهبها الله للإنسان هي العقل. وهذه الرواية تفسر ﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ أو تطبقه بما يتواءم أكثر مع الرأي الثالث. وبالطبع، الرأي الثاني ليس بباطل وهو تفسير محتمل أيضاً؛ ولكن التفسير الثالث هو الألصق بظاهر هذه الآية، وربما كان مدعوماً بمؤيدات روائية. وبموجب هذا الوجه، يُعد هذا شاهداً قوياً جداً على أن الإنسان يكتسب كرامة ذاتية بفضل العقل؛ فهي نعمة تختص بالإنسان.
السؤال: …
الأستاذ: سأتعرض لـ ﴿رَدَدْنَاهُ﴾ في ختام هذا الشق أو في ختام الشواهد؛ وأكتفي الآن بالإشارة إجمالاً إلى أن الله تبارك وتعالى قد أشار لهذه الأمور في مواضع أخرى أيضاً. وكما يعبر المرحوم العلامة، فهو امتنان مشوب بعتاب، يجمع بين الامتنان والعتاب معاً. وسأبين هذا لاحقاً؛ فقوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾، إذا أخذنا بهذا الوجه، يستوجب توجيه نسبة “أسفل سافلين” إلى الله. لا نروم الخوض كثيراً في تفاصيل هذه الآية؛ بل ما يهمنا هنا هو أن الله قد تحدث بلسان التأكيد عن الإحسان؛ فهناك ذكر التكريم وهنا ذكر الإحسان. ومعنى الإحسان جلي؛ أي إنه خير وصلاح ومزية وهبناها للإنسان بخلقه في أحسن تقويم، و﴿أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ هذا، بناءً على الرأي الأصح، هو ذات جوهر العقل والفكر في الإنسان، والذي يسعه بلوغ المقامات العالية من خلاله. ومن أهم الأمور التي توجب الارتقاء الوجودي والسعة الوجودية للإنسان هي المعرفة؛ فالعمل وعوارضه كلها تابعة للمعرفة؛ فكلما كانت المعرفة أعمق، غدت الأعمال بطبيعة الحال أسمى معنى. ولكن هل تتأتى المعرفة بغير قوة العقل والتفكر؟
قد يرى بعض الإخوة أن هذا التفصيل غير ضروري، ولكني أراه لازماً؛ لأنني ألحظ حقاً في الكتابات، سواء أكانت كتباً أم مقالات، عدم تحرير هذه الأمور بالشكل الكافي، ولأن التوقف اللازم عند هذه الأمور لم يتحقق، فقد أضحت مثاراً للجدل والنقاش والنزاع. فالبعض ينفي وجود مثل هذا الأمر من الأساس. ولتتضح جذور هذا البحث بجلاء ويبلغ العمق المطلوب، فإنه لابد من ذلك.
الشاهد الثاني: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾
الآيات 1 إلى 3 من سورة الإنسان: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَّذْكُوراً * إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيرًا﴾؛ ومعنى الآية جلي، فتقول: ألم يأتِ على الإنسان زمان طويل لم يكن فيه شيئاً يُذكر؛ إنا خلقنا الإنسان من نطفة مختلطة من مواد وعناصر، ونقلناه من حال إلى حال ومن طور إلى طور، من نطفة إلى علقة، ومن علقة إلى مضغة، ومن مضغة إلى عظام، ليصبح في النهاية طفلاً مكتملاً. ثم جعلناه سميعاً بصيراً.
ولا جدال في طي الإنسان لهذه المراحل في رحم أمه واكتمال تكوينه حتى يغدو طفلاً. ولكن حينما يقول: ﴿فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، فما هي الغاية من جعله سميعاً بصيراً؟ وما هو المعنى أساساً؟ هل يقصد القول إننا وفرنا له أذنين وعينين فحسب؟ هل يقصد الإشارة إلى هذين العضوين فقط؟ أم من باب أن العين والأذن هما أبواب المعرفة الإنسانية، وبوابات ولوج المعارف والمعلومات إلى ذهن الإنسان. وفي آيات أخرى يقرر أننا، بغية إيصال الإنسان لغاية خلقه ووجوده، جعلناه سميعاً بصيراً؛ فقد وفرنا ذلك ليتدبر في آيات الله؛ وليقوى من خلال ذلك على إدراك هداية الأنبياء وإرسال الرسل وإنزال الكتب. فالسمع والبصر، في الحقيقة، أداة إلهية وهبة ربانية لإدراك عالم الوجود، والتدبر في الآيات الإلهية، وتلقي الهداية الربانية بواسطة الأنبياء والكتب السماوية. ولا نقاش في أن غاية الإنسان هي بلوغ تلك المرتبة، وأنه مطالب بالتدبر في الآيات والامتثال لتعاليم الأنبياء وهدايتهم. فهذه كرامة يسعه اكتسابها. لأنه يشير بعدها إلى الإرادة والاختيار، وهو ما سنذكره لاحقاً: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾؛ فيقول إننا قد بيّنا له السبيل، وله بعد ذلك أن يختار هذا الطريق أو ذاك. غير أن أصل جعل السمع والبصر وقوله إننا جعلنا الإنسان سميعاً بصيراً، يشير إلى قوة العقل ذاتها؛ وإلا فالحيوانات تمتلك عيوناً وآذاناً أيضاً؛ ولا يصفها بالسميع والبصير؛ فعنوان السميع والبصير يختص هنا بالإنسان؛ وهي نعمة اختصاصية له. نعم، فخلق السمع والبصر هادف؛ فالحيوان لا يمتلك أساساً هذه القابلية ليتدبر في الآيات بسمعه وبصره ويروم بلوغ غاية ما؛ فلا غاية لوجوده؛ أما الإنسان فله غاية. إذن، ففي هذا إشارة، بمعنى من المعاني، لهذه النعمة الإلهية أيضاً.
الشاهد الثالث: ﴿خَلَقَ الْإِنسَانَ، عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾
الشاهد الثالث، الآيات 1 إلى 4 من سورة الرحمن: ﴿الرَّحْمَنُ * عَلَّمَ الْقُرْآنَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ * عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾؛ وهنا يشير إلى خلقة الإنسان. فجميع الآيات التي نذكرها، تتناول مسألة خلقة الإنسان ولا تشير البتة إلى كونه مؤمناً أو صالحاً. فالبحث يتركز حول خلقة الإنسان، وكلها في مقام التذكير بنعمة الله والتنبيه عليها؛ فالله يذكر هذه النعمة للإنسان، وكلها ظاهرة في اختصاص الإنسان بهذه النعمة دون سواه.
وثمة خمسة آراء حول معنى “البيان” في هذه الآية:
-
رأي أمثال المرحوم الطبرسي، والآلوسي، والعلامة، والطبري، وهو أنه بمعنى التكلم والنطق؛ ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾، أي علمناه النطق والبيان.
-
يرى فريق آخر، وهم الأقل بطبيعة الحال، أن الله علّم الإنسان بيان المسائل؛ أي مكنه من بيان المسائل المتنوعة. كتفسير القمي، وتفسير مقاتل بن سليمان… وهذا يمكن عده شعبة من الرأي الأول؛ لكون التكلم والنطق قد حُدِّد هنا واكتسب نطاقاً أضيق. ولذا فهو أخص من الرأي الأول.
-
يذهب جمع من مفسري الشيعة والسنة، وليسوا بالقلة، إلى أن الله تبارك وتعالى علّم الإنسان أسماء الأشياء والدواب.
-
ويعتقد البعض أن الله علّم الإنسان القرآن؛ فقد طابقوا البيان بالقرآن. وقد نقله المرحوم الطبرسي كاحتمال.
-
البيان بمعنى قوة التعقل والتمييز، على نحو يميز الإنسان عن جميع الكائنات. ويذهب إلى هذا الرأي الشيخ الطوسي، وابن عربي، والبيضاوي.
لا أروم الآن تقييم هذه الآراء ونقدها واحداً تلو الآخر؛ بل أريد القول إن الله تبارك وتعالى، حينما يطرح مسألة خلقة الإنسان في هذه الآية، فإن أول ما يذكره بعدها هو تعليم الإنسان بهذا المعنى، أي إعطاء الإنسان قوة مدركة مفهمة. وحتى لو لم نأخذ بهذا الرأي، وقلنا إنه بمعنى البيان والنطق، أو بيان بعض المسائل، أو أسماء الأشياء والدواب، أو حتى القرآن الكريم، فمهما كان المعنى، فهو يُعد نعمة خاصة، ولكنها تعود جميعاً لقوة العقل المتوافرة في الإنسان والتي تميزه عن سائر الكائنات؛ أي لولا قوة العقل، لما أمكن بيان المسائل وتوضيحها؛ ولولا قوة العقل، لما أمكن التكلم، ولتعذر النطق. ولولاها، لما أمكن إدراك أسماء الأشياء والدواب. بل أذهب للقول بأنه، حتى لو سلمنا بهذا الرأي، فيبدو أن تلك النعمة الاستثنائية والخاصة للإنسان التي يذكرها الله، هي ذات قوة العقل.
بطبيعة الحال، لا يذكر الإحسان هنا صراحة؛ ففي الشاهدين الأول والثاني، وردت كلمة التكريم والإحسان بوضوح. فهناك يتضح جلياً أنها نعمة وهبها الله للإنسان، وهي نعمة خاصة أيضاً. أما هنا فلا يُذكر الإحسان؛ ولكن رغم عدم ذكر لفظ الإحسان هنا، فإن الله يبيّن عملياً إحسانه للإنسان. فرغم خلوها من لفظ الحُسن والإحسان، إلا أنها في الحقيقة إحسان؛ كمن يقول لك: لقد أحسنت إليك وصنعت كذا، أو يقول: لقد صنعت هذا من أجلك؛ فهذا في الحقيقة إشارة لذات الإحسان والتكريم الإلهي.
الشاهد الرابع: ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾
الشاهد الرابع، الآيات 1 إلى 7 من سورة العلق: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ * كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾. ﴿عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ تعني علّم الإنسان؛ رغم أن بعض المفسرين يرى أن مفعول “علّم” المحذوف هنا هو النبي آدم أو إدريس أو الأنبياء الذين أوتوا ملكة الكتابة؛ ويقولون إن إدريس كان أول من خط بالقلم. ويرى البعض أن المقصود هو جميع الأنبياء الذين أوتوا القدرة على الكتابة، بينما يطابقها آخرون على النبي آدم. ولكن ظاهر الآية هنا يشير إلى الإنسان؛ لكون السياق يدور حول خلقة الإنسان. ففي كل موضع يذكر فيه هذه النعمة، فإنها تأتي عقب الخلقة؛ فيقول: خلقنا الإنسان، ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، فهنا يتضح جلياً أن المراد هو جنس الإنسان. بل إن القلم ذاته، حتى بمعناه الظاهري وهو القدرة على الكتابة والتدوين، يلازم ذات العقل وقوة الشعور وتمييز الخير من الشر. ﴿عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾، وهناك اختلاف بين المفسرين حول ماهية “ما لم يعلم”؛ ولكن أياً كان المعنى، فهو يفيد تعليم الإنسان ما كان يجهله؛ وهذا الـ “ما لم يعلم”، أياً كان، يعود لذات قوة العقل.
بحث الدرس القادم
هذه الشواهد الأربعة تشير إلى خلقة الإنسان والنعمة الاستثنائية التي وُهبت له، سواء بذكر كلمة الحُسن والإكرام والتكريم، أو بدون ذكرها، ولكنها في الحقيقة إحسان ولطف من الله ونعمة استثنائية وهبها الله للإنسان. والإنسان يمتلك هذه القوة. ثم يقول: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى﴾، أو يقول في آية أخرى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾، ففي كل مكان يوجد عتاب؛ فهل هذا يعني أن هذه القوة تُسلب من الإنسان ويُحرم منها؟ وإذا كانت تُسلب أو كانت مجرد استعداد، فكيف تطلقون عليها كرامة ذاتية؟ ورغم إجابتنا الإجمالية عن هذا التساؤل مسبقاً، إلا أنني سأتناول هذا المطلب في الدرس القادم لأهميته ومركزيته في البحث.