الدرس الرابع عشر، الآية 62، توضيح إجمالي للآية، ارتباط الآية بالآيات السابقة
الدرس الرابع عشر
الآية 62 – توضيح إجمالي للآية – ارتباط الآية بالآيات السابقة – مفردات الآية – 1. «الذين هادوا» – منشأ اشتقاق يهود – الوجه الأول – الوجه الثاني – الوجه الثالث – 2. «النصاری» – وجه تسمية النصارى
20 جمادى الأولى 1447 هـ
الآية 62
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) [البقرة: 62]. جرت العادة التفسيرية أن نستهل البحث بتقديم توضيح إجمالي للآية الكريمة؛ حيث نجد أن الله تبارك وتعالى، بعد أن أشار في الآيات السابقة إلى كفران النعم ونكران الجميل والتعنت والعناد الذي اتصف به بنو إسرائيل، يعقب في هذه الآية بتقديم الوعد والترغيب. وهذه هي السنة الإلهية الجارية في القرآن الكريم؛ إذ يقترن الوعيد بالوعد والإنذار بالتبشير، توازناً بين التخويف والترغيب والتحذير والحث. فبينما أفاضت الآيات السابقة في تفصيل النعم الإلهية السابغة على بني إسرائيل، نجد الحق سبحانه وتعالى يقرر هنا أن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين، من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً، فإن ثوابهم مدخر ومحفوظ عند ربهم، ولن يجد الخوف أو الحزن سبيلاً إليهم. فقوله عز وجل: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ) يعدد جملة من الطوائف والملل، ثم يأتي الشرط في قوله: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا) ليؤكد أن الملاك الفاصل والضابطة الحقيقية في نيل الأجر الإلهي والأمن التام من المخاوف والأحزان هي تحقيق الإيمان بالله ومعاد اليوم الآخر مع اقترانهما بالعمل الصالح.
ارتباط الآية بالآيات السابقة
تبدو مناسبة هذه الآية وارتباطها بالآيات السالفة واضحة جلية؛ فقد تعرض المولى تبارك وتعالى فيما مضى لذكر طرف من أفعال وسلوكيات اليهود وقوم موسى، معدداً نعمه العظام ومواهبه الجسام عليهم، وكيف قابلوها بالنكران والتمرد وكفران النعم، وما حاق بهم جراء ذلك من عذاب شديد وعقوبة وخيمة. وقد ساق الله تبارك وتعالى هذه القصص التاريخية لليهود المعاصرين لعهد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) مخاطباً إياهم بها على وجه التنبيه، وتحذيراً لهم من الوقوع في ذات المصير الذي أصاب سلفهم وآباءهم. وعقيب هذا الوعيد والتقريع، يأتي الوعد الإلهي بالبشارة والترغيب تماشياً مع الطريقة القرآنية المطردة في اقتران الترهيب والترغيب، والوعد والوعيد، والبشارة والإنذار جنباً إلى جنب؛ إذ لا نكاد نجد موضعاً في القرآن الكريم تشتمل آياته على الوعيد والإنذار الصرف دون أن تلوح في أثره تباشير الوعد والمغفرة. والآن، وبعد بضع آيات من التقريع والوعيد، جاء دور الوعد والتبشير.
وهنا يبين الحق تبارك وتعالى قاعدة محورية وعماداً كلياً؛ مفاده أن أساس النجاة والخلود في السعادة الأبدية يدور مدار ثلاثة أصول: التوحيد، والمعاد، والعمل الصالح. وعليه، فإن مجرد الانتساب الاسمي والعناوين اللفظية لا تغني من الحق شيئاً؛ فالقرآن يقرر أن بني إسرائيل حازوا فضلاً عظيماً ومنزلة رفيعة كما في قوله تعالى: (وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) [البقرة: 47]، غير أن تلبسهم بآفات ثلاث هي: اضطراب الإيمان بالمبدأ، وضعف الإيمان بالمعاد، وفساد العمل وسوئه، قد صيرهم مورداً لتلك العذابات والنقم. وفي المقابل، نجد أن تحقيق هذه المحاور الثلاثة -التي افتقدها بنو إسرائيل- هو الكفيل بنيل السعادة الأبدية والفوز بالنعيم المقيم. فهذه الآية تقع في قبال الآيات السابقة تماماً بتمام؛ إذ كيف قابل قوم موسى نعم الله وكراماته العظيمة بعد أن اصطفاهم وفضلهم؟ إن استعراض سجل أفعال بني إسرائيل يرجع بالتمام والكمال إلى خلل في هذه المحاور الثلاثة: الإيمان بالمبدأ، والإيمان بالمعاد، وصلاح العمل. وهي المحاور عينها التي جعلها الله تبارك وتعالى في الآية الراهنة رمزاً للسعادة الأبدية والأجر الجزيل في قوله: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا)؛ فكل من اتصف بهذه الأركان الثلاثة، فله أجره عند ربه آمناً من الخوف والحزن، أياً كان انتسابه أو طائفته؛ سواء كان من (الَّذِينَ آمَنُوا) -وسنبين لاحقاً من المراد بهذا الوصف هاهنا المقابل لليهود والنصارى والصابئين- أو من اليهود أو النصارى أو الصابئين؛ إذ يمكن لجميع هؤلاء بلوغ منزلة الأجر والنجاة بامتثال الأصول الثلاثة المذكورة. وثمة تساؤلات وشبهات علمية تثار في هذا المقام، سنعرض لبحثها وتفصيلها تدريجياً في سياق التفسير، ونكتفي هاهنا ببيان وجه الارتباط بالآيات المتقدمة.
مفردات الآية
نجري على المنهج المتبع في دراسة مفردات الآية الكريمة، وهو مبحث مستقل يغاير البحث التفسيري التحليلي.
1. «الذين هادوا»
العبارة الأولى التي يتعين إيضاح مدلولها اللغوي هي (الَّذِينَ هَادُوا)؛ أما عبارة (الَّذِينَ آمَنُوا) فليس فيها مفردة لغوية غامضة تقتضي التبيين اللغوي الصرف، وإن كان تفسيرها والمراد منها بحاجة إلى تفصيل لاحقاً. وقوله (هَادُوا) يراد به من تهوّدوا؛ أي صاروا يهوداً ودخلوا في هذه الملة.
ذكر اللغويون والمفسرون ثلاثة وجوه ومباني في منشأ اشتقاق لفظ “يهود”:
الوجه الأول يذهب إلى أن اللفظ مشتق من “الهَوْد”، وهو في اللغة التوبة والرجوع والعودة إلى الحق. وبناءً على هذا المسلك، تتعدد احتمالات وجه التسمية إلى وجوه ثلاثة:
الاحتمال الأول: أنهم سموا بذلك لرجوعهم وعودتهم عن عبادة العجل وتوبتهم منها؛ حيث خاطب نبي الله موسى (عليه السلام) ربه بلسان قومه وبني إسرائيل في قوله تعالى: (إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ) [الأعراف: 156]؛ أي تبنا ورجعنا إليك، فلُقبوا باليهود لذلك.
الاحتمال الثاني: أنهم سموا يهوداً لكونهم قد هادوا ورجعوا عن شريعة نبي الله موسى (عليه السلام) بعد وفاته أو في حياته.
الاحتمال الثالث: أن التسمية نشأت من عودتهم ورجوعهم عن شريعة الإسلام الحقة التي جاء بها الأنبياء قاطبة.
وهذه الوجوه الثلاثة في التسمية تجري على فرض كون المادة مشتقة من الهَوْد بمعنى التوبة والرجوع.
الوجه الثاني يستند إلى ما ورد في الرواية عن الإمام (عليه السلام) حيث قال: «لأنهم يتهوّدون عند القرائة أي يتحركون»؛ أي إنهم سموا يهوداً لكونهم يتمايلون ويتحركون يميناً وشمالاً عند تلاوة التوراة وقراءتها. وهذه السجية والتحرك ظاهر وملاحظ في عبادتهم وقراءتهم إلى يومنا هذا؛ حيث اعتادوا الاضطراب والتمايل عند القراءة منذ العصور الغابرة. ويعود منشأ هذه العقيدة لديهم إلى أن السماوات والأرض والبحار قد اهتزت وتحركت هيبةً وإجلالاً يوم نزول التوراة على موسى في طور سيناء، فهم يحاكون تلك الحركة عند التلاوة.
الوجه الثالث يقرر أن أصل لفظ “يهود” مشتق من “يهوذا”، وهو النجل الأكبر لنبي الله يعقوب (عليه السلام)؛ فسموا يهوداً بالانتساب والتعريب لكونهم من سلالته وأتباعه، ثم عُربت الكلمة وقُلبت الذال دالاً تخفيفاً ليدور اللفظ على صيغة “يهود”. وهذا الوجه منقول في بعض الروايات ومؤيد تاريخياً ولغوياً.
2. «النصارى»
اللفظ الآخر الوارد في الآية الكريمة هو (النَّصَارَى)، وهناك احتمالات متعددة صاغها المفسرون واللغويون حول هذا اللفظ، سواء من جهة وجه التسمية والاشتقاق، أو من جهة كونه مفرداً في الأصل أم جمعاً:
الاحتمال الأول: يذهب طائفة من المفسرين -منهم الآلوسي- إلى أن لفظ “نصارى” يجري مجرى المفرد دائماً، وجاءت الياء المضافة فيه للمبالغة أو للتمييز بين المفرد والجمع، كلفظي روم ورومي.
الاحتمال الثاني: ما نُقل عن الخليل بن أحمد الفراهيدي، من أن لفظ “نصارى” هو جمع لكلمة “نَصْران”.
الاحتمال الثالث: أن يكون لفظ “نصارى” جمعاً لكلمتي “نَصْران” للمذكر و”نَصْرانة” للمؤنث، على زنة “سَكارى” جمع سكران وسكرانة.
أما وجه تسمية أتباع السيد المسيح (عليه السلام) بالنصارى، فتتعدد فيه الوجوه والاحتمالات المطروحة توازياً مع ما ذُكر في شأن اليهود:
أولاً: أن التسمية منسوبة إلى إجابة الحواريين لنبي الله عيسى (عليه السلام) حينما تساءل في قوله تعالى: (مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) [آل عمران: 52]، فبادروا بالقول في قوله تعالى: (نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) [آل عمران: 52]، فلُقبوا بالنصارى لكونهم أنصار الله ودينه.
ثانياً: ما جاء في الرواية المسندة عن الإمام علي بن موسى الرضا (عليهما السلام) حيث قال: «لِمَ سُمِّيَ النَّصَارَى نَصَارَى؟ قَالَ (ع): لِأَنَّهُمْ كَانُوا مِنْ قَرْيَةٍ اسْمُهَا نَاصِرَةُ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ»؛ حيث علل الإمام (عليه السلام) التسمية بانتسابهم إلى بلدة “الناصرة” من ديار الشام، وهي المنطقة التي استقر فيها نبي الله عيسى وأمه البتول مريم (عليهما السلام) بعد إيابهما من ديار مصر.
وعلى أية حال، فإن ترجيح أحد هذين الوجهين اللغويين ليس بذي أهمية بالغة في مسلك البحث؛ وإن كان الوجه الأول يستند إلى ظاهر القرآن والوجه الثاني يعضده صريح الرواية الشريفة.
بحث الجلسة المقبلة
سنتطرق بمشيئة الله تعالى وتوفيقه في الجلسة المقبلة لاستعراض ومناقشة الآراء والوجوه المقررة حول لفظ “الصابئين”.