الدرس الثالث والثلاثون، المسألة السابعة، معنى السفيه
الدرس الثالث والثلاثون
المسألة السابعة – معنى السفيه – الرأي المختار – الشواهد
23 جمادى الآخرة 1447 هـ
خلاصة الدرس السابق
تدور المسألة السابعة حول السفيه وتشتمل على فرعين: أحدهما، هل يصح نكاح السفيه بدون إذن الأب أو الجد أم لا؟ والآخر، ما هو حكمه لو نكح بدون إذن؟ ولكن قبل أن نتطرق لهذين الفرعين، ذكرنا أنه لا بد من إجراء دراسة موجزة حول معنى السفيه. وكما أُشير، فإن السفيه بحسب المعنى اللغوي لا يختص بالمسائل المالية، بل كل من كان مبتلى بخفة العقل بحسب تعبير البعض (ولهذا السبب يختلف عن المجنون)، سواء في الأمور المالية أو غير المالية، يُعد سفيهاً. غير أن المشهور بين الفقهاء أن السفيه يُطلق على من لا يستطيع تشخيص صلاحه وفساده في الأمور المالية؛ بمعنى أنهم حصروا خفة العقل وعدم القدرة على تشخيص الصلاح والفساد في الأمور المالية.
الرأي المختار في معنى السفيه
نريد الآن أن نرى هل هذا الاختصاص صحيح في السفيه أم لا؟ فعبارات الفقهاء ناظرة غالباً إلى نفس هذا المعنى الذي عرضناه.
-
عندما يريد العلامة في “القواعد” أن يعرّف الرشد (باعتبار أن الرشد يقابل السفه)، يقول: «فَهُوَ كَيْفِيَّةٌ نَفْسَانِيَّةٌ تَمْنَعُ مِنْ إِفْسَادِ الْمَالِ وَصَرْفِهِ فِي غَيْرِ الْوُجُوهِ اللَّائِقَةِ بِأَفْعَالِ الْعُقَلَاءِ»؛ فالرشد حالة وكيفية نفسانية تمنع الشخص من إتلاف ماله وصرفه في وجوه وطرق لا يصرف العقلاء أموالهم فيها. إذن فالرشد في الواقع هو مانع من مثل هذا الفعل؛ مانع من إتلاف المال والفساد فيه.
-
ويقول الشهيد الثاني في ذيل عبارة المحقق الذي يقول: «أَنْ يَكُونَ مُصْلِحاً لِمَالِهِ»، يقول: «لَيْسَ مُطْلَقُ الْإِصْلَاحِ مُوجِباً لِلرُّشْدِ، بَلِ الْحَقُّ أَنَّ الرُّشْدَ مَلَكَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ تَقْتَضِي إِصْلَاحَ الْمَالِ وَتَمْنَعُ مِنْ إِفْسَادِهِ وَصَرْفِهِ فِي غَيْرِ الْوُجُوهِ اللَّائِقَةِ بِأَفْعَالِ الْعُقَلَاءِ». فقد أورد نفس المضمون تقريباً الذي جاء به المرحوم العلامة في “القواعد”، ويقول إن الحق هو أن الرشد ملكة نفسانية تقتضي إصلاح المال وتمنع من إفساده وصرفه في غير الوجوه العقلائية.
السؤال: …
الأستاذ: نحن لم ندخل بعد في مسألة الزواج؛ نحن نعرّف السفيه الآن. ذلك دليل ذكره البعض هنا لعدم صحة الزواج، وهو طبعاً ينطوي على إشكالات سنعرضها.
إذن، فقد ذكر هؤلاء العناصر الأساسية للسفاهة من خلال التعريف بضد السفه أي الرشد؛ وأن السفاهة حالة نفسانية توجب الإفساد في المال وصرفه في غير الوجوه العقلائية. هكذا عرّف كبار الفقهاء السفيه.
3. ويقول الشيخ الطوسي أيضاً في تفسير الرشد: «أَنْ يَكُونَ مُصْلِحاً لِمَالِهِ»؛ وبالطبع يضيف قيداً آخر سنوضحه لاحقاً؛ فهو يتابع قائلاً: «عَدْلًا فِي دِينِهِ»؛ فقد أضاف قيد العدالة أيضاً وسنوضحه لاحقاً. وذلك لأن مسألة العدالة لم تُلاحظ في الكتب الفقهية وبين الفقهاء كقيد وعنصر مقوم للرشد؛ بل طُرحت مسألة الإصلاح في المال فقط؛ وفي المقابل، السفيه بمعنى من يفسد ماله ويتلفه.
والآن يجب أن نرى هل هذا صحيح حقاً؟ أي هل السفاهة هي مطلق تشخيص الصلاح والفساد، أم أنها تختص بالأمور المالية؟
لقد أوضحنا سابقاً وبالمناسبة معنى الرشد في بحث النكاح؛ وإذا كنتم تتذكرون، فقد قلنا هناك إن مسألة الرشد أعم من الأمور المالية؛ أي هي مطلق القدرة على تشخيص الفساد والصلاح؛ بحيث يستطيع تشخيص وفهم ما هو حسن وسيء في الحياة. ولذا يُطلق السفيه على من يفتقد مثل هذا الإدراك. فلماذا شاع هذا الأمر بين الفقهاء إذن؟ أؤكد مرة أخرى أنه خلافاً لما اشتهر بين الفقهاء، فإن السفيه يعني من لا رشد له، ولديه خفة في العقل، ولا يمتلك القدرة على تشخيص صلاحه وفساده. نعم، لهذا مصداق وتجلٍّ في كل مجال وله مراتب؛ سأعرض مدعاي هنا أولاً، ثم أطرح دليلي على هذا المدعى؛ وإن كان مخالفاً لرأي مشهور الفقهاء.
المدعى هو أن السفاهة والرشد مفاهيم عامة لا تختص بالأمور المالية؛ نعم، قد يختصان في مورد ما، ولكن هذا بحسب القرائن؛ بمعنى أنه تارة قد يتعلق بالأمور المالية، وتارة أخرى قد يتعلق بالزواج؛ وتارة قد يتعلق بشؤون الأسرة. فعدم القدرة على تشخيص الصلاح والفساد يمكن أن يكون مطلقاً، ويمكن أن ينحصر في مجال خاص. فضلاً عن أن له مراتب أيضاً؛ فتارة تكون السفاهة شديدة وتارة تكون أضعف. وعلى أي حال، وبما أنه وقع موضوعاً للدليل في بعض الموارد، وأنيطت بعض الأحكام بالرشد، فلا بد من ذكر معنى ومعيار واضح للرشد؛ فلا يمكننا تركه مبهماً ومجملاً وتجاوزه. علينا إثبات أصل هذا الشمول أولاً، ثم التطرق لبعض التفاصيل الأخرى.
الشواهد
-
مسألة السفاهة والرشد ليست حقيقة شرعية. يجب علينا أولاً أن نرى ما هو المرجع الذي يجب أن يحدد لنا معنى السفاهة والرشد؛ فإذا كانت حقيقة شرعية، فبطبيعة الحال يجب علينا الرجوع إلى الأدلة الشرعية؛ أما إذا لم تكن حقيقة شرعية، فيجب أن نلجأ إلى المعنى اللغوي، لنرى بعد ذلك ما هو معناها في العرف، وهل ثمة فرق بين المعنى اللغوي والعرفي أم لا. وعلى أي حال، فإن هذا المفهوم كالكثير من المفاهيم، قد أُحيل إلى العرف؛ ولا نمتلك أي دليل يثبت أن هذه حقيقة شرعية أو متشرعية. ففي المطاف الأخير، فإن كونها حقيقة شرعية متوقف على البيان الشرعي. ولذا، فحتى القائلون باختصاص مسألة الرشد بالأمور المالية، لا يعتقدون بأنها حقيقة شرعية؛ غاية الأمر أن هناك جهات دعت إلى حملها على خصوص الماليات. وبما أنها ليست حقيقة شرعية، فيجب أن نرجع إلى اللغة والعرف؛ وكما لاحظتم، فقد ذُكر معنى للسفاهة والرشد في اللغة، ولا يوجد فيه أي دليل أو علامة أو شاهد على الاختصاص بالأمور المالية. وبين العرف أيضاً يروج نفس المعنى المذكور لهذا اللفظ في اللغة. إذن فالمعيار هو العرف؛ ويجب أن نرى كيف يعرّف العرف السفاهة. ففي الكثير من الموارد عندما يقع عنوانٌ موضوعاً لدليل ما، يجب الرجوع إلى العرف. والعرف أيضاً، وتبعاً للغة وباعتبار أننا نعلم عدم اختلاف المعنى العرفي عن اللغوي، فهو هذا المعنى نفسه؛ أي خفة العقل التي تختلف عن الجنون أيضاً. وهذا هو المطلب الذي صرّح به صاحب “الجواهر” أيضاً من أن الرشد ليس حقيقة شرعية بل هو مفهوم عرفي.
والسؤال الآن: إذا لم يكن حقيقة شرعية وكان أمراً عرفياً، وله معنى واحد في اللغة والعرف، فلماذا حمله الفقهاء على الأمور المالية؟ يعود ذلك غالباً إلى الآية السادسة من سورة النساء التي تقول: (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)؛ وكذلك إلى روايتين وردتا في ذيلها. فالآية تقول: عندما يبلغ اليتامى وتلمسون منهم الرشد، فادفعوا إليهم أموالهم؛ وقبل ذلك، نهت عن أي تصرف أو تعرض لأموالهم، وأناطت أي إجراء بمراعاة الصرف والصلاح في أموال اليتامى. ولكنها تقول بعد ذلك: متى ما آنستم ولمستم منهم الرشد، فادفعوا إليهم أموالهم. وفي ذيل هذه الآية، وردت رواية عن الإمام الباقر (ع) حيث قال: «أَنَّهُ الْعَقْلُ وَإِصْلَاحُ الْمَالِ»، فالرشد هو العقل وإصلاح المال. ونظير هذه الرواية ورد عن الإمام الصادق (ع) أن: «أَنَّهُ حِفْظُ الْمَالِ»، فالرشد هو حفظ المال. واستناداً إلى هاتين الروايتين اللتين فُهم منهما أنهما تعرّفان مطلق الرشد، قيل إن الرشد حالة نفسانية تمنع من إفساد المال. ولكن هل يمكننا واقعاً حمل هاتين الروايتين الواردتين في ذيل هذه الآية على أنهما في مقام بيان معنى مطلق الرشد؟ هذا بعيد؛ بمعنى أن المطلب في هذه الآية بالخصوص هو هذا؛ فالإمام (ع) يفسّر الرشد في هذه الآية؛ فقد سُئل الإمام (ع) ما هو معنى إناطة دفع أموال اليتامى بالرشد؟ فقال الإمام (ع): إصلاح المال. ومن المعلوم أن هذا ناظر إلى الرشد الدخيل في لزوم دفع أموال اليتامى؛ وليس الإمام (ع) في مقام بيان معنى مطلق الرشد. فقد سُئل عن الرشد في هذا الدليل لكونه قيداً للموضوع أو شرطاً له، ما هو المقصود بهذا الرشد الذي تذكره هذه الآية بعد البلوغ؟ فيقول الإمام (ع)… وهذا كافٍ في هذا الحد. لأن المحور هو دفع الأموال؛ ولا يوجد بحث عن النكاح والأعمال الأخرى أصلاً. فمصداق الرشد في هذا المورد هو القدرة على تشخيص الصلاح والفساد بحسب المال.
وقولنا إنها ليست حقيقة شرعية، وأن اللغة والعرف قد بينا نفس هذا المعنى، هو في حد ذاته مؤيد للنقطة التي ذكرناها. فقد قلنا إن الرشد ليس حقيقة شرعية؛ ثم طُرح سؤال: لماذا فُسّر هكذا هنا؟ وكان عرضنا هو أنه قد سُئل عن هذا الدليل والإمام (ع) أيضاً قد وضّح ناظراً إلى هذا المورد. فهل يمكن أن نقول إنه ليس حقيقة شرعية، ولا حقيقة لغوية، ولا يوجد أي مجاز؛ وأن الشرع والعرف قد استعملاه في نفس معناه اللغوي؛ ولكن عندما نريد ذكر الرشد في مورد ما كقيد للموضوع أو شرط له، نقول إن المقصود هو الأمور المالية؟ هذا لا يمكن. يقول الراغب الأصفهاني: السفه بمعنى خفة الوزن في البدن؛ بحيث لا يستطيع الإنسان الحفاظ على توازنه عند المشي. فالخفة التي يقولونها تعني حالة من الخفة؛ كالأطفال الذين بدأوا المشي للتو ولا يستطيعون الحفاظ على توازنهم، أو أولئك الذين أُصيبوا بالوهن بعد فترة من المرض ولا يمتلكون القدرة على الحركة ولا يستطيعون الحفاظ على توازنهم عند المشي، فيُطلق عليهم عنوان السفه. وقد استعمل العرف هذا في المورد الذي يُصاب فيه العقل بالخفة؛ وفي هذه الجهة لا يوجد أي فرق بين الأمور المالية وغير المالية؛ فمعناه هو هذا في كل من الأمور المادية والمعنوية. ولذا لا يوجد أي مبرر لحمل السفه على خصوص من لا يستطيع تشخيص صلاحه وفساده في الأمور المالية. فيجب أن يكون هذا إما حقيقة شرعية وهو ليس كذلك، أو أن يكون قد فُسّر في اللغة هكذا وهو غير موجود، أو أن العرف مثلاً قد تصرّف في المعنى اللغوي وهو ليس كذلك أيضاً؛ ولا نملك أي آية أو رواية تخصص هذا بالأمور المالية. فكيف نقول إذن إن الرشد هو القدرة على تشخيص الصلاح والفساد في الأمور المالية؟
-
يقول المرحوم السيد في المسألة السابعة من العروة: لو تزوج السفيه بدون إذن، فزواجه غير صحيح. ويقول في المسألة الثامنة أيضاً: «إِذَا كَانَ الشَّخْصُ بَالِغاً رَشِيداً فِي الْمَالِيَّاتِ لَكِنْ لَا رُشْدَ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَمْرِ التَّزْوِيجِ وَخُصُوصِيَّاتِهِ»، فموضوع المسألة الثامنة هو من كان رشيداً في الأمور المالية، ولكن لا رشد له بالنسبة إلى أمر التزويج. إذن يتبين أن الرشد لا يختص في نفسه وبذاته بالأمور المالية. فتارة يُظهر الرشد نفسه في الأمور المالية وتارة في غير الماليات؛ وبالتبعية فإن السفاهة كذلك أيضاً؛ فتارة يكون السفيه من لديه سفاهة في الأمور المالية، وتارة من لديه سفاهة في سائر الأمور أو في أمر الزواج. ثم يبين ما هو معنى من لا رشد له في أمر الزواج؛ «مِنْ تَعْيِينِ الزَّوْجَةِ وَكَيْفِيَّةِ الْإِمْهَارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَالظَّاهِرُ كَوْنُهُ كَالسَّفِيهِ فِي الْمَالِيَّاتِ»؛ ومجرد أنه يأتي بقيد “في الماليات” وأمثاله بجانب السفيه، فهذا في حد ذاته يؤيد هذا المعنى، وهو أن للسفيه والرشيد معنى عاماً ومطلقاً ولا يوجد أي مبرر لأن نعرّف السفيه والرشيد بحيث يختصان بالأمور المالية.
السؤال: …
الأستاذ: قرينة السياق تدل على أن المسألة المالية مطروحة هنا؛ فهو يقول لا تؤتوا أموالكم للسفهاء. فالسفيه يعني من لا يمتلك القدرة على إصلاح المال. … (وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفاً * وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ)؛ فهو يقول اختبروا اليتامى وامتحنوهم. وقد سُئل الإمام (ع) أيضاً: ما هو الرشد؟ … هذا لا علاقة له بالحقيقة المتشرعية؛ هذا اصطلاح الفقهاء. … إشكالنا كله هو: لماذا تصرفتم في ما ليس بحقيقة شرعية وحصرتموه في الأمور المالية؟ … قد تقولون: لو لم يمتلك شخص رشداً في الأمور المالية، فبطريق أولى لن يمتلكه في الأمور الأخرى؛ لكنه يقول في المسألة الثامنة: «إِذَا كَانَ الشَّخْصُ بَالِغاً رَشِيداً فِي الْمَالِيَّاتِ لَكِنْ لَا رُشْدَ لَهُ بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَمْرِ التَّزْوِيجِ»، فإذن قد يكون شخص ذا رشد في الأمور المالية، ولكنه لا يمتلك رشداً في أمر التزويج.
ولذا فالسفيه يعني من لا يمتلك القدرة على تشخيص الصلاح والفساد. فقد يكون هناك حكم خاص في الأمور المالية وفي غير المالية… ذلك بحث آخر؛ نحن لا شأن لنا بالحكم الآن؛ نحن نتحدث عن اللفظ نفسه.