The news is by your side.

الدرس الثالث عشر، المسألة 5، المقام الأول

الدرس الثالث عشر
المسألة 5 – المقام الأول: دراسة ثبوت الخيار للصغيرة – أدلة عدم ثبوت الخيار – الدليل الثاني: الروايات – الطائفة الثانية من الروايات – التقريب الأول والثاني ودراستهما – الطائفة الثالثة من الروايات – الرواية الأولى

20 ربيع الآخر 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

ذكرنا أنه قد ذُكرت عدة أدلة لعدم ثبوت الخيار للصغيرة التي زُوّجت من قِبل جدها أو وليها بعد بلوغها. وكان الدليل الأول هو الإجماع الذي خضع للخدشة والمناقشة؛ أما الدليل الثاني، فهو الروايات. وقد أوضحنا أن ثلاث طوائف من الروايات قد ذُكرت واستُدل بها في هذا المقام. والطائفة الأولى هي الروايات التي تدل – إما بإطلاقها أو بالأولوية – على نفي اعتبار إذن البنت ورضاها في أمر الزواج مع وجود الأب؛ وبعبارة أخرى، الروايات الدالة على استقلال الأب في نكاح البالغة الرشيدة. وقد بُيّن تقريب الاستدلال بهذه الطائفة من الروايات؛ وقلنا إنه يمكن الاستدلال بهذه الروايات على عدم ثبوت الخيار بتقريبين. وقد أُشكل على هذه الطائفة بكلا تقريبيها؛ وعمدة الإشكال في الطائفة الأولى هي أن هذه الروايات لا تدل أساساً على استقلال الأب في أمر نكاح البنت. وذلك لابتلائها بالمعارض، أو لوجود قرائن في الرواية نفسها (بغض النظر عن الروايات المعارضة) تمنع من استظهار استقلال الأب منها. وعليه، متى ما خُدش في أصل هذه الدلالة، فلا يسعها أن تدل على عدم ثبوت الخيار فيما نحن فيه لا بالإطلاق ولا بالأولوية.

الطائفة الثانية من الروايات

الطائفة الثانية هي الروايات الدالة على صحة تزويج الصغيرة من قِبل الولي؛ وبعبارة أخرى، الروايات المستفيضة التي تثبت أصل ولاية الأب في نكاح البنت. وعدد هذه الروايات ليس بقليل؛ بل لعلها تبلغ حد الاستفاضة؛ أي إنها تبلغ مبلغاً يورث للإنسان شبه اطمئنان بصدورها عن المعصوم (عليه السلام) لكثرتها. وفي ختام الجلسة السابقة، أشرنا إجمالاً إلى تقريبين للاستدلال بهذه الروايات، بيد أن بيانهما وتوضيحهما قد أُرجئ؛ وقلنا إن هذه الطائفة من الروايات تدل على عدم ثبوت الخيار للصغيرة إما بالإطلاق اللفظي أو بالإطلاق المقامي. ونظراً لضيق الوقت حينها، فقد لزم علينا توضيح هذين التقريبين في هذه الجلسة، وسنخضعهما للدراسة إن شاء الله.

وقد نقلنا هذه الروايات سابقاً بالمناسبة؛ فقد عُقد في كتاب الوسائل باب تحت هذا العنوان: «بَابُ ثُبُوتِ الْوَلَايَةِ لِلْأَبِ وَالْجَدِّ لِلْأَبِ خَاصَّةً مَعَ وُجُودِ الْأَبِ لَا غَيْرِهِمَا عَلَى الْبِنْتِ غَيْرِ الْبَالِغَةِ الرَّشِيدَةِ وَكَذَا الصَّبِيِّ»؛ فعنوان الباب هو: الروايات التي بموجبها تثبت الولاية للأب والجد للأب ولا تثبت لغيرهما؛ الولاية على البنت غير البالغة الرشيدة، أي الصبية؛ أي باب ثبوت ولاية الأب والجد على الصبي والصبية. وقد ذُكرت روايات كثيرة في هذا الباب. فكيف تدل تلك الروايات الدالة على ثبوت الولاية على الصغيرة، على أن هذه الصغيرة لا تمتلك حق فسخ النكاح بعد البلوغ؟ يمكن ذكر تقريبين للاستدلال بهذه الروايات.

التقريب الأول

أحدهما يتم من طريق الإطلاق اللفظي. والإطلاق اللفظي يعني أن تزويج الصغيرة من قِبل الأب أو الجد محكوم بالصحة بإطلاقه؛ أي بناءً على هذه الروايات، لو زوّج الأب أو الجد الصبي أو الصبية من شخص آخر، فإن هذا العقد يُعد صحيحاً ونافذاً، والحكم بصحة ونفوذ تزويج الصغيرة والصغير مطلق. بمعنى أنه لا يحق لها الفسخ حتى بعد البلوغ؛ أي إن شمول صحة هذا العقد يمتلك الإطلاق من حيث مرحلة ما قبل البلوغ وما بعد البلوغ. فلم تُقيد صحة هذا التزويج بزمان البلوغ، ولم يُقل إنه صحيح حتى زمان البلوغ؛ بل له إطلاق من حيث الحكم بالصحة؛ أي إنه يشمل ما قبل البلوغ وما بعد البلوغ معاً، ولم يُجعل لهذه البنت أي حق في نقض هذا التزويج. إذن، يرمي المستدل من خلال هذه الروايات إلى إثبات صحة العقد عن طريق الإطلاق اللفظي، ويثبت بالنتيجة عدم خيار الفسخ، وأن هذا العقد لازم وغير قابل للنقض.

التقريب الثاني

التقريب الثاني هو الإطلاق المقامي؛ والإطلاق المقامي عبارة عن بيان الدليل لحكمٍ خالٍ من أي قيد، مع عدم ورود أي قيد له في دليل آخر. وذلك لأنه لو كان في ذهن الشارع والمقنن قيد أو تحديد خاص، للزمه في نهاية المطاف ذكره إما في نفس الدليل أو في دليل آخر؛ فحينما نرى خلو الدليل نفسه وبقية الأدلة من أي قيد، يسعنا استفادة الإطلاق. فهذا إطلاق مقامي، لا لفظي. ففي الإطلاق اللفظي، نستنتج الإطلاق من نفس ألفاظ الدليل وعدم ذكر القيد. ولكن في الإطلاق المقامي (كما يتضح من تسميته) نقول إن المقنن والشارع الذي هو في مقام التقنين والجعل والتشريع، لو كان يضع في حسبانه تقييداً أو تحديداً خاصاً لحكم ما، للزمه على أية حال بيان هذا القيد من خلال دليل وفي موقف ما؛ فإذا لم نعثر على دليل كهذا، نقول: يُعلم من ذلك أن ذلك القيد والتحديد لم يكن منظوراً، وإلا لاقتضى شأن المقنن وموقعه بيانه. والأمر يسري على ذات النسق هاهنا أيضاً؛ فمن جهة، نرى أن الأدلة والروايات قد أثبتت الولاية للأب على الصغيرة والصغير؛ ومن جهة أخرى، لم يُذكر أي قيد لولايته وصحة عقد نكاحه وتزويجه. فلم يرد في أي دليل أن هذا النفوذ والصحة مقيدان بزمان بلوغ البنت. ولا نلحظ هذا القيد والتحديد في نفس هذا الدليل فحسب، بل ينسحب الأمر على سائر الروايات أيضاً. ولذا، نقول إن الإطلاق المقامي يقتضي كون هذا التزويج صحيحاً ونافذاً إلى الأبد؛ وليس مقيداً ببلوغ البنت. بل يظل هذا العقد والتزويج صحيحاً ونافذاً حتى بعد البلوغ.

دراسة الطائفة الثانية من الروايات

والآن، يجب أن نرى ما إذا كانت الطائفة الثانية من الروايات تدل على عدم ثبوت الخيار أم لا.

دراسة التقريب الأول

التقريب الأول للاستدلال الذي يرمي إلى إثبات عدم ثبوت الخيار من طريق الإطلاق اللفظي، فيه إشكال. وذلك لأننا لكي نتمسك بالإطلاق اللفظي لا بد من إحراز مقدمات الحكمة؛ وأهم هذه المقدمات: “كون المتكلم في مقام البيان”، فيجب أن يكون المتكلم في مقام البيان. وهناك بطبيعة الحال مقدمات أخرى؛ كإمكان الإتيان بالقيد مع عدم الإتيان به، وانتفاء القدر المتيقن في مقام التخاطب؛ غير أن الأهم من هذا كله هو أن يكون المتكلم في مقام بيان تمام مراده ومقصوده. وهنا، لكي نتمسك بالإطلاق اللفظي، يجب إحراز كون المتكلم في مقام البيان من هذه الحيثية. أية حيثية؟ حيثية استمرار صحة العقد ودوام نفوذ هذا التزويج. فيجب إحراز كون المتكلم في مقام البيان من جهة أصل ثبوت الاختيار والولاية للأب والجد في تزويج الصبي والصبية لغيرهما، كما يجب إحراز كون هذا الحكم (الحكم بصحة ونفوذ تزويج البنت من قِبل الولي) في مقام البيان من جهة زمان بلوغ البنت وعدم بلوغها. في حين أن هذا غير قابل للإحراز. نعم، إن كافة الروايات المذكورة في هذا الباب هي في مقام البيان من الجهة الأولى؛ أي من المعلوم أن هذه الروايات في مقام البيان من جهة إثبات أصل ولاية الأب وصحة تزويجه؛ أي إنها في مقام بيان أصل حكم ولاية الأب أو الجد على الصبي والصبية. أما أن تكون هذه الروايات في مقام البيان من جهة المدى الزمني الذي تستمر فيه صحة هذا التزويج ودوامه (وهل هو مقتصر على زمان البلوغ أم يستوعب ما بعد البلوغ أيضاً)، فليست كذلك.

إذن، عمدة الإشكال على التقريب الأول للاستدلال بالطائفة الثانية من الروايات يكمن في أنه لما كانت هذه الروايات ليست في مقام البيان من الجهة المنظورة لدينا، فلا يسعنا الاستدلال بها.

دراسة التقريب الثاني

التقريب الآخر للاستدلال بهذه الروايات يرتكز على امتلاكها للإطلاق المقامي، لنثبت من هذا الطريق شمول الولاية وصحة التزويج لمرحلة ما بعد البلوغ. فهل يصح الاستناد إلى الإطلاق المقامي وشموله لما نحن فيه؟ ليس من المستبعد أن نعدّ هذه الروايات مطلقة من هذه الجهة، ولكن بالإطلاق المقامي. فنقول: إن الشارع في نهاية المطاف قد أثبت وبيّن أصل صحة التزويج المذكور، ولكنه لم يأتِ بأي ذكر لقيد أو تحديد. ولذا، لا يُستبعد أن يسعنا قبول الاستدلال بالطائفة الثانية من الروايات عن طريق الإطلاق المقامي.

الطائفة الثالثة من الروايات

الطائفة الثالثة من الروايات هي الروايات الخاصة. فقد كانت الطائفتان الأولى والثانية تمثلان الروايات العامة والمطلقة؛ حيث أثبتنا لزوم عقد النكاح استناداً إلى بعض الروايات العامة والمطلقة. فنقول إنها تحمل عنواناً عاماً أو مطلقاً يشمل ما نحن فيه في نهاية المطاف. أما الطائفة الثالثة، فتُعرف بالروايات الخاصة؛ والمراد بالروايات الخاصة تلك الروايات الواردة في هذا المورد بخصوصه، أي تزويج الصبية من قِبل الأب أو الجد. ويمكننا في هذه الطائفة ذكر عدة روايات أيضاً. فمثلاً، أورد البعض روايتين، فيما ذهب آخرون لذكر روايتين أخريين؛ وقد أشار المرحوم السيد الخوئي إلى روايتي عبد الله بن الصلت وعلي بن يقطين. بينما أورد المرحوم السيد الحكيم ثلاث روايات: رواية عبد الله بن الصلت، ورواية إسماعيل بن بزيع، وكذلك صحيحة علي بن يقطين. وبطبيعة الحال، ذكر المرحوم السيد الخوئي هذه الروايات على سبيل المثال، وصرّح بوجود روايات أخرى هاهنا. أي إن الروايات وافرة، فلا توجد مشكلة من هذه الجهة.

والآن، نقرأ هذه الروايات لنرى ما إذا كانت تمتلك الدلالة أم لا.

الرواية الأولى

الرواية الأولى هي صحيحة محمد بن إسماعيل بن بزيع: «عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ بَزِيعٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ (عليه السلام) عَنِ الصَّبِيَّةِ يُزَوِّجُهَا أَبُوهَا ثُمَّ يَمُوتُ وَهِيَ صَغِيرَةٌ فَتَكْبَرُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا زَوْجُهَا، أَيَجُوزُ عَلَيْهَا التَّزْوِيجُ أَوِ الْأَمْرُ إِلَيْهَا؟ قَالَ (عليه السلام): يَجُوزُ عَلَيْهَا تَزْوِيجُ أَبِيهَا». يقول محمد بن إسماعيل بن بزيع: سألت الإمام (عليه السلام) عن طفلة زوّجها أبوها من شخص آخر ولكنه توفي. وقبل أن يدخل بها زوجها، كبرت هذه الطفلة وبلغت؛ فهل ذلك التزويج نافذ وصحيح، أم يُوكل الأمر إلى البنت ليُعمل بقرارها كيفما شاءت؟ فقال الإمام (عليه السلام): يجوز عليها تزويج أبيها؛ أي نَفَذَ، ينفذ عليها تزويج أبيها. فقد صرّحت الرواية بنفوذ هذا العقد؛ ومعنى ذلك أنها لا تمتلك الخيار وأن هذا العقد لازم. إذن، تدل هذه الرواية على لزوم نكاح هذه البنت.

السؤال: …

الأستاذ: فيما يخص كون لفظ «يَجُوزُ» بمعنى الحكم التكليفي أو الوضعي، فإن ذلك يُفهم من السؤال والجواب نفسيهما. فحينما يقول الإمام (عليه السلام) هاهنا «يَجُوزُ»، فإن معناه: “يلزم”.

بحث الجلسة القادمة

ثمة روايتان أو ثلاث روايات أخرى يتعين علينا بيانها، ومن ثم دراستها لنرى ما إذا كانت تدل على هذه المسألة أم لا.