الدرس العاشر، المسألة الرابعه، المقام الثاني
الدرس العاشر
المسألة الرابعه– المقام الثاني: دراسة اشتراط المصلحة – دراسة كلام السيد – أدلة عدم الصحة – الدليل الرابع – وجه الاشتراك بين الأدلة الأربعة – الحق في المسألة – دراسة إشكال آية الله الحكيم
13 ربيع الآخر 1447 هـ
خلاصة الجلسة الماضية
أشرنا إلى أن المرحوم السيد (اليزدي) قد أورد في المسألة الخامسة من العروة الوثقى مطلباً لم يذكره الإمام (الخميني) في المسألة الرابعة من التحرير. وحاصل المطلب أنه لو تقدم لخطبة فتاة خاطبان، أحدهما أصلح من الآخر، فآثر الجد أو الأب غير الأصلح تلبية لميله ورغبته القلبية، ففي صحة عقده إشكال. وبيّنا أن ثمة قولين في هذه المسألة؛ طائفة توافق المرحوم السيد وتقول كما قال: «في صحته إشكال»؛ في حين تذهب طائفة أخرى إلى القول بالصحة. وهذا الإشكال يغاير الإشكال الذي أورده المرحوم السيد الحكيم على مثال المرحوم السيد (اليزدي).
وذكرنا أن القائلين بعدم الصحة قد أقاموا عدة أدلة على مدعاهم؛ وقد استعرضنا ثلاثة منها. الدليل الأول: أن إيثار غير الأصلح على الأصلح يستلزم وقوع الضرر؛ إذ كان بمقدور الولي أن يجلب منفعة أعظم للمولى عليه، لكنه أحجم عن ذلك استجابة لأهوائه النفسية. ومن ثم، يتحقق عنوان الضرر، وتُقصر الإطلاقات عن شمول هذا الفرض. الدليل الثاني: أن عنوان الفساد يتحقق هنا، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ (القصص: 77) يمنع شمول الإطلاقات. الدليل الثالث: أن ولاية الأب والجد ليست أمراً تأسيسياً، بل هي أمر إمضائي؛ فقد أمضى الشارع ما هو رائج ومتعارف لدى الناس والعقلاء. وما جرت عليه سيرة العقلاء، ويُعد من مرتكزاتهم، هو الولاية التي يُقدم فيها الأصلح على غير الأصلح. ولذا، فإن هذا الفرض لا يندرج أساساً تحت تأييد الشارع وإمضائه؛ وعليه، فإن الإطلاقات التي تحمل طابع التأييد والإمضاء للسيرة العقلائية لا تشمل هذا المورد.
ويكمن وجه الاشتراك بين هذه الأدلة الثلاثة في عدم شمول الإطلاقات لهذا الفرض؛ ففي كل دليل من هذه الأدلة، تم التأكيد على أن إطلاقات الولاية، التي بموجبها تنفذ ولاية الجد والأب ويصح تزويجهما، لا تستوعب هذا الفرض؛ إما لانصرافها عنه، أو لوجود مقيد يقيدها. ففي نهاية المطاف، إما أن يتحقق عنوان الضرر، أو عنوان الفساد، أو يخرج هذا المورد عن نطاق الولاية أساساً بمقتضى الارتكاز العقلائي.
الدليل الرابع
وثمة دليل آخر يمكن إيراده في هذا المقام، ولا يبعد رجوعه إلى الدليل الثاني؛ الدليل الرابع، والذي يُستشف من كلمات المحقق العراقي – وقد تلونا عبارته سابقاً – يقضي بأن مثل هذا التزويج يُعد مصداقاً للخيانة. ونص عبارة المحقق العراقي: «ولعله في مثل هذا الفرض يصدق على مثل هذا التزويج خيانة على الصغير وأدلة الولاية منصرفة عن هذه الحالة»؛ فهو يرى أن وجه الإشكال في صحة مثل هذا النكاح يكمن في كونه مصداقاً للخيانة بحق الصغير. فمتى ما آثر الجد أو الأب غير الأصلح تنفيذاً لمأربه النفسي ونحّى الأصلح، عدّ ذلك خيانة للصغير، ومن المقطوع به أن أدلة الولاية تنأى عن شمول هذا الفرض.
إذن، يرتكز هذا الدليل كسوابقه الثلاثة على أساس انصراف أدلة الولاية عن مانحن فيه؛ وعلة ذلك كونه مصداقاً للخيانة. فالأدلة التي تُثبت الولاية للأب والجد، إنما تختص بصورة تنتفي فيها الخيانة. ومن البدهي أن الولاية تسقط متى ما كانت مصداقاً للخيانة، وهذا المورد يندرج تحت مصاديق الخيانة.
وجه الاشتراك بين الأدلة الأربعة
وما ذكرناه كوجه اشتراك للأدلة الثلاثة السابقة، يتجلى هنا أيضاً. فجوهر هذه الأدلة الأربعة يكمن في أمر واحد: انصراف أدلة الولاية عن مثل هذا الفرض؛ سواء كان ذلك لصدق عنوان الضرر، أو لصدق عنوان الفساد، أو لصدق عنوان الخيانة، أو بناءً على الارتكاز العقلائي الذي أشرنا إليه. بله، قد تؤول الخيانة أيضاً إلى الدليل الثاني. غير أنني أؤكد مجدداً على هذه النقطة: في الدليلين الأول والرابع، انصب البحث على إطلاقات أدلة الولاية، في حين بُني الدليل الثاني على عنوان الفساد المستفاد من ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْفَسادَ﴾ (القصص: 77)، وهو ما يحول دون انعقاد الإطلاق في أدلة الولاية.
دليل القول بالصحة
في المقابل، يستند القول بالصحة إلى دليل جلي، أشار إليه المرحوم السيد الخوئي أيضاً. فمقتضى إطلاقات أدلة الولاية هو الصحة؛ إذ لا تنصرف هذه الأدلة إلى فرض الأصلح ولا تُقيد به. فهو يرى أن أدلة الولاية مطلقة؛ أي إنها أثبتت الولاية للجد والأب، سواء كان التزويج للأصلح أم للصالح (ونعني بغير الأصلح: الصالح). فإطلاقات أدلة الولاية تقتضي صحة التزويج بالصالح أيضاً؛ ولا يوجد في البين ما يُقيد هذه الأدلة أو يصرفها إلى فرض خاص. ولذا، فإنها تشمل هذا الفرض، ومقتضى أدلة الولاية في مانحن فيه هو الحكم بصحة العقد ونفوذه.
إذن، يفترق مسار القائلين بالصحة عن مسار القائلين بعدم الصحة في نقطة واحدة؛ فالقائلون بعدم الصحة يرون أن تلك الإطلاقات إما أن تُقيد أو تنصرف إلى فرض التزويج بالأصلح. بينما يرى القائلون بالصحة أن تلك الإطلاقات لا تُقيد ولا تنصرف إلى هذا الفرض. وهذا هو موضع افتراقهم؛ وقد أشير إلى هذا المطلب في عبارة المرحوم السيد الخوئي: «فإن مقتضى إطلاقات الأدلة السالمة من المقيد والشاملة للفرض، هو الحكم بالصحة والنفوذ». فهو يقرر أن هذه الإطلاقات مصونة وسالمة من التقييد.
الحق في المسألة
ما هو الحق في هذه المسألة إذن؟ هل ينبغي لنا أن نُشكل في الصحة كما ذهب المرحوم السيد (اليزدي)، أم نحكم بالصحة كما ارتأى المرحوم السيد الخوئي؟ يتعين علينا النظر فيما إذا كانت تلك الإطلاقات قد قُيدت أم لا؛ وهل تمكنت أدلة التقييد من إثبات التقييد أم لا؟ لقد أسهبنا الحديث سابقاً حول هذه الإطلاقات؛ وقررنا أن إطلاقات ولاية الأب والجد منصرفة إلى فرض المصلحة. أما انتفاء المفسدة، فهو أظهر من أن يُذكر؛ ولكن حينما يرمي الأب أو الجد إلى تزويج بنته أو حفيدته وهي صغيرة لرجل، فلا بد من خلو العقد من المفسدة، بل والأهم من ذلك، أن يكون واجداً للمصلحة. وقد ذهبنا إلى ما هو أبعد من الاحتياط الوجوبي الذي قال به المشهور، فرأينا جواز الفتوى بذلك. وقلنا إنه بالاستناد إلى مجموع أدلة، يسعنا القول بلزوم مراعاة المصلحة. ولكن، هل يتجاوز الأمر ذلك ليكون اختيار الأصلح أو المصلحة الراجحة على المصلحة المرجوحة (أي الصالح) واجباً أيضاً؟ فهل الدواعي التي اقتضت منا العدول عن إطلاقات الولاية، والقول بثبوت الولاية للأب شريطة اقترانها بالمصلحة، تقتضي أيضاً لزوم مراعاة الأصلح؟ فبناءً على ذلك الاستدلال، يصح التزويج شريطة مراعاة هذا العنصر فيه؛ فهل يقتضي ذات الدليل أو البيان تقديم الأصلح على الصالح؟
حاصل أدلة القائلين بعدم الصحة هو أن ذات الأدلة التي توجب مراعاة المصلحة، تقتضي هنا أيضاً لزوم مراعاة الأصلح. في المقابل، يرى القائلون بالصحة خلاف ذلك؛ بل يعتبرون مراعاة الأصلح أولى، لا واجبة. فثمة فرق بون بين القول بلزوم مراعاة الأصلح، والقول بكونها أحسن؛ فهل من الأفضل مراعاة الأصلح، أم يتحتم مراعاته؟ يبدو أن مراعاة الأصلح لا تبلغ حد الإلزام؛ فما يمكن أن يقيد إطلاقات الولاية هو مراعاة أصل المصلحة؛ أي ألا يشكل ذلك مفسدة أو ضرراً أو خيانة للبنت؛ أما وجوب أخذ الأصلح بعين الاعتبار، فمن غير المعلوم قدرته على التسبب في انصراف تلك الإطلاقات أو تقييدها. فالمصلحة الأقل لا تعد خيانة. بله، الأفضل اختيار الأصلح؛ ولعل هذا الرجحان مؤكد أيضاً؛ ولكن القول بأنه لو زوّج بنته أو حفيدته لأي سبب كان، ولو لتشهي نفسه، بشخص صالح في مقابل الأصلح، ففي صحته إشكال، هو أمر عسير الإثبات. لأن موجبات الانصراف أو المقيدات في هذا الفرض، لا تبلغ من القوة مبلغاً يحول دون شمول إطلاقات الولاية. نعم، الأفضل تقديم الأصلح على الصالح؛ ولكن لو تعذر هذا الأمر لأي سبب، فهل يسعنا القول ببطلان هذا العقد؟ هذا أمر مشكل. ولذا، يبدو أن الحكم هنا هو حسن الاحتياط، أو بتعبير آخر، القول بأن الاحتياط المستحب هو اختيار الأصلح.
السؤال: …
الأستاذ: هم يقولون بذلك، ولكن هل يجب علينا حقاً أن نرى في هذا خيانة وفساداً؟ الخيانة والفساد ليسا عنوانين يتحققان هكذا جزافاً. بله، الأصلح له رجحان، ولكن لو آثر غيره ونحّى الأصلح، فهل يعد ذلك خيانة؟ … البحث يكمن في أنهم يعتبرون هذه العناوين مقيدة لتلك الإطلاقات أو موجبة لانصرافها؛ ولماذا؟ لأن هذا الفعل إما أن يكون مصداقاً للخيانة، أو مصداقاً للضرر، أو مصداقاً للفساد. ورأينا هو أن هذا الفعل لا يُعد مصداقاً للخيانة ولا الضرر ولا الفساد.
ولذا، فإن الحق في هذا المقام، خلافاً لصاحب العروة، هو الصحة؛ فنحن نحكم بالصحة هنا. وبطبيعة الحال، فإن الاحتياط الاستحبابي يقتضي اختيار الأصلح.
دراسة إشكال آية الله الحكيم
بقي أمر أخير نود الإشارة إليه قبل الشروع في المسألة الخامسة من التحرير. أشرنا إلى أن المرحوم السيد الحكيم قد أورد إشكالاً على مثال المرحوم السيد (اليزدي) في متن المسألة الرابعة؛ وقد قرأنا عبارة المرحوم السيد. وحاصل إشكال السيد الحكيم أن هذا المطلب لا يستقيم في حق الصغير؛ لأن الصغير لو زُوج بفتاة بمهر باهظ، عُد ذلك مصداقاً للضرر، وخرج عن محل بحثنا؛ لأن بحثنا يختص بالصورة التي تتحقق فيها مصلحة مرجوحة، لا الصورة التي يقع فيها الضرر. فالفرض يختص بوجود شخص صالح يترتب على الزواج منه مصلحة؛ ووجود شخص أصلح يترتب على الزواج منه مصلحة أعظم. أما القول بأن تزويج الصغير من فتاة بمهر باهظ يوجب الضرر عليه، فهذا خروج عن فرضنا؛ وقد أورد إشكاله هذا في مورد الصغير حصراً. ويرى أن هذا الإشكال لا يرد في حق الصغيرة. لأن الصغيرة لو زُوجت من فتى، ولو بمهر قليل، لا يُعد ذلك ضرراً؛ فهناك يمكننا تصوير فتاة يتقدم لخطبتها خاطب يعرض مهراً أكثر، وآخر يعرض مهراً أقل؛ فيكون الأول أصلح والثاني صالحاً. إذن، إشكال المرحوم السيد الحكيم يختص بتزويج الصغير.
ويبدو أن هذا الإشكال غير وارد؛ ويمكن الإجابة عنه بوجهين.
أولاً: عبارة المرحوم السيد ناظرة في الغالب إلى تزويج الصغيرة؛ إذ يقول: تقدم خاطبان يعرض أحدهما مهراً أكثر والآخر مهراً أقل؛ وهذا يقيناً مصداق للأصلح والصالح. فظاهر عبارة المرحوم السيد لا يشير إلى تزويج الصغير ولا يمت لزواج الفتى بصلة؛ بل البحث يتمحور حول زواج الفتاة. ولذا، لا ينبغي لنا حصر كلام السيد في دائرة تزويج الصغير؛ وصحيح أن عبارة المرحوم السيد تضمنت هذا النص: «بل يشكل الصحة إذا كان هناك خاطبان أحدهما أصلح من الآخر بحسب الشرف أو من أجل كثرة المهر أو قلته بالنسبة إلى الصغير فاختار الأب غير الأصلح لتشهي نفسه». فعبارة «بالنسبة إلى الصغير» هي موضع إشكال المرحوم السيد الحكيم، حيث يرى أنها تثير إشكالاً في مورد تزويج الصغير؛ ولكن عند التأمل في مجموع العبارة، نجد أنها تختص بالصغيرة. لأنه يقول تقدم خاطبان أحدهما أصلح بالنسبة للصغير من حيث الشرف أو كثرة المهر أو قلته؛ فعبارة «بالنسبة إلى الصغير» تشير إشعاراً إلى فرض تزويج الصغير، إلا أن مجموع العبارة ينصب على تزويج الصغيرة.
ثانياً: لماذا قال المرحوم السيد الحكيم: «بخلاف الصغيرة»؟ فنص عبارته: «بخلاف الصغيرة إذا زوجت بالمهر القليل، فإنه خلاف الأصلح لا غير». فهو قد قبل الإشكال في حق الصغير، ولكنه يرى أن الأمر يختلف في حق الصغيرة؛ بمعنى أن الصغيرة لو زُوجت بمهر باهظ، كان ذلك أصلح؛ ولو زُوجت بمهر قليل، تحققت المصلحة المرجوحة ولم يصدق عنوان الضرر. والسؤال المطروح: ما الفرق بين الفتى والفتاة؟ لماذا يُعد زواج الفتى بمهر باهظ ضرراً عليه، في حين لا يُعد زواج الفتاة بمهر قليل ضرراً عليها؟ ما وجه التفريق بينهما؟ ففي نهاية المطاف، المهر القليل مقارنة بالمهر الباهظ، يُعد ضرراً للفتاة وفقاً لملاك السيد الحكيم؛ تماماً كما يُعد المهر الباهظ للفتى مقارنة بالمهر القليل ضرراً عليه. ففي الختام، إما أن يصدق عنوان الضرر في كليهما، أو ينتفي فيهما معاً؛ ولذا، فإن التفريق والتفكيك بينهما غير سديد.
بحث الجلسة القادمة
هذا تمام الكلام في المسألة الرابعة. وسنشرع في المسألة الخامسة في الجلسة القادمة إن شاء الله.