الدرس الرابع، المسألة 4، المقام الأول
الدرس الرابع
المسألة 4 – المقام الأول: دراسة اشتراط عدم المفسدة – أدلة الاشتراط – الدليل الرابع: لا ضرر – دراسة الدليل الرابع – الإشكال – الجواب – المؤيد: أصالة الفساد – دراسة احتمال عدم صحة النكاح حتى في فرض الإجازة – مبنى احتمال عدم الصحة
28 ربيع الأول 1447 هـ
الدليل الرابع: لا ضرر
كان البحث في أدلة اشتراط عدم المفسدة في ثبوت ولاية الأب والجد على نكاح البنت؛ وقد خضعت عدة أدلة للدراسة. الدليل الأول هو الإجماع، والدليل الثاني هو الروايات، والدليل الثالث هو انصراف الإطلاقات، وهي ما تم دراسته وبحثه.
والدليل الرابع هو دليل نفي الضرر. وقاعدة “لا ضرر” بناءً على مسلك المشهور تنفي أي حكم ضرري في الشريعة، وهي حاكمة على كافة الأدلة؛ أي استناداً إلى قاعدة “لا ضرر”، متى ما استلزم حكم في الشريعة إيقاع الضرر على الغير، فإن هذا الحكم يكون منتفياً. وتتصف هذه القاعدة بالحكومة على جميع أدلة الأحكام الأولية؛ ومن جملة الأحكام الأولية، جعل الولاية للأب والجد. وبمقتضى بعض الروايات، يثبت للأب والجد ولاية على البنت؛ وهذا حكم وضعي، لكون الولاية تندرج ضمن الأحكام الوضعية. وحينئذٍ، لو كانت ولاية الأب والجد على نحو يوجب ترتب مفسدة وضرر على البنت، فإنها تنتفي استناداً إلى قاعدة “لا ضرر”. وبعبارة أخرى، تختص ولاية الأب والجد بمورد لا يستلزم المفسدة؛ فالولاية لم تثبت على نحو الإطلاق بحيث تستوعب حتى الصورة التي تتضمن ضرراً ومفسدة للبنت. وبما أن إطلاق أدلة ولاية الأب والجد، بنحو يشمل فرض المفسدة، يوجب الضرر على البنت، فإن قاعدة “لا ضرر” ترفعه وتنفيه بالكلية؛ ولذا، بالاستعانة بهذه القاعدة، يسعنا اعتبار “عدم المفسدة” شرطاً، والقول بأن ولاية الأب والجد منوطة بعدم المفسدة، أو بتعبير آخر، إن إنكاح البنت من قِبل الأب والجد إنما يقع صحيحاً ونافذاً شريطة خلوه من المفسدة والضرر عليها. وحينما نقول باشتراط انتفاء المفسدة، فذلك يعني أن العقد لا يقع صحيحاً حال وجود المفسدة، وهذا يؤول لمعنى عدم ثبوت ولايتهما عليها هاهنا.
وقد ذكر صاحب الجواهر (قدس سره) هذا الدليل؛ كما استند إليه المرحوم السيد الحكيم (قدس سره) في “المستمسك”.
دراسة الدليل الرابع
الإشكال
وقد سُجل إشكال على هذا الدليل أيضاً؛ وحاصله أن غاية ما يقتضيه دليل “لا ضرر” في الموارد التي يتضمن فيها العقد أو المعاملة ضرراً، هو رفع اللزوم؛ فلو افترضنا – على سبيل المثال – أن شخصاً أبرم معاملة غبنية، فإن قاعدة “لا ضرر” ترفع لزوم هذه المعاملة، ويثبت للشخص خيار الفسخ لرد المعاملة، غير أن أصل العقد لا تشوبه شائبة؛ فقاعدة “لا ضرر” تبرز فاعليتها في حدود دفع الضرر، وتأثيرها هاهنا يقتصر على مقدار رفع الضرر المتمثل في رفع لزوم العقد، دون أن تتصرف في أصل العقد ذاته. والقول بأن قاعدة “لا ضرر” تبطل العقد هو أمر محل إشكال. بيد أنكم تبطلون عقد الأب والجد في فرض وجود المفسدة استناداً إلى قاعدة “لا ضرر”؛ وقولكم بعدم نفوذ هذا العقد في صورة المفسدة، يعني بالضرورة عدم صحته بالكلية.
الجواب
ويكمن الجواب عن هذا الإشكال في أن قاعدة “لا ضرر” إنما تنفي اللزوم في مورد المعاملات والعقود المالية. ذلك لأن أصل العقد في العقود المالية يخلو من الإشكال ولا يتضمن ضرراً في ذاته، وإنما الضرر يكمن في لزومه وإلزام الطرفين بالوفاء به وسلب خيار الفسخ منهما. ففي الموارد التي يتحقق فيها الغبن، أو يترتب فيها الضرر، أو في حال فساد المبيع أو الثمن، يكون الحكم باللزوم مستلزماً للضرر؛ ومن هنا، ترفع قاعدة “لا ضرر” اللزوم. أما في مورد كالنكاح، فإن أصل العقد يكون ضررياً في صورة اشتماله على المفسدة. فالبنت التي يزوجها أبوها من رجل مدمن عاطل عن العمل، يقع الضرر والإشكال هنا في أصل العقد؛ ولذا، يتوجه دليل “لا ضرر” إلى العقد نفسه ليمنع من نفوذه وصحته، وينفي أصل الصحة بالكلية.
إن قلت: إذا كانت قاعدة “لا ضرر” تمنع من صحة ونفوذ عقد النكاح المشتمل على المفسدة، فإن لازمه عدم صيرورته صحيحاً حتى مع الإجازة اللاحقة. وبعبارة أخرى، قد أورد الإمام (الخميني) والمرحوم السيد (اليزدي) في تتمة هذه المسألة أنه إذا كان العقد مشتملاً على المفسدة، فإنه يكون فضولياً. ونص عبارة المرحوم السيد: «وإلا يكون العقد فضولياً كالأجنبي». وقد صرّح الإمام أيضاً بذات المعنى، حيث يصح هذا العقد بالإجازة اللاحقة. والسؤال المطروح: إذا كان العقد غير نافذ بسبب المفسدة، فإن ذلك يعني انهدامه؛ وحينئذٍ، لا يمكن للإجازة اللاحقة أن تصححه. فإذا لم ينعقد العقد، فكيف يصح بالإجازة اللاحقة؟
قلت: إذا كان العقد مشتملاً على الضرر والمفسدة، فإنه يفتقر إلى “الصحة الفعلية”؛ أي لا يوجب الزوجية ولا يقع نافذاً ولا تترتب عليه آثار الزوجية. غير أنه يتصف بـ “الصحة الشأنية”؛ ففي كافة موارد العقد الفضولي، تتحقق الصحة الشأنية؛ بمعنى أنه كأنما تحققت جميع أجزاء العقد وأركانه، باستثناء جزء واحد لم يتحقق، وهو رضا وإذن وإجازة أحد طرفي المعاملة. ومتى ما صدرت الإجازة منه، تبلغ هذه الصحة مرحلة الفعلية؛ فالعقد قابل للصحة، إلا أن صحته ليست فعلية. فعقد النكاح إذا اشتمل على مفسدة لا يقع نافذاً ولا صحيحاً؛ نظراً لكون “عدم المفسدة” شرطاً في ولاية الأب. بيد أن هذا العقد غير النافذ، والذي لم تبلغ صحته مرحلة الفعلية، يحمل قابلية الصيرورة صحيحاً بالفعل متى ما لحقته إجازة البنت. وما يُذكر من أن العقد الفضولي “مراعى بإجازة الأصيل”، فما معناه؟ معناه أن العقد قد استوفى كافة شروطه وأجزائه إلا الإذن والإجازة والرضا. نعم، ما لم تصدر الإجازة، فإن العقد لا ينعقد؛ إلا أن هيكله وشروطه تامة بأسرها؛ فقد صيغ قالب متكامل يبلغ مرحلة الفعلية بمجرد لحوق الإجازة.
السؤال: …
الأستاذ: هكذا يسري الأمر في كل عقد فضولي… والمفروض هاهنا انتفاء الولاية في هذه الصورة؛ فنتساءل: إذا زوّج الولي بنته من شخص يوجب تزويجها منه مفسدة عليها، فهل تثبت له ولاية لإجراء ذلك أم لا؟ نجيب بانتفاء ولايته في هذا المورد؛ فحينما نقرر اشتراط ذلك بـ “عدم المفسدة”، فمعناه سلب حقه في الإقدام على هذا الفعل. وقد بيّنتُ في الجلسة الماضية أيضاً أن البعض يذهبون إلى صحة هذا العقد وتمامه؛ مستندين في ذلك إلى قاعدة “الولي نازل منزلة المولى عليه”؛ فكما لو أوقعت البنت العقد بنفسها لكان تاماً، فكذلك الولي قد نُزل منزلتها، فلو أوقع العقد – وإن اشتمل على مفسدة – لكان صحيحاً وتاماً. وقد صرح البعض بهذا الرأي، في حين أننا رددناه؛ وقلنا إن المشهور، بل المتفق عليه، يمنع الولي من التصرف كيفما شاء، كأن يزوج البنت ممن لا تقتضي مصلحتها الزواج منه فحسب، بل يوجب مفسدة لها؛ ونقرر أن نطاق هذه الولاية يقف عند هذا الحد، وتنتفي ولايته في تلك الصورة.
وبناءً عليه، يمكننا الاستناد إلى قاعدة “لا ضرر” أيضاً لإثبات اعتبار “عدم المفسدة” وشرطيتها في صحة العقد ونفوذه، أو بتعبير آخر، في ثبوت الولاية في نكاح البنت.
المؤيد: أصالة الفساد
وتتعزز هذه الأدلة الأربعة بمؤيد واحد؛ فرغم استغنائنا عن الأصل العملي بوجود هذه الأدلة، إلا أن “أصالة الفساد” في باب المعاملات تعد مؤيداً للاشتراط أيضاً. فلو افترضنا قصور الأدلة الأربعة بأسرها عن إثبات شرطية “عدم المفسدة” في الولاية، لساورنا الشك في صحة ونفوذ العقد المشتمل على مفسدة والذي أوقعه الأب أو الجد على البنت. وحينئذٍ، تقتضي أصالة الفساد الحكم بفساد هذا العقد؛ ومن ثم، يثبت كونه مشروطاً بعدم المفسدة.
دراسة احتمال عدم صحة النكاح حتى في فرض الإجازة
هذا تمام الكلام في المقام الأول. وقبل الشروع في المقام الثاني، نلحظ تذييلاً في عبارة المرحوم (السيد اليزدي)؛ حيث قال: «وإلا يكون العقد فضولياً كالأجنبي، ويحتمل عدم الصحة بالإجازة أيضاً». لم ترد هذه العبارة في كتاب “تحرير الوسيلة”، غير أنها سُجلت في “العروة الوثقى”. ومراده (قدس سره) أن هذا العقد لا يقع صحيحاً حتى مع لحوق إجازة البنت؛ أي إنه يفتقر إلى الصحة الشأنية أيضاً. وقد ثبت حتى الآن اعتبار “عدم المفسدة” قطعاً في الصحة الفعلية؛ بمعنى أن العقد يفتقر إلى الصحة الفعلية ما دامت المفسدة قائمة، ولكي يكتسب هذه الصحة الفعلية، يتعين على البنت إجازة العقد بعد البلوغ؛ ليؤول بذلك إلى عقد فضولي. فلو امتنعت عن الإجازة، لانتفت صحة العقد؛ أما لو أجازته، وقع صحيحاً. غير أن المرحوم السيد (اليزدي) طرح احتمالاً يقضي بعدم صحة هذا العقد حتى مع الإجازة اللاحقة. وقد أورد عليه جمع من المحشين إشكالات؛ حيث علّق كل من الإمام (الخميني) والمرحوم السيد الخوئي هاهنا. فجاءت عبارة الإمام: «لكنه ضعيف»، أي إن هذا الاحتمال ضعيف. وكذلك أشكل كل من المحقق النائيني، والمحقق العراقي، والمرحوم السيد الخوئي (قدست أسرارهم) على السيد (اليزدي) معتبرين أن احتمال انتفاء الصحة حتى بعد الإجازة هو احتمال ضعيف وبعيد. والسؤال المطروح: أولاً، ما هو وجه إيراد المرحوم السيد لهذا الاحتمال وما هو مبناه؟ وبعبارة أخرى، ما هو مستند كلام السيد؟ وثانياً، ما هو مستند المستشكلين على المرحوم السيد؟ ولماذا ذهب البعض إلى تضعيف هذا الاحتمال؟
مبنى احتمال عدم الصحة
يتركز مبنى احتمال عدم الصحة على مسألة مطروحة في باب العقد الفضولي، ومفادها: هل يُشترط وجود المجيز حال العقد وأهليته للإجازة والإمضاء حين صدور العقد أم لا؟ فمثلاً، حينما يبيع شخص مال غيره (كغاصب يبيع داراً لغيره)، وكان المالك في زمان العقد يمتلك الأهلية للإجازة، غير أنه لم يكن على علم بالأمر أو لم يُخبر به، فانتفت الإجازة؛ أي لم يتحقق الإذن والرضا. إلا أنه كان متمتعاً بالأهلية لذلك في حينه. فهنا يحمل العقد قابلية لحوق الإجازة؛ لكون صحة العقد الفضولي مشروطة بتمتع ذلك الطرف بأهلية الإجازة في زمان العقد. أما في فرض انتفاء أهلية الإجازة – كمقامنا هذا حيث لم تكن البنت بالغة حين العقد ليتسنى لها الإجازة – فإن العقد لا يصح حتى مع الإجازة اللاحقة. فتارة تكون البنت بالغة ويزوجها أبوها؛ فهنا تمتلك البنت صلاحية وأهلية الإجازة في نفس الوقت وحين إيقاع العقد. وتارة أخرى تكون غير بالغة، فلا يسعها إجازة هذا العقد. ولذا، يقع العقد باطلاً في هذه الصورة.
وعليه، فإن مبنى احتمال عدم الصحة – في صورة اشتمال عقد الجد والولي على مفسدة – يكمن في افتقار تلك البنت لأهلية الإجازة حين إيقاع العقد؛ ولذلك احتمل المرحوم السيد (اليزدي) بطلان هذا العقد وقصور الإجازة اللاحقة عن تصحيحه. فتبين إذن الوجه في طرح المرحوم السيد لهذا الاحتمال.
وقد أورد المرحوم السيد الخوئي إشكالاً على هذا الاحتمال ومبناه، وبناءً عليه صرح قائلاً: «لكنه بعيد». ويقرر (قدس سره) أن صحة العقد الفضولي بعد لحوق الإجازة، تُلحظ تارة بوصفها أمراً موافقاً للقاعدة، وأخرى بوصفها مدلولاً للروايات؛ أي تارة نقول إن القاعدة تقتضي صحة العقد الفضولي بعد لحوق الإجازة، وتارة أخرى نقول إن العقد الفضولي لا يصح بلحوق الإجازة بمقتضى القاعدة، غير أننا نحكم بصحته استناداً لورود روايات خاصة تدل على صحته. وعليه، فإن تصحيح العقد الفضولي بالإجازة اللاحقة ينطوي على وجهين؛ فإما أن نقول بتوافقه مع القاعدة، واقتضائها لصحته بالإجازة اللاحقة، لتمامية كافة أركان العقد وانحصاره في إشكال واحد وهو رضا المالك، فمتى ما تحقق الرضا وقع العقد صحيحاً وتاماً؛ وإما أن نقول بانتفاء صحة العقد الفضولي بمقتضى القاعدة حتى مع الإجازة اللاحقة، غير أننا نلتزم بذلك تعبداً لورود روايات تدل على صحة العقد الفضولي في فرض إجازة المالك. إذن، فالحكم بالصحة يقع تارة على مقتضى القاعدة، ويُستفاد أخرى من الروايات ويُقبل من باب التعبد.
ويذهب المرحوم السيد الخوئي إلى أن ما أفاده المرحوم السيد (اليزدي) لا يستقيم إلا في صورة واحدة؛ وهي أن نعتبر صحة العقد الفضولي في فرض لحوق الإجازة من باب التعبد، لا على مقتضى القاعدة. أي أن نقرر بأن الصحة لا توافق القاعدة، بل التزمنا بصحة العقد الفضولي بعد لحوق الإجازة لأجل الروايات. ولذا يتعين الاقتصار على المقدار المبين في الروايات؛ فكقاعدة عامة، إذا وردت رواية على خلاف القاعدة، وجب الاقتصار على القدر المتيقن منها ويمتنع علينا التعدي وتجاوز حدودها. وهنا تقتضي القاعدة عدم صحة العقد الفضولي. بيد أن روايات قد وردت لتدل على صحته. ولكن، إلى أي مدى يسعنا الخروج عن القاعدة؟ هل الأمر مطلق أم يتعين الاقتصار على نطاق محدد؟ يُقرر السيد الخوئي أن القدر المتيقن من الروايات هو صحة العقد الفضولي في فرض لحوق الإجازة في مورد وجود المجيز وتمتعه بأهلية الإجازة. أما في المورد الذي ينتفي فيه المجيز وتنتفي فيه أهلية الإجازة، فلا يسعنا الحكم بصحة العقد الفضولي.
إذن، فالعلة في طرح المرحوم السيد لاحتمال عدم الصحة حتى مع فرض لحوق الإجازة، تستند إلى هذا المبنى وما يقتضيه؛ وهو اشتراط كون من يعتزم إجازة العقد لاحقاً جائز التصرف وحائزاً على أهلية الإجازة حال إيقاع العقد، وإلا وقعت إجازته باطلة. وبما أن البنت هاهنا غير جائزة التصرف وتفتقر لأهلية الإجازة، فلا يسعها الإجازة لاحقاً. فهل هذا القول تام أم لا؟ ولماذا يتصف هذا الاحتمال بالضعف؟ هذا ما سنبينه إن شاء الله. وبناءً عليه، يواجهنا هاهنا مطلبان: الأول: ما هو دليل الاحتمال الذي أفاده السيد؟ والثاني: ما هو دليل ضعفه؟ وقد بيّنا دليل هذا الاحتمال؛ أما عن وجه ضعفه وبعده، فسنعمد إلى تبيينه في الجلسة القادمة إن شاء الله.