The news is by your side.

الدرس السادس والأربعون، أصالة البراءة، البراءة الشرعية، النقاط الخمس، النقطة الرابعة

الدرس السادس والأربعون

أصالة البراءة – البراءة الشرعية – النقاط الخمس – النقطة الرابعة: منهج الشيخ الأنصاري والمحقق الخراساني في المسألة – النقطة الخامسة: جذر الخلاف بين الأصوليين والأخباريين

1 ربيع الآخر 1447 هـ

النقطة الرابعة: منهج الشيخ الأنصاري والمحقق الخراساني في المسألة

أشرنا إلى أننا نرى في مستهل مباحث البراءة الشرعية ضرورة التنبيه على جملة من النقاط. وقد بُيِّنت ثلاث نقاط في الجلسة الماضية.

فالشيخ الأنصاري حين أراد البحث في أصالة البراءة تناولها ضمن مسائل متعددة بلغت اثنتي عشرة مسألة، في حين أن المرحوم الآخوند عرض هذا المبحث تحت عنوان واحد وفي قالب مسألة واحدة.

ويُطرح هنا السؤال: لماذا أورد المرحوم الشيخ بحث البراءة في صورة مسائل متعددة، في حين لم يسلك المرحوم الآخوند هذا الأسلوب؟ وسبب ذلك أن المرحوم الشيخ لاحظ في هذه المسألة جهاتٍ متعددة، وعلى هذا الأساس رتَّب المسائل متتابعةً وفقاً لتلك الجهات.

يقول الشيخ الأنصاري: إن أصالة البراءة الجارية في موارد الشك في التكليف قد يكون منشؤها أحد أمور عدة:

الأول: عدم النص، بمعنى أنه عند مراجعة الأدلة لا يُعثر على دليل يدل على الحكم الشرعي.

الثاني: إجمال النص، كأن تكون الرواية مشتملة على لفظ مبهم ولا يتيسَّر رفع إبهامه.

الثالث: تعارض نصّين، كأن توجد رواية معتبرة دالة على وجوب صلاة الجمعة ورواية معتبرة أخرى دالة على حرمتها، فيقع التعارض بين النصّين.

الرابع: الاشتباه في الأمور الخارجية، كأن يتردد مائعٌ بين الخل والخمر وتكون حالته السابقة مجهولة.

ففي هذه الصورة الأخيرة يحصل الشك في الحكم الشرعي، لكن منشؤه ليس أياً من الأمور الثلاثة السابقة، بل ناشئٌ من الاشتباه في تشخيص الأمر الخارجي؛ أي إن المكلف عاجزٌ عن تشخيص كون هذا المائع خلاً أم خمراً.

والصور الثلاث الأولى شبهاتٌ حكمية، والصورة الأخيرة شبهةٌ موضوعية.

وهذا التقسيم يوضح بجلاء أنه في الشبهات الحكمية يكون رفع الشك بيد الشارع المقدس، في حين أن المكلف نفسه يستطيع رفع الشبهة في الشبهات الموضوعية. وكل قسم من هذه الأقسام قد يكون وجوبياً وقد يكون تحريمياً.

فثمة إذن تقسيمٌ يتعلق بالشبهات الحكمية والموضوعية، أي إن الشك ينقسم إلى حكمي وموضوعي، وتقسيمٌ آخر ناظر إلى منشأ الشك. ففي الشبهات الحكمية، منشأ الشك إما عدم النص أو إجمال النص أو تعارض النصّين. وكل قسم من هذه الأقسام إما وجوبيٌّ — يتعلق بالوجوب — أو تحريميٌّ — يتعلق بالحرمة —. فثمة ابتداءً ثلاث جهات هنا. وعليه تنقسم الشبهات الحكمية إلى ثلاثة أقسام، وكل قسم منها إما وجوبيٌّ أو تحريمي.

وعلى هذا الأساس تتشعب المباحث. فلو أردنا دراستها من حيث الشبهات الوجوبية والتحريمية بالنظر إلى منشأ الشك تحصّل ثمانية أقسام:

الشبهة الوجوبية التي منشؤها عدم النص، أو إجمال النص، أو تعارض النصّين، أو الاشتباه في الأمر الخارجي. وفي الشبهات التحريمية أيضاً أربعة أقسام على النحو ذاته. فيتحصل هنا ثماني مسائل ينبغي درسها ومناقشتها.

والمرحوم الشيخ الأنصاري قد طرح هذه المسائل الثماني وناقشها واحدةً تلو الأخرى وبيّن ما ينبغي بيانه. غير أن المرحوم الآخوند الخراساني لم يسلك هذا الأسلوب، بل جمع الجميع تحت عنوان واحد.

وتُستثنى من هذه الأقسام الثمانية قسمان يُستبعدان كلياً، هما الشبهات الموضوعية الوجوبية والشبهات الموضوعية التحريمية؛ لأن رفع الشك في الشبهات الموضوعية ليس بيد الشارع، فلا ينبغي في هذه الموارد البحث عن علاج من قِبَله. فيُستبعد هذان القسمان ويبقى ستة أقسام:

الشبهات الحكمية الوجوبية بأقسامها الثلاثة التي منشؤها عدم النص أو إجمال النص أو تعارض النصّين، والشبهات التحريمية التي منشؤها أحد هذه الأمور الثلاثة. فيكون المجموع ستة أقسام.

لكن المرحوم الآخوند لم يُفرِّق بين هذه الأقسام وبحثها جميعاً في موضع واحد. ولتأملوا عبارته، يقول: «لَوْ شَكَّ فِي وُجُوبِ شَيْءٍ أَوْ حُرْمَتِهِ وَلَمْ تَنْهَضْ حُجَّةٌ عَلَيْهِ، جَازَ شَرْعاً وَعَقْلاً تَرْكُ الْأَوَّلِ وَفِعْلُ الثَّانِي، وَكَانَ مَأْمُوناً مِنْ عُقُوبَةِ مُخَالَفَتِهِ».

فلا فرق عنده بين أن يكون عدم قيام الحجة بسبب فقدان النص أو إجماله. ويضيف المرحوم الآخوند: «كَانَ عَدَمُ نُهُوضِ الْحُجَّةِ لِأَجْلِ فَقْدَانِ النَّصِّ، أَوْ إِجْمَالِهِ وَاحْتِمَالِهِ الْكَرَاهَةَ أَوِ الِاسْتِحْبَابَ، أَوْ تَعَارُضِهِ فِيمَا لَمْ يَثْبُتْ بَيْنَهُمَا تَرْجِيحٌ…»، فجمع الجميع تحت عنوان واحد هو «لَوْ شَكَّ فِي وُجُوبِ شَيْءٍ أَوْ حُرْمَتِهِ» وبيّن حكم المسألة.

فقد لاحظتم إذن أن المرحوم الآخوند خلافاً للمرحوم الشيخ أورد عنواناً واحداً ومسألةً واحدة، وبما أنه يرى أن لا فرق بين هذه الموارد فقد تناولها جميعاً معاً.

وثمة ما يمكن أن يُعزِّز ترجيح تفكيك المسائل علاوة على هذه الصور، وهو الخلاف بين الأخباريين والأصوليين في بعض هذه الصور مما سيُوضَّح في النقطة الخامسة إن شاء الله. فهذا الخلاف الموجود في بعض هذه الصور يقتضي التمييز بين هذه المسائل. ومع ذلك لم يفعل المرحوم الآخوند ذلك.

وهذا هو الفارق في منهج هذين العلمين في هذه المسألة. ومن جهة ربما يكون المنهج الذي سلكه الشيخ أدق، غير أنه من جهة أخرى لا ضرورة للتفكيك بين هذه المسائل. ويبدو أن منهج المرحوم الآخوند في عرض المطلب بصورة كلية كافٍ. فلو أردنا التفكيك المنفصل بين الشبهات الوجوبية والتحريمية، وأغلب أدلتها واحدة، لاستلزم ذلك طبيعياً التكرار أو التطرق غير الضروري لبعض المطالب.

النقطة الخامسة: جذر الخلاف بين الأخباريين والأصوليين

وفق ما اشتُهر، يقول الأصوليون بالبراءة في الشبهات الحكمية التحريمية؛ أي إنه متى ما احتملنا حرمة شيء نفينا هذا الاحتمال بأصالة البراءة. ونتيجة إجراء البراءة في هذه الشبهات أنه لو احتمل شخصٌ حرمة شيء ثم ارتكبه فلا استحقاق للعقوبة؛ لأن العقاب بلا بيان قبيح.

في حين يرى الأخباريون أنه في الشبهات التحريمية يجري الاحتياط لا البراءة، فمتى احتُمل حرمة شيء وجب الاجتناب عنه حتماً، وإن لم يجتنب المكلف عن محتمل التحريم فهو مستحقٌّ للعقوبة. وهذا الخلاف لا يوجد في الشبهات الوجوبية؛ إذ الأخباريون لا يقولون بالاحتياط في الشبهات الوجوبية، فالخلاف في الشبهات التحريمية وحدها.

وينبغي الآن بيان منشأ هذا الخلاف، ولماذا ذهب الأخباريون خلافاً للأصوليين إلى الاحتياط؟ وأساساً لماذا فصّلوا بين الشبهات الوجوبية والشبهات التحريمية؟ وربما يبدو لكم بادئ الأمر أن الأخباريين يخالفون قاعدة قبح العقاب بلا بيان، غير أن الأمر ليس كذلك. فالأخباريون كالأصوليين يعتقدون بقبح العقاب بلا بيان؛ أي لا خلاف بين الأصوليين والأخباريين في الكبرى — أي في هذه القاعدة الكلية ذاتها —، إذ إنهم يدركون هذا الحكم العقلي ويفهمون القول بأن العقاب بلا بيان قبيح.

والخلاف في الصغرى؛ بمعنى هل يكون العقاب في الشبهات التحريمية إذا ارتكبنا محتمل الحرمة عقاباً بلا بيان فيكون قبيحاً، أم لا؟ فالنزاع بين الأخباريين والأصوليين إذن نزاعٌ صغروي لا كبروي، وإلا فأصل الكبرى — أي قبح العقاب بلا بيان — مقبولٌ لديهم أيضاً.

ويرى الأخباريون أنه في الشبهات الحكمية التحريمية ثمة في الواقع أمرٌ بالاحتياط؛ أي إن الشارع قد نهانا عن العمل بما نحتمل حرمته. ويعتقدون أن لدينا روايات متعددة تدل على وجوب الاحتياط في مثل هذه الشبهات. وقد يذهب بعضهم حتى إلى القول بوجوب الاحتياط في الشبهات الوجوبية أيضاً، أي إنه متى احتُمل وجوب شيء ينبغي الإتيان به.

غير أن ما نودّ بيانه هنا هو أن كثيراً من تلك الأدلة والروايات التي يرى الأخباريون دلالتها على وجوب الاحتياط تعاني من إشكالات سندية ودلالية؛ أي إن الأصوليين يقولون إن هذه الروايات والأدلة لا تدل على لزوم الاحتياط، أو أنهم لا يقبلون هذه الروايات من الناحية السندية. وبعض هذه الروايات متعلقٌ في الأصل بالشبهات المحصورة. وفي الشبهات المحصورة بالنظر إلى العلم الإجمالي الذي لدينا يجب الاحتياط عموماً، وحتى لو لم تكن تلك الروايات التي يذكرونها، لحكم العقل بلزوم الاحتياط أصلاً، غير أن هذا الحكم خاصٌّ بالشبهات المحصورة.

فالنقطة الخامسة إذن في بحث البراءة هي هذا الخلاف الذي أشرنا إليه. وينبغي مراعاة هذا الأمر وفهم ما يُنكره الأخباريون وما يسعى الأصوليون إلى إثباته. وقد تبيّن في هذا البحث أن النزاع بين الأخباريين والأصوليين نزاعٌ صغروي لا كبروي؛ أي لا نقاش في كبرى المسألة وهي قبح العقاب بلا بيان. غير أن الأصوليين يقولون: ليس لدينا بيانٌ من الشارع في مورد الشك في التكليف في الشبهات الأعم من الوجوبية والتحريمية. أما الأخباريون فيقولون: بل لدينا بيان، لكن ما يعدّونه بياناً غير مقبول لدينا، دلالةً أو سنداً، وكثيرٌ منه مخدوش.

وبهذا نكون قد ذكرنا خمس نقاط قبل الدخول في أدلة البراءة. وينبغي الآن عرض هذه الأدلة.

وقد وصل بحثنا إلى أدلة أصل البراءة الشامل للشبهات الوجوبية والتحريمية معاً؛ أي إننا سنتناولها معاً وفق منهج المرحوم الآخوند، إذ لا فرق بينها في أغلب الموارد.

ولاحظوا الأدلة الآتية؛ إذ تشمل بعمومها وإطلاقها كلاً من الشبهات الوجوبية والتحريمية. وقد استُدل على هذا المدّعى — أي البراءة في الشك في التكليف الشامل للشبهات التحريمية والوجوبية — بأدلة أربعة: «وَقَدِ اسْتُدِلَّ عَلَيْهِ بِالْأَدِلَّةِ الْأَرْبَعَةِ»، وهي: الكتاب والسنة والإجماع والعقل. وهذه هي الأدلة الأربعة التي سنعرضها.

موضوع الجلسة القادمة

ننتقل الآن إلى الأدلة. والدليل الأول هو الكتاب — القرآن الكريم —، إذ استُدل ببعض الآيات القرآنية على إثبات البراءة. وثمة آياتٌ عدة ينبغي قراءتها ودراسة ما إذا كانت تستطيع إثبات البراءة أم لا.