The news is by your side.

الدرس الثمانون، أصالة البراءة، أدلة البراءة، الدليل الثاني

الدرس الثمانون
أصالة البراءة – أدلة البراءة – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى: حديث الرفع – دراسة دلالة حديث الرفع – 2. “ما” الموصولة – المطلب الثاني: دراسة اختصاص وعدم اختصاص “ما” بالشبهات الموضوعية – الطرق الخمسة لتعميم حديث الرفع للشبهات الموضوعية والحكمية ودراستها إجمالاً

7 شعبان 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

لقد بينا حتى الآن ودرسنا خمسة طرق من طرق إثبات اختصاص حديث الرفع بالشبهات الموضوعية. وقد أُورد إشكال على جميع هذه الطرق، وكانت النتيجة أن أياً من هذه الطرق الخمسة لا يمكنه إثبات اختصاص حديث الرفع بالشبهات الموضوعية. كما ذُكرت طرق أخرى لعل قائلاً يقول إنها قابلة للإرجاع إلى الطرق السابقة؛ وإن كان من الممكن أيضاً طرحها بشكل مستقل من منظور آخر، نظراً لاختلافها في التعبير على الأقل.

الطرق الخمسة لتعميم حديث الرفع للشبهات الموضوعية والحكمية

الطريق الأول

أن يكون المراد من “ما” في «ما لا يعلمون» هو “الفعل”؛ بمعنى أن «رُفِعَ مَا لَا يَعْلَمُونَ» تعني: رُفع الفعل الذي لا يعلمونه. وبطبيعة الحال، بناءً على هذا البيان، فإن “ما” هنا تأتي بمعنى الفعل كباقي الفقرات؛ مثل «رُفِعَ مَا اضْطُرُّوا إِلَيْهِ» و«رُفِعَ مَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وغيرها من الموارد. إذن فـ “ما” في جميع هذه الموارد بمعنى الفعل، وبذلك يُحفظ السياق، إلا أن الفعل يُلحظ على وجهين: 1. تارة يُلحظ الفعل بما هو فعل، 2. وتارة أخرى يُلحظ الفعل بما هو واجب أو حرام. وليس المراد هنا الفعل بما هو فعل، بل الفعل المتصف بحكم؛ إما الوجوب وإما الحرمة. وبناءً عليه، فإن «رُفِعَ مَا لَا يَعْلَمُونَ» تعني: رُفع الفعل الواجب أو الفعل الحرام.
وإذا كان الأمر كذلك، فإنه لا يعود مختصاً بالموضوع.

الطريق الثاني

أن يكون المراد من “ما” هو “الفعل” نفسه، لكن الفعل يقع مجهولاً على نحوين: تارة يكون مجهولاً بنفسه، وتارة أخرى يكون مجهولاً بوصفه.
ووفقاً لهذا البيان، فإن «رُفِعَ مَا لَا يَعْلَمُونَ» تعني: رُفع ما لا يعلمونه. فما هو هذا الشيء الذي لا يعلمونه؟ إنه الفعل الذي لا يعلمونه. فالمراد من “ما” الموصولة هو الفعل نفسه، مع فارق أن “المجهول” يحمل معنى أوسع، فيكون المعنى «رُفِعَ الْفِعْلُ الْمَجْهُولُ». والفعل المجهول أعم من كونه مجهولاً بنفسه أو بوصفه. فتارة يكون الفعل نفسه مجهولاً، وتارة يكون حكمه هو المجهول. فإذا كان ذات الفعل مجهولاً، فهذه هي الشبهة الموضوعية؛ أي أن الفعل نفسه غير معلوم هل هو شرب الخمر أم شرب الماء. وتارة يكون حكمه مجهولاً؛ فمثلاً لا نعلم هل شرب التبغ حرام أم حلال. ولذا، فإنه يشمل الشبهات الحكمية والشبهات الموضوعية معاً.
إذن فعبارة «رُفِعَ مَا لَا يَعْلَمُونَ» تأتي بمعنى «رُفِعَ الْفِعْلُ الْمَجْهُولُ سَوَاءٌ كَانَ الْجَهْلُ بِهِ أَوْ بِوَصْفِهِ». وإذا فسرناه بهذا الشكل، فإنه سيشمل الشبهات الحكمية والموضوعية كلتيهما.

الطريق الثالث

الطريق الثالث هو الطريق الذي ذكره المرحوم الآخوند في الكفاية. فهو يقول: إن المراد من “ما” في «ما لا يعلمون» هو الحكم؛ أي أن «رُفِعَ مَا لَا يَعْلَمُونَ» تعني «رُفِعَ الْحُكْمُ الْمَجْهُولُ» أو «رُفِعَ التَّكْلِيفُ الْمَجْهُولُ». بيد أن الجهل بالحكم يمكن أن ينشأ عن أسباب ومناشئ مختلفة.
فتارة يكون الجهل بالحكم ناشئاً عن فقدان النص؛ ولعدم وجود نص لدينا، يصبح الحكم مجهولاً بالنسبة إلينا. فمهما بحثنا، لا نجد دليلاً يبيّن حكم شرب التبغ.
وتارة يكون منشأ الشبهة والجهل هو إجمال النص، مما يؤدي إلى عدم معرفة الحكم.
وتارة أخرى يكون منشأ الجهل والشبهة هو تعارض النصين.
وهذه هي الأسباب الثلاثة المتصورة للشبهة في الحكم.
وتارة أخرى يكون منشأ الشبهة والشك في الحكم هو الاشتباه في الأمور الخارجية.
وهذا المورد هو الشبهة الموضوعية عينها، أما الموارد الثلاثة الأولى فهي الشبهات الحكمية.
إذن وبشكل عام، فإن “ما” الموصولة في «رُفِعَ مَا لَا يَعْلَمُونَ» تعني الحكم والتكليف. ولكن نظراً لوجود أسباب مختلفة للجهل به، فإنه ينقسم إلى عدة أقسام. فهذه الأسباب إما أن ترتبط بالنص، أو بالخارج؛ فإما أن لا يوجد نص، أو يوجد ولكنه مجمل، أو له معارض. وهذه الموارد الثلاثة ترتبط بالحكم. أما إذا كان منشأ الشبهة أمراً خارجياً؛ أي أن الاشتباه في الأمور الخارجية أدى إلى شبهة في الحكم، فمثلاً لون هذا السائل له شكل خاص أو أن رائحته توجب للإنسان احتمال كونه خمراً. فمع ظهور هذا الاحتمال ووجوده، تنشأ الشبهة: هل يجوز شرب هذا السائل أم لا؟ إذن، الشبهة في الحكم، أو الجهل بحكم شرب هذا السائل، ناشئ عما حدث في الخارج وصار منشأ لهذه الشبهة. وبناءً عليه، تصبح شبهة موضوعية. ونتيجة لذلك، تشمل «رُفِعَ مَا لَا يَعْلَمُونَ» الشبهات الحكمية والموضوعية معاً.

دراسة إجمالية لطرق التعميم

الآن، إذا وضعنا هذه الطرق الثلاثة إلى جانب الطريق الذي بيّنه المحقق الحائري، أمكننا القول إن ذلك الطريق هو الطريق الرابع (ويمكن بالطبع ذكر طرق أخرى لشمول الحديث للشبهات الحكمية). وكان طريق المحقق الحائري، والذي تكرر ذكره هنا عدة مرات بالمناسبة، هو أن “ما” قد استُعملت في معناها الأصلي نفسه (الشيء المبهم)، ولكنها عند الانطباق والتطبيق على الخارج، تنطبق في موارد على الفعل، وفي موارد أخرى على الحكم. وحينئذٍ يكون إسناد الرفع إليها إسناداً مجازياً يقتضي أخذ شيء في التقدير؛ وعمل الصلة بطبيعة الحال هو تبيين الموصول وإخراجه من الإبهام. والآن، تارة يتعلق الأمر بالفعل، وتارة أخرى بالحكم، ولكن هذا لا يوجب اختلافاً في المعنى؛ إذن فالمعنى واضح تماماً والاستعمال حقيقي؛ إلا أن إسناد “الرفع” إلى “ما” إسناد مجازي بناءً على البيان المتقدم. ومن هنا، فإن شموله للشبهات الحكمية والموضوعية لا يثير أي إشكال.
وبناءً على هذا الرأي، فإن “ما” بمعنى الشيء المبهم، ورفع الشيء المبهم بحسب الظاهر يعني أن الشيء نفسه قد رُفع، ولكن هذا لا يمكن أن يكون صحيحاً؛ إذ لا يمكن أن يكون الشيء المبهم نفسه مرفوعاً. فلو كان الشيء المبهم نفسه مرفوعاً، لكان الإسناد حقيقياً. ولكننا نقول: إن هذا الشيء المبهم، سواء انطبق على فعل أو حكم، تُرفع آثاره أو جميع آثاره. ولذا يصبح الإسناد إسناداً مجازياً.
أما رفع جميع الآثار فهو بيد الشارع المقدس بطبيعة الحال، حيث يمكنه رفع جميع الآثار. والآن، تارة تكون هذه الآثار لجميع آثار فعل ما، وتارة أخرى تكون لجميع آثار حكم ما. وكلاهما بيد الشارع. فالفعل نفسه غير قابل للرفع؛ وفي النهاية لو أُريد رفعه هو نفسه (لو انطبق على الفعل) للزم الخُلف أيضاً؛ أي رفع الشيء الذي هو عبارة عن الفعل؛ ونحن نرى أن هذا الفعل موجود، كالفعل الإكراهي، والفعل الاضطراري، والفعل المجهول. فهذه الأفعال لم تُرفع؛ بل هي موجودة. إذن لا بد حتماً من أخذ شيء في التقدير، وهو عبارة عن “جميع الآثار”. ويبدو أن هذا المسلك وهذا الطريق لإثبات التعميم يرجح على سائر الطرق الأولى.
السؤال: …
الأستاذ: نعم، لم يعد هناك عقاب، ولا يُكتب عليه ذنب. هل لاحظتم الدقة؟ أليس أصل البحث في هذا؟! افرضوا مثلاً: أن شخصاً (مجتهداً كان أو مقلداً) بحث عن عمل أو فعل، فلم يجد أي نص رغم بحثه. فهنا يقولون تُرفع آثاره؛ أي لا تكليف عليه. والآن، لو وُجد نص بعد ذلك يثبت هذا التكليف، فإنه لن يُعاقب ولن يُؤاخذ، ولا قضاء عليه، ولا ينبغي له الإتيان به؛ هذه هي آثاره.
إذن، لو أردنا تقييم سائر الطرق المذكورة هنا إجمالاً، فيجب القول:
أولاً: إن “ما” الموصولة قد استُعملت في جميع هذه الطرق في غير معناها الحقيقي؛ لأنها جميعاً تقول إن “ما” إما بمعنى الفعل، أو بمعنى الحكم. ففي الطريقين الأول والثاني قالوا: المراد من “ما” هو الفعل، غاية الأمر أنهم أضافوا توضيحات لجعله يشمل الحكم المجهول أيضاً. وفي الطريق الثالث قيل أيضاً إن المراد هو الحكم. وهذا بحد ذاته خلاف الظاهر؛ لأن “ما” الموصولة قد استُعملت في غير معناها الحقيقي.
ثانياً: يجب مراعاة سياق الجملة أيضاً؛ أي أنه يجب في النهاية تفسير «مَا لَا يَعْلَمُونَ» بنحو ينسجم مع «مَا لَا يُطِيقُونَ» و«مَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ» وغيرها من الموارد. وكما يفسرها القوم، فلا بد من تقديم توجيهات متكلفة لها. فتارة يقولون المراد هو الحكم، فلو قلنا إن المراد من “ما” هو الحكم، وجب علينا في سائر الموارد أيضاً أن نقول إن المراد هو الحكم؛ أي في موارد الاضطرار، والإكراه، والخطأ، والنسيان، والجهل، في جميع هذه الموارد يُرفع الحكم. وهذا يحفظ وحدة السياق إلى حد ما، ولكن لازمه أن تكون “ما” قد استُعملت في معنى آخر؛ “رفع” ذلك الحكم الذي ليس له نص مثلاً، أو له معارض، أو مجمل. وفي النهاية لا بد من بيانه بهذه التكلفات ليكون مقبولاً.
أو لو قلنا مثلاً إن المراد من “ما” هو الفعل، فإما أن نقول إن هذا الفعل ينقسم إلى قسمين: فعل مجهول بنفسه أو بوصفه. وفي سائر الفقرات يجب أن نقول: الفعل المُضطر إليه بوصفه. وهنا أيضاً سيظهر هذا الاختلاف بين الفقرات.
لذا، وفي المجموع، نرى أن الحق في هذه المسألة هو الطريق الذي بيّنه المحقق الحائري.

بحث الجلسة القادمة

سنقدم خلاصة لهذا الجزء من الحديث. ثم يجب أن نبيّن توضيحاً حول سائر الفقرات ليُحفظ تناسبها مع هذا الجزء؛ فمثلاً في مورد الخطأ والنسيان اللذين لا يحتويان على “ما” الموصولة، أو في مورد الطيرة، والوسوسة، والتفكر في الخلق، والحسد وغيرها، توجد توضيحات يجب علينا عرضها.