The news is by your side.

الدرس الثاني والثلاثون، المقدمات، المقدمة العاشرة

الدرس الثاني والثلاثون
المقدمات – المقدمة العاشرة: تقسيم الأصول العملية إلى محرزة وغير محرزة – الإبهامات والتحديات في كلام المحقق النائيني – المحاور الأساسية للإبهام في كلام المحقق النائيني– الفارق بين الأصول المحرزة وغير المحرزة – الاحتمالات السبعة

5 جمادى الأولى 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

كان البحث يدور حول الأصول المحرزة وفارقها عن الأصول غير المحرزة. وقد نقلنا كلام المحقق النائيني وبيّنا ما يكتنفه من تعقيد وإبهام.

وقلنا إن عبارات المحقق النائيني نفسه في كتبه متباينة، كما أن ثمة اختلافاً بين ما جاء في “فوائد الأصول” وما ورد في “أجود التقريرات”. أضف إلى ذلك تباين التفاسير التي قدمت لهذه الأقوال؛ بل إن البعض ادعى في بعض هذه الموارد أن المحقق النائيني قد عدل عن رأيه.

المحاور الأساسية للإبهام في كلام المحقق النائيني

وعلى كل حال، يمكن حصر المحاور الأساسية التي يكتنف فيها كلام المحقق النائيني إبهام وتعقيد في عدة محاور:

  1. ما هو المجعول أساساً في الأصول العملية، بشقيها المحرز وغير المحرز؟ فتارة يقرر المحقق النائيني أنه «الجري العملي». وتارة أخرى يقرر أنه «الوسطية في الإثبات». ثم يقول في الفارق بين الأصول المحرزة وغير المحرزة: الأصل المحرز هو «الجري العملي بناءً على أنه هو الواقع»، والأصل غير المحرز يفتقر لقيد «بناءً على أنه هو الواقع». فهذا هو المحور الأول: أيٌ من هذين الأمرين هو المجعول أساساً في الأصول العملية في نظر المحقق النائيني؟

  2. ما معنى «التطبيق العملي» نفسه؟ وما هو المراد بـ «الجري العملي»؟ فلو قلنا إن المجعول في الأصول العملية هو الجري العملي، فهل المراد به ذات الفعل الذي يأتيه المكلف؛ لكون التطبيق والجري من أفعال المكلف، أم المراد به الوجوب واللزوم القائم هاهنا؟

  3. يقرر (قدس سره) في الفارق بين الأصول المحرزة والأمارات: «الإحراز في الأمارات إحراز علمي، أما في الأصول العملية فهو إحراز عملي». فما معنى الإحراز العملي؟ هل الإحراز العملي هو التطبيق والجري ذاته، أم أنه شيء آخر؟

هذه هي المحاور التي تسببت في إشكالية استكشاف مراد المحقق النائيني ومقصوده. ولذا، يتعين النظر في إمكانية الجمع والتوفيق بينها من عدمه.

وقد أسلفنا أن البعض يعتقد بعدول المحقق النائيني أصلاً عن رأيه القائل بأن المجعول في الأصول العملية هو التطبيق والجري العملي؛ أي إنه انتهى للقول بأن مفاد الأصول المحرزة، شأنها شأن الأمارات، هو الوسطية في الإثبات، ولكن “من حيث الجري العملي”. فقد أضاف قيد «من حيث الجري العملي» ليفرق بين الإحراز في الأمارات والإحراز في الأصول المحرزة. وإلا فالمجعول في كليهما عنده هو الوسطية في الإثبات. فالإحراز العملي إذن يعني: الوسطية في الإثبات من حيث الجري العملي. وعليه، فالأصول العملية لا صلة لها بالواقع أساساً؛ ولا تحاكيه قط. وهذا الإحراز الذي ذكره كوصف لطائفة من الأصول، هو في الواقع بذات المعنى: إحراز عملي.

ولن نخوض أكثر من ذلك في تفاصيل عبارات المحقق النائيني وكيفية التوفيق والجمع بينها؛ فذلك يستغرق وقتاً طويلاً، ولا طائل من ورائه هاهنا.

4. أحد المحاور التي أشرت إليها، ولكن لم أسهب في شرحها، يتعلق بذات التنزيل. فهل يقبل المحقق النائيني بالتنزيل أساساً أم لا؟ لقد قرأنا بعض عباراته. فبعض هذه العبارات تشير لمسألة التنزيل؛ والقدر المتيقن هو أن البعض قد نسب ذلك للمحقق النائيني أيضاً. ولكن في المقابل، يُنكر البعض ذلك؛ ويقولون إنه لا يقبل بالتنزيل أصلاً، ولا وجود للتنزيل في البين. وهذا أمر قابل للنقاش. فذات مسألة تنزيل الأصول العملية منزلة شيء، أو تنزيل الأمارات منزلة شيء؛ قد نقول إنه يقبل بالتنزيل في الأمارات دون الأصول.

وحينئذٍ يُطرح التساؤل: فما هو الفارق إذن بين الأصول المحرزة وغير المحرزة؟ إن مسألة التنزيل بحد ذاتها من المسائل المثيرة للجدل. وللمحقق الأصفهاني بحث مستفيض في ذلك في “نهاية الدراية”. وللمرحوم السيد الخوئي، الذي تتلمذ على كليهما (وخاصة على المرحوم النائيني)، كلام حول التنزيل يكتنفه بعض الإبهام أيضاً. فتارة يُعبر بـ «التعبد بالعلم واليقين»، وتارة أخرى بـ «التنزيل»؛ فهل المراد بالتنزيل هو التعبد ذاته أم لا؟

وخلاصة القول أن مثل هذه الإشكاليات حاضرة في آراء هؤلاء الأعلام. وتتضاعف هذه الإشكاليات في بعض المواضع بالذات. ولذا، تتعقد المسألة ببعض التعقيدات تلقائياً.

الفارق بين الأصول المحرزة وغير المحرزة

بغض النظر عن هذا، ثمة ثلاثة أو أربعة محاور تستلزم التتبع في كلمات المحقق النائيني بوصفه مبتكر تقسيم الأصول العملية إلى محرزة وغير محرزة. ونروم الآن أن نرى كم احتمالاً يُتصور في هذه الأقوال. فما هو الفارق عاقبة المطاف بين الأصول المحرزة وغير المحرزة؟ وما الذي ينبغي اعتباره فارقاً بينهما؟ هل نقول إن الإحراز في الأصول المحرزة عملي، ولا إحراز أصلاً في الأصول غير المحرزة؟ أي إن إحداهما تفيد التطبيق العملي والجري العملي، والأخرى تقتصر على بيان وظيفة وحكم ظاهري للمكلف؟

الاحتمالات السبعة

يمكننا بيان عدة احتمالات في الفارق بين الأصول المحرزة وغير المحرزة؛ بعض هذه الاحتمالات وارد في كلمات المرحوم النائيني نفسه، وبعضها الآخر لا أثر له فيها.

وبناءً على ذلك، يمكننا إيراد الاحتمالات هاهنا في طائفتين كليتين:
الطائفة الأولى مستقاة من عبارات المرحوم النائيني نفسه؛ فمثلاً، يمكن طرح عدة احتمالات بشأن التطبيق العملي والجري العملي.
والطائفة الثانية من الاحتمالات لا صلة لها بالعبارات والألفاظ والمفردات المستعملة في كلمات المرحوم النائيني. فنحن نحصي الأقوال والاحتمالات بصورة عامة. وحينما أقول إن ثمة عدة احتمالات هاهنا بصورة عامة (بغض النظر عن ذكر المحقق النائيني لها من عدمه، واحتمال عباراته لها من عدمه) فذلك لأننا نروم، وبصورة عامة وبعد هذه المباحث، أن نرى أين يكمن الفارق بين الأصل المحرز وغير المحرز عاقبة المطاف، وعلى أي محور ينبغي لنا التركيز؟ ولذا نورد هذه الاحتمالات، سواء كانت موجودة في كلمات السيد النائيني وأمكننا تطبيقها عليها، أم لم تكن كذلك.

الاحتمال الأول

أحد الاحتمالات هو أن الأصل المحرز يعني الأصل الذي يُؤمر فيه المكلف بترتيب آثار اليقين، بينما الأصل غير المحرز هو الذي لا يُؤمر فيه المكلف بترتيب آثار اليقين. وتوضيح ذلك:

في الأمارات، يُفترض أن جهة الكاشفية والطريقية وقيام الظن مقام العلم هي المطروحة؛ أي كأن المكلف مأمور بالعمل وفقاً لهذا العلم الذي حصل له بالواقع تعبداً (وإن لم يكن علماً حقيقة)، فهو مأمور بالعمل به بمقدار ما يمتلكه من طريقية إلى الواقع.

أما في الأصول العملية، فليس الأمر كذلك؛ فمسألة الطريقية إلى الواقع لا مدخلية لها أصلاً. بيد أنهم يقولون هاهنا: لو أُمر بترتيب آثار اليقين، كالاستصحاب، لكان ذلك أصلاً محرزاً. التفتوا إلى أن دليل الأصل المحرز كالاستصحاب حينما يقرر «لا تنقض اليقين بالشك»، فمعناه: رتب ذات الآثار التي كنت ترتبها سابقاً على اليقين، رتبها الآن أيضاً. وبعبارة أخرى: لا تجعل شكك يحول دون ترتيب تلك الآثار. فقوله «لا تنقض اليقين بالشك» يأمر في الواقع (وهو أمر طريقي لا نفسي) بترتيب آثار العلم واليقين. أما في الأصول غير المحرزة، كالبراءة، فلا يوجد أي أمر بترتيب آثار اليقين. فحينما تنفي وجوباً عن نفسك بالبراءة، فليس معنى ذلك أنه يأمرك بالقول: افعل الآن كما كنت تفعل لو كان لديك يقين. كلا، لا وجود لمثل هذا المطلب أصلاً في الأصول غير المحرزة، بل غاية ما هنالك ترخيص ظاهري. أي إنك مرخص ظاهراً حيال هذا التكليف.

الاحتمال الثاني

الاحتمال الثاني هو أنه كأننا نُؤمر في الأصول المحرزة بترتيب جميع آثار الواقع، بينما نُؤمر في الأصول غير المحرزة بترتيب بعض آثاره. والفارق بين هذا الاحتمال وسابقه جلي؛ فذاك أمر بترتيب آثار اليقين، وهذا أمر بترتيب آثار الواقع. فذاك كان يقرر: رتب آثار اليقين؛ أي إن الأصل المحرز هو الأصل الذي تترتب بموجبه آثار اليقين، بينما تترتب آثار الواقع وفقاً لهذا الاحتمال. ولنضرب مثالاً: لنفترض أن الشارع قد قرر وجوب التيمم عليك متى ما لم يجب الوضوء. فالمريض العاجز عن الوضوء، يجب عليه التيمم بطبيعة الحال. والآن، لو شككنا في وجوب الوضوء من عدمه؟ لو شككنا في وجوب الوضوء، لأجرينا استصحاب عدم وجوب الوضوء، وتترتب على إثره جميع آثار عدم الوجوب. ومن هذه الآثار أن يسعك ترك الوضوء واللجوء للتيمم؛ لقوله: إن لم يجب الوضوء، «يجب عليك التيمم». فهذه هي “جميع الآثار”؛ أي يجب التيمم، ويثبت عدم وجوب الوضوء معاً.

أما في البراءة، فليس الأمر كذلك. فالبراءة تُثبت أثراً واحداً. فلو نفيت وجوب الوضوء بواسطة البراءة، لثبت الشق الأول فحسب (وهو عدم وجوب الوضوء عليك)، أما وجوب التيمم من عدمه، فلا يثبت بهذا؛ لأن البراءة ليست أصلاً محرزاً، بل مجرد أصل يسوغ لنا العذر، ويبعدنا عن التكليف المشكوك.

إذن، وفقاً للاحتمال الثاني، يكمن الفارق بين الأصل المحرز والأصل غير المحرز في أن الأصل المحرز يقتضي ترتيب جميع آثار الواقع، بينما الأصل غير المحرز يقتضي ترتيب بعضها، لا جميعها.

الاحتمال الثالث

وهذا الاحتمال وارد بطبيعة الحال في كلمات البعض كالمرحوم السيد الخوئي أو في كلمات المرحوم النائيني نفسه. ففي الأصول المحرزة، يُطرح التنزيل (التنزيل منزلة العلم)؛ أي التعبد بشيء ليس علماً حقيقة، ولكنه يُعد علماً. بينما لا يسري هذا الأمر في الأصول غير المحرزة.

الاحتمال الرابع

الاحتمال الرابع هو أن الأصول المحرزة تشتمل على تعبدين، والأصول غير المحرزة على تعبد واحد. ولماذا تشتمل الأصول المحرزة على تعبدين، وغير المحرزة على واحد؟ فمثلاً، حينما نستصحب الطهارة (لتيقننا من الطهارة سابقاً ثم شكنا فيها، فنجري استصحاب الطهارة إثره) فإننا نتعبد بالطهارة الظاهرية بموجب استصحاب الطهارة، ويسعنا الصلاة بها. فهذا تعبد. وهناك تعبد آخر، وهو أن هذه الطهارة هي الطهارة الواقعية عينها؛ أي كما أن للطهارة الواقعية آثاراً، فهذه ذات آثار أيضاً.

أما في الأصول غير المحرزة، فلا يوجد سوى تعبد واحد، وهو التعبد بتلك الطهارة كحكم ظاهري. أما ترتيب آثار الطهارة الواقعية عليها، أو القول بالتعبد بكون هذه الطهارة هي الطهارة الواقعية عينها مثلاً، فلا يُستفاد منه. فعلى سبيل المثال، لو اعتبرنا قاعدة الطهارة أو قاعدة الحلية أصلاً، فهل يسعنا، استناداً لكونها تثبت طهارة ظاهرية أو حلية ظاهرية، ترتيب جميع آثار الطهارة الواقعية؟ كلا؛ فغاية ما نجنيه من أصالة الحلية هو البراءة، وغاية ما نجنيه منها هو التعبد بالحلية، وهو تعبد واحد. أما التعبد بترتيب آثار الحلية، أو التعبد بانسحاب ذات الآثار المترتبة على الحلية الواقعية هاهنا أيضاً، فلا يمكن الاستفادة منه. فهذا أصل غير محرز. ويسعنا فعل ذلك في الأصول المحرزة، دون الأصول غير المحرزة.

وبطبيعة الحال ثمة احتمالات أخرى هاهنا. وهذه الاحتمالات التي ذكرناها، يمكن أن تكون مطروحة في نفسها وبغض النظر عن كلمات المحقق النائيني، أو بملاحظتها. فمجرد بيان “التطبيق العملي” و”الجري العملي” كمعنى للأصل المحرز؛ لو قمنا بتحليله (مع الأخذ بعين الاعتبار أن التطبيق فعل المكلف) فلا يسعنا هاهنا إرادة فعل المكلف والقول بأن هذا هو معناه؛ بل ينبغي أن نقول إن المراد هو وجوب ولزوم التطبيق والجري العملي. فما معنى ذلك؟ إن التطبيق العملي بجعل عملنا وفقاً لمؤدى الأصل، أمر واجب. فما معنى وجوب جعل عملنا وفقاً لمؤدى الأصل؟ هل المراد هو ترتيب الآثار؟ هل المراد هو لزوم وجود تعبدين هاهنا؟ أم المراد هو ذات الأمر الطريقي الذي أشرنا إليه؟ أي إنه أمر، ولكنه أمر طريقي.

وعلى كل حال، وبملاحظة الاحتمالات المختلفة بشأن الأصل المحرز وغير المحرز، فأيها هو الحق؟ وأيها أوفق برأي المبتكر؟ وأيها صحيح وأيها سقيم؟