The news is by your side.

الدرس السابع عشر، المقدمات، المقدمة التاسعة

الدرس السابع عشر
المقدمات – المقدمة التاسعة: تقدم الأمارات على الأصول العملية – تقديم القطع على الأصول العملية – ملاك تقديم الأمارات على الأصول العملية – القول الأول: التعارض – دراسة القول الأول

14 ربيع الآخر 1447 هـ

تقديم القطع على الأصول العملية

بعد الفراغ من تبيين المفاهيم الأساسية التي ترتكز عليها الأقوال والمسالك المختلفة؛ نشرع الآن بمشيئة الله تعالى في دراسة هذه الأقوال ومحاكمتها. وكنا قد عرضنا بياناً مقتضباً وموجزاً لما يتعلق بالتخصص، والتخصيص، والورود، والحكومة، والجمع العرفي أو القرينية العرفية. ويقع البحث الفعلي في ملاك تقديم الأمارات على الأصول العملية؛ وأما وجه تقديم القطع واليقين الوجداني على الأصول العملية فبديعي واضح غني عن الإطالة.

وإنما قلنا بانتفاء النزاع والخلاف في وجه تقديم القطع واليقين الوجداني على الأصول العملية؛ لأن المكلف متى ما حصل له اليقين الوجداني بالحكم الشرعي، ارتفع موضوع الأصل العملي بالتبعية؛ لكون موضوع الأصل العملي هو الشك (بالمعنى الأعم والمسامحي)، ومع حصول اليقين والقطع ينتفي الشك بالكلية بالضرورة. فلو تيقن المكلف وجداناً بوجوب صلاة الجمعة في عصر الغيبة مثلاً؛ لصار هذا اليقين الوجداني الحقيقي (الخالي من شائبة التعبد والاعتبار الشرعي المكتسب) حجة في نفسه، وبديهي أن حجيته ذاتية ممتنعة السلب، فلا يبقى مع وجوده مجال للرجوع للأصل العملي؛ لانتفاء موضع الشك والتردد بالكامل. فبحصول اليقين والقطع الوجداني يرتفع موضوع الأصل العملي ويزول؛ ولذلك نثبت ورود القطع واليقين على الأصول العملية قاطبة؛ لكونه رافعاً لموضوعها وجداناً. وهذا مما لا كلام فيه ولا خلاف في حجية وروده؛ وإنما الكلام والبحث يقع في وجه وملاك تقديم الأمارات على الأصول العملية.

ملاك تقديم الأمارات على الأصول العملية

وكما ذكرنا سابقاً، تتعدد الأقوال والآراء المصورة لوجه تقديم الأمارات على الأصول العملية:

  1. القول بالتعارض والتماثل بين أدلة الأمارات وأدلة الأصول.

  2. القول بورود الأمارات على الأصول العملية.

  3. القول بحكومة الأمارات على الأصول العملية كافة، دون تفصيل في ذلك بين الأصول العملية العقلية والشرعية.

  4. التفصيل في وجه التقدم بين الأصول العقلية والأصول الشرعية.

  5. وللإمام الخميني (قدس سره) نظر ورأي خاص في المسألة سنعرض لتبيينه لاحقاً بمشيئة الله.

القول الأول: التعارض

ولعل القول بالتعارض يُعدّ أقدم الأقوال والآراء المصورة في الباب؛ فقبل تبويب مباحث الحكومة والورود وتبيين فوارقهما الذاتية عن التخصيص والتخصص (وهو المنهج الأصولي الذي شيده وبسط معالمه الشيخ الأنصاري بالخصوص)، كان عامة الأصوليين المتقدمين يرون تقدم الأمارة على الأصل من باب التعارض الحاصل بين أدلتيهما. ومن الذاهبين إلى هذا الرأي صاحب “الرياض” (قدس سره)، وسنعرض لتبيين تقريبه وتوضيح مدعاه.

وقد أشرنا إلى أن هذا القول يمثل الرأي الأقدم في وجه النسبة والتمايز بین الأمارات والأصول العملية؛ وقد أشار إليه الشيخ الأنصاري في “الرسائل” وأخضعه للنقد والخدشة الأصولية.

يقرر صاحب الرياض أن النسبة بين دليل حجية الأمارة ودلیل اعتبار الأصل هي العموم والخصوص من وجه. وذلك لأن دليل حجية الأمارة يدل على اعتبارها على نحو الإطلاق، سواء أکان هناك أصل عملي معارض لها في المورد أم لم يكن؛ وعليه يتسم دليل الأمارة بالعموم والشمول من هذه الجهة. وفي المقابل، يدل الدليل المتكفل باعتبار الأصل وحجیته على اعتباره وحجيته على نحو الإطلاق والعموم، سواء أكانت هناك أمارة قائمة على خلافه في المورد أم لم تكن. فيلتقي الدليلان في مادة اجتماع واحدة، ويفترق كل منهما في مادة افتراق مستقلة؛ ومن ثم يثبت كون النسبة بينهما هي العموم والخصوص من وجه بالاصطلاح الأصولي. فالبينة والأمارة قد تقوم في مورد يخلو من وجود أصل عملي، والأصل العملي قد يجري في مورد يخلو من قيام أمارة على الخلاف؛ غير أن الدليلين قد يصطدمان في مورد واحد تقتضي فيه الأمارة حكماً ويقتضي الأصل حكماً آخر على خلافها؛ ليلتقيا في مادة اجتماع واحدة يتدافعان فيها ويتعارضان. فالنسبة بين أدلة الأمارات وأدلة الأصول هي النسبة بين العامين من وجه بالضرورة.

وعلى الرغم من استقرار النسبة بين الدليلين على العموم والخصوص من وجه بالدقة العلمية، إلا أننا نعاملهما في مقام العمل والامتثال معاملة العام والخاص المطلق. وبيان ذلك:

إن الدليل المتكفل باعتبار الأصل العملي وحجيته يتقيد ويتخصص بالدليل الدال على حجية الأمارة واعتبارها؛ فلو فرضنا دلالة دليل حجية خبر الواحد على اعتباره على نحو الإطلاق (سواء أقام الأصل على خلافه أم لم يقم)، ودلالة دليل الاستصحاب على حجته كذلك على نحو الإطلاق والعموم؛ فإن مقتضى تخصيص دليل الاستصحاب بدليل حجية الأمارة هو تقييد حجية الاستصحاب وتخصيصها بفرض عدم قيام أمارة معتبرة على الخلاف؛ وبذلك ننتقل بالدليلين من رتبة العامين من وجه لنعاملهما معاملة العام والخاص المطلق، فنخصص العام (وهو دليل الأصل) بالخاص (وهو دليل الأمارة).

السؤال: …

الأستاذ: … ومخالفة مؤدى الدليلين… ولا أثر لهذه الثمرة في هذا الموضع من كلامنا… فالعمدة تكمن في فرض المخالفة والتعارض؛ وأما القول بالاتفاق بين الدليلين فليس له تداعٍ أصولي هاهنا.

والتساؤل المطروح: بموجب أي مسوغ علمي ننتقل بالدليلين المتسمين بالعموم والخصوص من وجه لنعاملهما معاملة العام والخاص المطلق من ناحية الأمارة بالخصوص؛ فنقرر تخصيص دليل الأصل بالأمارة جاعلين الأمارة مخصصاً والاستصحاب أو الأصل عاماً مطلقاً؟ ولماذا لا نسلك المسلك المقابل والمخالف بالكامل؟ فلماذا لا نعاملهما معاملة العام والخاص المطلق من ناحية الأصل بالخصوص، فنقرر تخصيص دليل الأمارة بدليل الأصل؛ وعليه يثبت انحصار حجية خبر الواحد بفرض عدم قيام أصل عملي على الخلاف في المورد؟

يجيب صاحب الرياض عن هذا التساؤل والإيراد -والذي سِيغ لتوضيح مدعاه العلمي- بقوله ما حاصله: إننا لو سلكنا المسلك المقابل وقررنا تخصيص دليل حجية الأمارة بدليل اعتبار الأصل العملي، لأفضى هذا التخصيص بالضرورة إلى لغوية اعتبار الأمارات وحجيتها في الشريعة بالكامل؛ بخلاف المسلك الأول الذي نقرر فيه تخصيص دليل الأصل بالأمارة؛ إذ لا يلزم منه لغوية الأصول العملية بالمرة. فلماذا يلزم من الأول لغوية حجية الأمارات بالكامل، وينتفي هذا المحذور في الثاني؟ يرجع السبب في ذلك إلى أنه لو تخصص دليل الأمارة بدليل الأصل، لصار مؤداه انتفاء حجية الأمارة مع وجود أصل عملي مخالف لها؛ وحيث لا نكاد نجد مورداً فقهياً واحداً تجري فيه الأمارة ويخلو من جريان أصل عملي في طوله؛ لامتنع بالتبعية جريان الأمارات والعمل بمقتضاها في الفقه بالكامل.

فلو تخصص دليل الأمارة بدليل الأصل وقررنا انتفاء حجية الأمارة حال وجود أصل معارض، لما استقر للأمارة مجرى ومورد فقهي واحد؛ نظراً لتوفر جريان أصل عملي في شتى مجاري الأمارات ومواردهما بلا استثناء. فعليه، يؤول تخصيص الأمارة بالأصل إلى لغوية تشريع الأمارات وحجيتها في الشريعة بالكامل بالضرورة.

بخلاف المسلك المقابل؛ فإن تخصيص دليل الأصل بالدليل المتكفل بحجية الأمارة لا يفضي إلى لغوية الأصول العملية بالمرة؛ نظراً لتوفر مجارٍ وموارد فقهية كثيرة ومطردة تجري فيها الأصول العملية مع انتفاء قيام أمارة على الخلاف فيها بالكامل.

فلما لزم محذور اللغوية من شق وانتفى بالكامل من الشق المقابل بالضرورة؛ استقر رأيه (قدس سره) على معاملة الدليلين معاملة العام والخاص المطلق؛ فنأخذ بالأصل عاماً مطلقاً وبالأمارة مخصصاً له، ونقيد حجية الأصل بمورد انتفاء الأمارة؛ تفادياً لمحذور لغوية تشريع الأمارات وحجيتها بالكامل.

السؤال: …

الأستاذ: كلا، بل يقرر صاحب الرياض أن النسبة الحقيقية والواقعية بين الدليلين هي العموم والخصوص من وجه بالدقة التكوينية، غير أننا نعاملهما معاملة العام والخاص المطلق في مقام العمل والامتثال… نعم، فالواقع العلمي يقضي بكون النسبة بين أدلة الأمارات وأصولها هي النسبة بين العامين من وجه بالدقة…

وتأسيساً على هذا التقريب والتحليل الأصولي، يذهب صاحب الرياض للتسليم بالتعارض والتماثل القائم بين الأصول العملية والأمارات؛ ويقرر تخريج هذا التعارض وحله بتخصيص دليل الأصل بالأمارة فراراً من لغوية الأمارات بالكامل. وهذا هو مجمل نظريته ومدعاه في الباب؛ حيث يسلم بالتعارض بدئاً ويسلك مسلك التخصيص عاقبةً لحل هذا النزاع دون التصريح بلفظ الحكومة والورود.

دراسة القول الأول

أورد الشيخ الأنصاري وتلامذته إشكالات ونقوداً أصولية متعددة على ما ذهب إليه صاحب الرياض؛ ونحن سنعرض لبيان أهم هذه الإيرادات والخدشات الفقهية:

الإشكال الأول

يرتكز الإشكال الأول على أن حقيقة التعارض والتماثل تفتقر بالضرورة إلى توفر التنافي والتدافع بين المتعارضين؛ والتنافي يعني تصدي كل من الدليلين لنفي الآخر وإبطال مدعاه تكويناً وحكماً؛ في حين يتضح انتفاء هذا التنافي والتدافع بين الأمارة والأصل بالكامل في هذا الموضع؛ لأن شرط التنافي والتدافع هو تركيز الدليلين وانصبابهما على موضوع واحد بعينه، كأن يثبت أحد الدليلين حكماً لموضوع ما ويتصدى الآخر لنفي هذا الحكم عن ذات الموضوع بعينه. وفي مقامنا، نجد انتفاء هذا الاتحاد؛ نظراً لعدم اتحاد موضوع الأمارة وموضوع الأصل العملي بالمرة.

وبيان ذلك: أن موضوع الأمارة قد خلا بالكامل من أخذ قيد الشك في الحكم الواقعي فيه، به بينما شيد موضوع الأصل العملي على ركيزة أخذ قيد الشك في الحكم الواقعي فيه بالضرورة. فلو قامت أمارة معتبرة كالبينة على وجوب صلاة الجمعة مثلاً؛ فإنه لم يرد في لسان دليلها ولا في موضوعها ما يقتضي تقييدها بفرض الشك في الحكم الواقعي لصلاة الجمعة للأخذ بها؛ فالشك في الحكم الواقعي خارج عن حيز موضوع دليل الأمارة بالمرة؛ بخلاف الأصل العملي الذي أُخذ الشك قيداً أصيلاً وركناً ثابتاً في موضوع دليل اعتباره بالضرورة؛ حيث يقرر لسان دليله: إذا شككت في الحكم الواقعي وداخلك التردد والاضطراب، «فَابْنِ عَلَى يَقِينِكَ» ورتب آثاره. فعليه، يتضح أخذ الشك في موضوع الأصل العملي، وانتفاء أخذه في موضوع الأمارة بالكامل؛ ومن ثم يثبت تباين موضوعيهما بالضرورة.

ومتى ما انتفى اتحاد الدليلين في الموضوع، انتفى التنافي والتدافع بينهما بالتبع بالكلية؛ لكون التنافي مشروطاً بوحدة الموضوع المطروحة؛ كأن يقرر دليل حرمة صلاة الجمعة في عصر الغيبة ويوجب الآخر وجوبها في ذات العصر بالخصوص.

هذا هو الإيراد الأول المطروح في المقام لدفع شبهة التعارض.

جواب الإشكال الأول

وقد يدفع هذا الإيراد بدعوى اتحاد موضوع الدليلين في المقام بالدقة العلمية؛ وذلك لأن الأصول العملية إنما تجري وتستقر في فرض الجهل بالحكم الواقعي؛ والجهل بالحكم الواقعي مفهوم أعم يستوعب فرض الشك، وفرض الظن غير المعتبر، والوهم، وأشباهها قاطبة. وبذات الدقة يسير الأمر في باب الأمارات؛ فالأمارة إنما تحظى بالاعتبار والحجية في فرض جهل المكلف بالحكم الواقعي؛ وإلا فلو تمكن من سماع الحكم من فم المعصوم (عليه السلام) شفاهاً وبلغه قوله مباشرة، لانتفى موضع الشك والجهل بالواقع بالمرة وامتنع التماس الأمارة. فعليه، يتضح استقرار كل من الأمارة والأصل في ظرف الجهل بالحكم الواقعي تكويناً؛ ومن ثم يثبت اتحاد موضوعهما ووحدته بالدقة؛ لكون الجهل بالحكم الواقعي كامناً ومطروحاً في ركيزة الأمارة والأصل على حد سواء، وبذلك يثبت التنافي والتدافع بينهما بالضرورة.

السؤال: …

الأستاذ: يشترط الاتحاد في الموضوع… وهو متحقق ومستقر في المقام بالدقة؛ إذ قد ثبت اتحاد موضوعهما الفعلي في هذا الظرف… غير أن هذا الاتحاد اتحاد نسبي؛ ومعنى الاتحاد النسبي يؤول بالتبع لكونه شبيهاً بمادة الاجتماع الحاصلة في العموم والخصوص من وجه بالاصطلاح…

بحث الجلسة المقبلة

أُثيرت الخدشة والنقد على هذا الدفاع المذكور؛ ومفاد هذا النقد أن موضوع الأصل العملي قد أُخذ الشك فيه قيداً وركناً ثابتاً، بخلاف الأمارة التي خلا موضوعها من قيد الشك بالكامل، وإنما يقع الشك في موردها وسياقها فحسب؛ وشتان بين أخذ الشك قيداً وركناً في موضوع الدليل وبين عروضه في مورد الدليل وسياقه الخارجي بالتبع. ولذلك يمتنع القول بالاتحاد والتنافي بالمعنى المذكور هاهنا. وسنعرض لمتابعة هذا البحث وتفصيله في الجلسة المقبلة بمشيئة الله تبارك وتعالى.