The news is by your side.

دراسة فقهية في حدود المسؤولية وجبر خسائر السيول

الضمان المدني للدولة في الكوارث الطبيعية: دراسة فقهية في حدود المسؤولية وجبر خسائر السيول

إن حماية المتضررين من الكوارث الطبيعية وجبر خسائرهم تتجاوز مفهوم الضمان والتعويض القانوني الصارم، لتمثل واجباً ذاتياً وإنسانياً أصيلاً للدولة الإسلامية.

يثبت الضمان والمسؤولية المدنية والشرعية بالتلازم والاشتراك على عاتق الدولة وعلى عاتق المسؤولين المقصرين إذا ثبت تقصيرهم أو إهمالهم في اتخاذ القرارات السريعة لإغاثة المواطنين.

إن السيول الجارفة وغير المسبوقة التي شهدتها البلاد، قد وضعت مسؤوليات وواجبات جمة على عاتق شتى شرائح وفئات المجتمع. وفي هذا السياق، تتحمل الحوزة العلمية -إلى جانب واجبها العام في تقديم الدعم الميداني لمتضرري السيول- مسؤولية كبرى للاستجابة والإجابة الشرعية عن المسائل الفقهية التي واجهها المتضررون خصوصاً. ويبرز التساؤل الفقهي الأهم في هذا المضمار حول: “حكم الضمان والتعويض وجبر الخسائر والأضرار الناشئة عن السيول والجهة الضامنة لها”.

ولتسليط الضوء على هذا الملف الفقهي الهام ومسؤولية الدولة وحاكميتها المدنية في التعويض، أجري حوار تخصصي مع أستاذ دروس الخارج في الفقه والأصول بالحوزة العلمية في قم المقدسة وعضو المجلس العلمي لمركز الأئمة الأطهار الفقهي، آية الله السيد مجتبى نورمفيدي؛ حيث يرى سماحته أن أصل ضمان ومسؤولية الحكومة الإسلامية في هذه الكوارث والحوادث هو أمر مسلّم وجلي في الشريعة، مبيناً أن مسؤولية الدولة تتجاوز مفهوم الضمان والتعويض التقليدي لتمثل واجباً ذاتياً وإنسانياً أصيلاً للحكومة.

وفيما يلي النص الكامل للحوار:

مناشئ المسؤولية المدنية للدولة وأبعادها الفقهية والقانونية

شبكة اجتهاد: هل تضمن الدولة والحكومة الإسلامية التعويض وجبر الخسائر والأضرار المادية والجسدية اللاحقة بمتضرري السيول؟ وهل يؤثر تقصير أو قصور المسؤولين الحكوميين في هذا الحكم؟ لكون بعض المسؤولين قد صرحوا في مطلع الأزمة بأن الدولة غير ضامنة، وأن دورها يقتصر على تقديم المساعدات والدعم الطوعي والمساندة الفنية فحسب.

الأستاذ نورمفيدي: في تقديري، يتعين الإجابة عن هذا التساؤل من منظورين متلازمين: الأول دراسة ما إذا كانت تصريحات بعض المسؤولين تستند إلى مواد وبنود قوانيننا المدنية المكتوبة والمدونة، وهل يملك هذا الادعاء والقول ركيزة قانونية يعتمد عليها؟ والثاني هو تفحص المصادر الفقهية والأدلة الشرعية للوقوف على مدى ثبوت مسؤولية وجوب جبر الخسائر والتعويض على عاتق الدولة الإسلامية شرعاً أم لا.

فإذا أردنا قراءة المسألة وتأصيلها استناداً إلى المصادر الفقهية، فلا شك في أن مفهوم “الدولة” بمضامينها المعاصرة وحدود مسؤولياتها، وصلاحياتها، والخدمات الواسعة والأنشطة التي تتكفل بإدارتها اليوم، لم يكن مطروحاً ببساطته في عصور السلف الصالح. وما نملكه في مصادرنا الفقهية التراثية -بغض النظر عن تمسكنا بالإطلاقات وعمومات أدلة الضمان والتعويض التي تشمل الشخص الحقيقي والشخص الاعتباري كالدولة على حد سواء- ينحصر غالباً في مباحث كتاب القضاء؛ وتحديداً الروايات والأحاديث الشريفة التي تبحث في “خطأ القاضي والحاكم”؛ ومفادها أنه إذا وقع القاضي في خطأ في تشخيص الموضوع، أو في تبيين الحكم الشرعي، أو في تطبيق آلياته، وترتب على خطئه ضرر وخسارة مادية لحقت بأحد الخصوم، فإن التعويض وجبر هذا الضرر والخطأ يقع يقيناً على عاتق “بيت المال”. وظاهر هذه النصوص الشريفة يفترض وقوع الخطأ بغير عمد أو إهمال أو مآرب مادية شخصية للحق الخصومي.

ومع ذلك، لو تأملنا مجمل الأدلة ومناهج الفقه، لوجدنا أن أصل ومبدأ مسؤولية الدولة والحكومة الإسلامية في تعويض وجبر الخسائر التي تلحق بالمواطنين -لا سيما تلك الأضرار التي تتصف بالصبغة العامة أو تكون مستندة لسياسات الدولة وممارساتها- هو أمر ثابت ومسلّم فقهياً. وبصورة عامة، يمكننا إرجاع مناشئ الضرر والخسائر التي تلحق بالمجتمع إلى عوامل متعددة؛ فتارة تبرم الدولة اتفاقاً أو عقداً معيناً مع المواطنين وتخفق في الإيفاء ببنوده والالتزام بها مما يسبب ضرراً وخسارة مادية للمواطنين؛ وفي هذه الحالة يثبت الضمان والتعويض يقيناً على عاتق الدولة بسبب إخلالها بالعقد والاتفاق المبرم شرعاً وقانوناً، وهو ضمان منشؤه العقد والالتزامات العقدية.

وتارة يخلو الأمر من وجود عقد أو اتفاق مبرم بين الدولة والمواطنين، ومع ذلك تلحق بهم خسائر مادية وجسدية جراء سياسات الدولة وممارساتها الموظفة لحفظ الأمن الوطني، أو الضمان الاجتماعي، أو تأمين الراحة العامة والمصالح العليا للمجتمع؛ فعلى سبيل المثال، إبان نهوض الدولة لمكافحة زمرة مخربة أو باغية لحفظ الأمن والاستقرار، قد تلحق ممارساتها الأمنية أضراراً وخسائر بمنتجات وممتلكات المواطنين الأبرياء، وهذا منشأ آخر للضمان. وتارة يخلو الأمر من هذه الشؤون الأمنية والاجتماعية، وتلحق الخسائر بالمواطنين جراء قصور أو تقصير صادر من الأجهزة والمؤسسات الحكومية في تقديم الخدمات والوظائف المنوطة بها؛ وتارة ينشأ الضرر والخسائر من القوة القاهرة والأحداث التكوينية الطبيعية كالسيول والزلازل والبراكين.

ومن هنا، يتبين وجوب الالتفات والتمييز بدقة بين مناشئ وأسباب الضمان والمسؤولية المدنية للدولة وجبر الخسائر للمتضررين؛ لكون هذه الأسباب متباينة بطبيعتها.

نظريات المسؤولية المدنية وتطبيقها على الدولة الإسلامية

والمعطى الآخر البالغ الأهمية -بمنأى عن منشأ الضرر الحاصل للمواطنين- هو تحديد الركيزة والمنظور الفلسفي والقانوني الذي ننطلق منه لتأصيل المسؤولية المدنية للدولة؛ لكون هذا المنظور يتدخل مباشرة وبقوة في صياغة القراءة الفقهية الختامية للمسألة.

وثمة نظريات وآراء متباينة طُرحت لتأصيل المسؤولية المدنية للدولة؛ فمن يتبنى مقاربة العقد الاجتماعي التي ترى الدولة إفرازاً لـ “عقد اجتماعي مبرم” تتكفل الدولة بمقتضاه بتوفير الأمن والرفاه والصلح والسلام للمواطنين، يقرأ المسؤولية المدنية للدولة برؤية خاصة يحدد معالمها نوع الخدمات والوظائف المفروضة عليها؛ وثمة نظريات أخرى:

  • منها نظرية التقصير (الخطأ): ومفادها أن مسؤولية الدولة المدنية وجبر الخسائر لا تثبت إلا في حال ثبوت تقصير وقصور صادر من قِبل الدولة وأجهزتها؛ وهذا التقصير قد ينتسب لعامل وموظف حكومي، أو لنهاد ومؤسسة رسمية تابعة للدولة. ويتجلى تقصير الموظف مثلاً في إنفاذه للقوانين بأسلوب خاطئ أو غير سليم يلحق أضراراً بالغير. أما تقصير الدولة ومؤسساتها، فله أبعاد متعددة؛ منها إهمال وضع وتصنيع القوانين واللوائح اللازمة لمنع الكوارث؛ فإذا كانت الدولة قادرة على صياغة قوانين تحول دون وقوع بعض الأضرار والفيضانات وقصرت في تشريعها، ثبتت مسؤوليتها المدنية يقيناً، أو إذا أهملت صيانة ومراقبة إنفاذ القوانين. بل قد يتجلى التقصير في صياغة القوانين ومراقبتها ولكن مع الافتقار للأدوات والوسائل الفنية والتقنية اللازمة لتسيير الشؤون وتقديم الخدمات؛ فتكون الأجهزة والآليات المعتمدة معطلة أو تعاني من العيوب.

  • ومنها نظرية الخطر: ومفادها أنه إذا بادرت جهة حقيقية أو اعتبارية كالدولة لتأسيس بيئة أو تشييد صرح ينطوي بطبيعته على احتمال وقوع خطر وأذى للآخرين، وترتب على هذا المشروع وقوع ضرر وخسارة لحقت بالعباد، فإن تلك الجهة تضمن التعويض يقيناً. وتتمايز هذه النظرية عن نظرية التقصير في كون الأخيرة تفترض تقصيراً من الدولة في صياغة أو إنفاذ القانون، بينما تفترض نظرية الخطر قيام الدولة بكافة الاحتياطات والتدابير الوقائية وتجنب التقصير، غير أن طبيعة النشاط والمشروع تنطوي على مخاطر ذاتية أفرزت أضراراً، فتضمن الدولة وجوب جبر هذه الأضرار والتعويض عنها.

  • ومنها نظرية تأمين الرفاه والأمن العام: ومفادها أن واجب من واجبات الدولة الأساس ينصب على توفير الأمن والرفاه والعيش الكريم لمواطنيها، وأي خلل يطرأ على هذه الضمانات يفرض مسؤوليتها يقيناً.

ومن هنا يتعين الالتفات بدقة لمعطيين: الأول معرفة أي حقول ومسائل مناشئ المسؤولية المدنية نبحث؟ والثاني تحديد المبنى والمنظور الذي نلتزمه لتأصيل المسؤولية المدنية؛ لكون المخرجات الاستدلالية تتباين بتباين هذه المبادئ.

وفي تقديري، إن مجموع المعارف الإسلامية والضوابط الفقهية يقرر بوضوح أن للحاكمية والدولة الإسلامية واجبات ومسؤوليات غاية في الشمول والاتساع والجامعية تجاه مواطنيها؛ وبمقتضى هذه المسؤوليات تتسع رقعة واجباتها ومسؤولياتها الإنسانية؛ فمثلما تلتزم الشريعة بفرض واجب تأمين الاستقرار، والأمن، والرفاه، والعيش الكريم للعباد على المستويين المادي والمعنوي على عاتق الدولة، يتحتم بالتبعية على الدولة صيانة هذه الضمانات والنهوض لإزاحة وعلاج العقبات والأزمات التي تعيق مسيرتها.

وصحيح أننا لو حصرنا المبحث في إطار المسؤولية المدنية والقوانين الحقوقية بمضامينها المعاصرة أو الضمان والتعويض بمدلوله الفقهي الصارم وتعهد بيت المال بجبر الأضرار، لواجهنا الكثير من السجال الفقهي والجدل حول هل قصرت الدولة أم لم تقصر؛ ولكني أؤكد صراحة أن المسؤولية الإلهية للحكومة الإسلامية حيال الكوارث الطبيعية وبلايا الطبيعة غير المتوقعة تتجاوز وتتسامى عن هذه الأطر الضيقة والحدود القانونية المحضة؛ إذ يقع واجب تعويض الأضرار وجبر الخسائر كلياً على عاتق الدولة ومسؤوليتها التأسيسية؛ بمعنى أنني أريد تسامي البحث والارتقاء به فوق حدود مفهوم الضمان والتعويض الفقهي الصارم.

إن واجبات الدولة الإسلامية تفرض عليها بمقتضى هويتها تأمين الرعاية والضمان العام لأبنائها؛ فالحاكمية يقع على عاتقها كفالة وتأمين الحد الأدنى للعيش الكريم والاحتياجات الأساسية للإنسان، حتى وإن خلا واقع الحال من أي كارثة أو بلية طبيعية؛ وبمقتضى هذا التكليف الذاتي يتعين على الدولة كفالة ورعاية شؤون المتضررين وتعويض خسائرهم صيانة لكرامتهم وحمايتها من التلف والضياع؛ وإذا تصفحنا المسألة من هذا المنظور الرسالي، سنتخلص تماماً من تلك العقبات والسجالات القانونية الضيقة ليكون التعويض واجباً تأسيسياً ذاتياً على الدولة؛ ويمكن تسمية هذه المسؤولية بالمسؤولية الأخلاقية والإنسانية العظمى للدولة الإسلامية، وهو مبدأ عقدي لا أظن أحداً يملك مبرراً لإنكاره.

حقيقة وماهية الدولة في المنظور الإسلامي وقضية التعويض

شبكة اجتهاد: ما هو الدليل الشرعي المستند إليه لتوسيع مسؤولية الحاكمية الإسلامية إلى هذا الحد البالغ؟ وما هي حقيقة وماهية الدولة في المنظور الإسلامي؟

الأستاذ نورمفيدي: يقتضي تأصيل هذا المطلب مباحث كلامية وفقهية مستفيضة؛ وتذخر الروايات الشريفة وسيرة المعصومين (عليهم السلام) -لا سيما السنن السلوكية لرسول الله (ص) والنهج البليغ لأمير المؤمنين (ع) في إدارة شؤون الحكم- ببيان ركائز ومقومات هذا المبدأ بوضوح وجلاء، وله موضعه المخصص للبحث.

إن الحاكم في المنظومة الإسلامية يمثّل والداً رؤوفاً لشعبه وخادماً مخلصاً لرعايته؛ وعليه يتحتم عليه السعي الدؤوب لنجدة الرعية وحل مشاكلها متى ألمت بها أزمة أو مصيبة وتقديم الخدمة المخلصة لها. أما الدولة بمفاهيمها الحداثية المعاصرة، فلا يُنظر إليها بوصفها والداً بل بوصفها كياناً ومؤسسة انبثقت من إرادة وصوت الجماهير لتكفل وتسيير وتدبير شؤونهم وتأمين احتياجاتهم المعيشية، والسياسية، والثقافية عبر وضع القوانين واللوائح ورعاية الأمن والاستقرار والرفاه. والنموذج الأسمى للدولة الإسلامية يفرض عليها -بمعزل عن الضمان القانوني الصارم- وجوب المبادرة والوقوف لمساندة المتضررين من بلايا الطبيعة وحل مشاكلهم؛ بل إن صيانة حياة العباد وكفالتهم وحظر عيشهم في الفقر والتهميش والضياع (سواء أكان معتوهاً، أم بلا مأوى، أم ورشكستاً أصيب بالإخفاق المالي بغير عمد) يُمثّل جزءاً رئيسياً وشعاراً تأسيسياً للحكومة الإسلامية لصيانة الكرامة الإنسانية للعباد مهما كانت عقيدتهم ومذهبهم؛ فالأولوية تفرض رعاية هذه المسؤولية الإنسانية الكبرى كأولوية تسبق كل شيء.

أما من المنظور الحقوقي والقانوني الصرف، وحيث نفترض خلو أداء الدولة وموظفيها بالكامل من أي تقصير أو قصور علمي وتقني في تسيير شؤون وضع القوانين وصيانة السدود والمجاري المائية، فلا يثبت الضمان القانوني؛ ولكن إذا ثبت تقصير أو قصور في موضع ما، فيتحول الحكم لثبوت الضمان يقيناً.

ثبوت التقصير والضمان المشترك بين الدولة والمسؤولين

شبكة اجتهاد: هل يمكننا الادعاء بخلو ساحة الدولة من القصور التام والقول بثبوت تقصيرها وضمانها على الدوام في الكوارث؟

الأستاذ نورمفيدي: إنني أبحث المسألة برؤية عامة وقواعد كلية؛ فحين نفترض جدلاً خلو أداء الدولة وأجهزتها وموظفيها بالكامل من أي تقصير أو قصور علمي وتقني (كأن تضرب صاعقة رعدية وتودي بحياة مائة شخص فجأة بغير قدرة بشرية على صيانة وجودهم)، فلا يثبت تقصير الدولة ولا ضمانها؛ ولكن حين يتنزل البحث لنقاط وتفاصيل العمل الميداني والواقع المعاش، نجد أن الكارثة الطبيعية كانت قابلة للتوقع والتحجيم وصيانة معالمها ولكنهم قصروا في التوقع والإنذار، أو كانوا يفتقرون للآليات والمعدات اللازمة، أو كانت المعدات متوفرة ولكن وقع خلل أو إهمال أو خطأ صادر من الموظف والمسؤول البشري في ممارسة مهامه؛ وتتعدد هذه العوامل وتتشابك طوال مسار التوقع والحد من الأضرار ليتدخل العامل البشري وقراراته بوضوح في إحداث الكارثة أو تفاقمها.

وإذا أردنا قراءة وتأصيل هذا الجانب استناداً للضوابط الشرعية، فيتبين بوضوح أنه في حال صدور القصور والإهمال من موظف الدولة وعاملها (مع خلو المؤسسة والأجهزة من العيوب بل وقع الخطأ من العامل البشري بمفرده)، فإن الخطأ والضمان يثبت ويُنسب كلياً على عاتق الدولة (بيت المال) ويجب عليها جبر الخسائر والتعويض.

شبكة اجتهاد: لماذا يرتفع الضمان عن الموظف وعامل الدولة في هذا الفرض ويقع على عاتق الدولة؟

الأستاذ نورمفيدي: لأن الفرض يقرر وقوع الخطأ والسهو غير المتعمد من موظف الدولة وعاملها الذي بذل وسعه وكان محسناً في ممارسة مهامه وصيانة الشؤون بلا تقصير متعمد؛ فمثله كمثل القاضي المحسن الذي بذل وسعه العلمي واجتهد في القضاء وأخطأ بغير عمد في ترتب الحكم والضرر بالخصم، فيدفع التعويض وجبر الضرر من بيت المال صيانةً لعدم تضرر العامل المحسن بجريرة خطأ غير متعمد؛ فالخطأ يُنسب للدولة وتضمن التعويض.

أما إذا ثبت تقصير، وإهمال، ومسؤولية متعمدة من قِبل مسؤول أو مدير دائرة أو مؤسسة رسمية في إحداث الكارثة أو تفاقم خسائرها (كإهمال مدير ملف المياه لرقابة ورصد بوابات السد ومنسوب تدفق السيول)، وكان غافلاً بجهالة عن عظم الكارثة التي تهدد مصالح الناس وأمنهم أو قصر في اتخاذ القرارات السريعة بدافع الخوف والتزمت بالقوانين الروتينية الضيقة بغير مرونة لإنقاذ الجماهير أو آثر مصلحته الإدارية والشخصية وتجنب المخاطرة بقراره، ففي هذه الحالة يثبت الضمان والمسؤولية المدنية والشرعية بالتلازم والاشتراك على عاتق الدولة ككيان منظم وعلى عاتق المسؤول المقصر كشخص حقيقي ويتحمل معاً تعويض وجبر الخسائر؛ وتفصيل هذه المصاديق يتطلب بحثاً ودراسة قانونية وقضائية ميدانية دقيقة.

ومما يؤسف له، أن قوانيننا المدنية الحالية تنطوي على خلل وقصور بنيوي واضح يلقي بتبعات الضمان والمسؤولية المدنية كلياً على عاتق العامل البشري والشخص الحقيقي بمفرده ويبرئ ساحة الدولة ككيان اعتباري وصاحب نفوذ؛ وهو خلل قانوني واضح يفتح ثغرة لبعض التخرصات وتصريحات المسؤولين للتنصل من التكليف بالادعاء بعدم وجود ضمان قانوني ملزم للدولة وأن دورها يقتصر على المساعدة التطوعية؛ وهو ما تبرزه صراحة القوانين المدنية الحالية للأسف.

وخلاصة القول، تلتزم الدولة بالمسؤولية الإنسانية والضمان العام والذاتي حيال الكوارث الطبيعية وبلايا الطبيعة لتعويض المواطنين وجبر خسائرهم ورعاية شؤونهم في كل الأحوال؛ وإذا خلا أداء الدولة وأجهزتها وموظفيها من أي تقصير، فلا يثبت الضمان القانوني الصارم؛ أما إذا ثبت تقصير مأمور الدولة وتواطؤه أو إهمال مؤسساتها، فيثبت الضمان والمسؤولية المشتركة على عاتق الدولة وعلى المقصرين؛ وتبرز هذه المشاكل بوضوح حين نهمل صيانة الأراضي، ونغلق مجاري السيول بالبناء السكني العشوائي بغير تراخيص قانونية أو بتراخيص جائرة، وتخلو البلاد من أجهزة رصد وإنذار مبكر تكنولوجية دقيقة؛ فمجموع هذه النواقص يسهم في وقوع الكارثة ويفرض على الدولة واجب التعويض وجبر الخسائر.

وصحيح أن الدولة قد تواجه أزمات مالية وصعوبات حقيقية ومحدودية في ميزانيتها العامة ومواردها تحت وطأة الضغوط والحصار الجائر، غير أن هذا التحدي يندرج فقهياً تحت مبدأ “تزاحم الأهم والمهم” وتحديد الأولويات وتسييرها الحكيم، لتوجيه الموارد المتاحة نحو الشؤون الأكثر أهمية والمنفعة العامة للأمة.