الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (ع) في الحديث النبوي الشريف
بیانات الأستاذ السيد مجتبى نورمفيدي تزامناً مع حلول أيام العزاء والذكرى السنوية للشهادة المظلومة للصديقة الطاهرة (عليها السلام) خلال درس خارج الفقه
إن الأوصاف النبوية للزهراء (عليها السلام) تمثل تنزيلاً لمكانتها منزلة النبي نفسه، وتقديمها كقدوة معصومة ومحورية لهداية البشرية.لم يكن الثناء النبوي على بضعة المصطفى نابعاً من مجرد عاطفة الأبوة، بل هو تعريف بالسبيل والمنهج الإلهي الأوحد لنجاة الأمة.
يطرح تساؤل نفسه: ما هي المضامين والتعبيرات التي استخدمها الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) في وصف ومخاطبة الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (عليها السلام)؟ إن هذه التعبيرات بمفردها كفيلة بالدلالة القاطعة على عظيم منزلتها وشامخ قدرها؛ وقد وردت هذه المضامين الشريفة في روايات وأحاديث شتى دونتها وصانتها المجاميع والمسانيد الحديثية المعتبرة لدى الفريقين (الشيعة وأهل السنة) على حد سواء.
رُوي عنه (ص) أنه قال:
«فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي»
وفي موضع آخر:
«شَعْرَةٌ مِنِّي»
ومآل ذيل هذه الأحاديث متطابق ومضمونه واحد، وهو قوله (ص):
«مَنْ آذَاهَا فَقَدْ آذَانِي، وَمَنْ آذَانِي فَقَدْ آذَى اللهَ»
وكذلك قوله (ص) في حقها: «نُورُ عَيْنِي»، و«ثَمَرَةُ فُؤَادِي»، و«بَهْجَةُ قَلْبِي». وفي بعض الروايات والأحاديث، نرى دلالة التعبير النبوي تشتمل إلى جانب الصديقة الطاهرة على زوجها السعيد وولديها الأبرار؛ كقوله (ص): «ابْنَاهَا ثَمَرَةُ فُؤَادِي وَبَعْلُهَا نُورُ بَصَرِي».
إن هذا لمعطى غاية في الأهمية والوقوف عنده واجب؛ فالنبي الأكرم (ص) بتلك العظمة الباهرة، والمقام السامي الفذ، والشخصية الملكوتية بوصفه أشرف المخلوقات قاطبة وأقرب المقربين تبارك وتعالى إلى عرش الباري جل وعلا، والذي ينطق بالكلمة تلو الكلمة بحساب وتقدير ووحي من الخالق سبحانه؛ يخلو كلامه خلو التمام والكمال من أي صبغة من صبغات المبالغة والتهويل، ولا تشوبه تبريرات أو مجاملات أو تشريفات زائدة، فضلاً عن حظر الكذب والمخالفة للواقع في منطقه الشريف؛ فهو المخلوق الأكمل، والموجود الأول، وسيد الممكنات قاطبة بعد الله عز وجل؛ وحين يصرح هذا النبي العظيم بالقول: إن فاطمة بضعة مني، وشعرة مني، ونور عيني، وثمرة فؤادي؛ فإن كل تعبير من هذه التعبيرات يشير بالدقة والعمق إلى حيثية ووجهة ملكوتية خاصة.
تنزيل الزهراء (ع) منزلة صنو الوجود النبوي
فعندما يقول (ص): «بَضْعَةٌ مِنِّي» وأن مَن آذاها فقد آذاه، فإنه ينزل فاطمة الزهراء (ع) في واقع الأمر منزلة نفسه الشريفة وصنو وجوده. ولم يكن هذا التكريم والتقدير النبوي نابعاً من مجرد عاطفة الأبوة الطبيعية للإنسان تجاه ولده؛ فصحيح أن النبي (ص) بمقتضى بشريته الإنسانية قد رُزق بالبنين والزوجات، غير أن تركيز هذا الحشد من التعبيرات الغيبية وتخصيصها لامرأة بخصوصها لتكون مبدأً ومنطلقاً لإمامة الأئمة الأحد عشر الهداة (عليهم السلام) لتوجيه البشرية وإرشادها، لا يحمل دلالة سوى إظهار المقصد وتثبيت الاتجاه وتأصيل الطريق الروحي القويم؛ مريداً إعلام البشرية قاطبة بأن فاطمة (ع) هي القدوة المعصومة والأنموذج الذي يجب الالتزام بآثاره والاقتداء به؛ وأن طريق نجاة البشرية ينحصر في دربها ومنهجها.
وإذا كانت الصديقة الطاهرة (ع) بضعة من النبي، وشعرة منه، وثمرة فؤاده الشريف؛ فإن هذا يعني بالدلالة العميقة أنها تجسيد ومظهر من مظاهر الأسماء الإلهية الحسنى، ونور قدسي مشرق من أنوار الذات الإلهية؛ ومظهر لأسماء الله تبارك وتعالى وصفاته وتجلي أنواره الشريفة.
إن عظمة ومكانة شخصية فاطمة الزهراء (عليها السلام) تفوق قدرة عقولنا وتصورنا البشري المحدود؛ ومما يدعو للاعتزاز والسعادة البالغة في حياتنا هو شرف اقتدائنا واهتدائنا بآثار سيرة هذه السيدة العظيمة والالتزام بمنهجها؛ والمصيبة والخسران الأكبر هو الانحراف أو الابتعاد عن هذا الرصيد المعنوي والأنموذج الإلهي الشامخ لا قدر الله. وواجبنا وتكليفا الأساس يقتضي منا السعي الدؤوب لتعريف أنفسنا ومجتمعاتنا وتقديم هذه الحقيقة الملكوتية الفذة على وجهها الصحيح والدقيق للناس كافة.