سلوك وأداء المسؤولين الحكوميين يؤثر تأثيراً مباشراً في إقبال المواطنين على المساجد
آية الله السيد مجتبى نورمفيدي في حوار مع وكالة “شبستان”: سلوك وأداء المسؤولين الحكوميين يؤثر تأثيراً مباشراً في إقبال المواطنين على المساجد
يتعين على الأجهزة المعنية بالعمل المسجدي تركيز استثماراتها على صياغة القدوة السلوكية وحسن المعاملة؛ فالإخفاقات الإدارية والاقتصادية تُنسب خطأً للدين وتنفّر جيل الشباب.إن تفعيل رسالة المساجد لتكون ملاذاً آمناً وحصناً روحياً للمجتمع يفرض على أئمة الجماعات والقائمين عليها الارتقاء بمهارات الإدارة المعاصرة وعلم النفس وسعة الصدر.
صرح رئيس مؤسسة “ميرداماد” الثقافية في كركان، أستاذ دروس الخارج في الفقه والأصول بالحوزة العلمية في قم المقدسة، آية الله السيد مجتبى نورمفيدي، في حوار خاص مع مراسل قسم شؤون المساجد بوكالة أنباء “شبستان”، بأن تراجع حضور جيل الشباب في المساجد بات حقيقة واضحة يلمسها أي مراقب بمجرد إجراء تقييم ميداني بسيط، قائلاً: “بالنظر إلى المكانة السامية والمحورية التي حظيت بها المساجد منذ فجر الإسلام في شتى التحولات الاجتماعية والسياسية للدول الإسلامية، ومنها دورها الريادي في انتصار الثورة الإسلامية في إيران؛ فإنه يتعين عليها اليوم أن تكون الصرح والمركز الأبرز لكافة الأنشطة الدينية، والثقافية، والسياسية، والاجتماعية؛ غير أن واقع الحال يثبت خلاف ذلك، حيث تراجع إقبال وتفاعل جيل الشباب مع بيوت الله مقارنة بالماضي”.
ووصف سماحته المسجد بأنه مركز المحبة والود لله، ولرسوله، ولأهل بيته المعصومين (عليهم السلام)، مردفاً بالقول: “لقد وصف الباري جل وعلا المساجد في حديث قدسي بأنها (بيوته في الأرض)؛ وبناءً على هذا، إذا ما أدركت الجماهير حقيقة رأفة ولطف ومحبة صاحب هذا البيت الشريف، فستنجذب قلوبهم للتوافد والوقوف في ربوعه بيسر وصميمية؛ ومن هنا يتوجب على المبلّغين والناشطين في المساجد تبيين وتوضيح رحمة ولطف الخالق سبحانه للناس كأولوية تسبق كل شيء”.
وأوضح سماحته أنه لضمان اجتذاب عامة المواطنين نحو المساجد، يتعين أولاً ترسيخ وتبيين حقيقة كونها (بيوت الله)، قائلاً: “يجب على المساجد تهيئة الأجواء المناسبة لاحتضان شتى شرائح وفئات المجتمع بمنتهى المحبة واللين والمودة، لكي يستشعر المواطن في أروقتها السكينة والأمن والأمان الروحي والقلبي”.
محددات جذب الشباب نحو المساجد ورابط الفكر والسلوك
وأضاف سماحته: “إن المظهر الخارجي للمسجد، ونظافته، وبساطته، تزامناً مع نوع سلوك وأداء الناشطين فيه -من أئمة جماعات، وأعضاء مجلس الإدارة وهيئة الأمناء، والمصلين أنفسهم- وكذلك نوع تعامل وأداء المسؤولين والمدراء الحكوميين في الدولة، تؤثر مجتمعة وبقوة في جذب الناس لا سيما جيل الشباب نحو المساجد؛ وعليه يتعين على الأجهزة والوزارات ذات الصلة تركيز أقصى استثماراتها المادية والمعنوية في هذا المضمار”.
واعتبر آية الله نورمفيدي أن السلوك العملي الصائب والمعاملة الأخلاقية والودية من قِبل الناشطين في المساجد والمدراء والمسؤولين في الدولة تمثل الركيزة والضمانة الأساس للمواظبة المستمرة للشباب في بيوت الله، قائلاً: “فعلى سبيل المثال، لو تميز مدير دائرة أو مؤسسة حكومية -وهو من المواظبين على الصلاة في المسجد- بالصدق، والنزاهة، والأمانة، والترفع التام عن النفاق المذموم والفساد الأخلاقي والمالي، فستنجذب عقول وقلوب المواطنين نحو الصلاة والمساجد بطبيعة الحال”.
ونوه إلى أن الجماهير تنجذب للمساجد حين تلمس حسن المعاملة، والصدق، والوفاء، والرحمة، وصفاء السريرة والظاهر لدى أئمة الجماعات؛ مردفاً بالقول: “يتساءل الشباب ويخاطبوننا أحياناً بمرارة قائلين: (إن بعض المصلين والمواظبين على ارتياد المساجد متورطون في الكذب، والربا، والافتراء، والاختلاس، والفساد الأخلاقي والمالي؛ ولأجل ذلك نأبى ارتياد المساجد معهم)؛ ومسؤوليتنا تقتضي من المسؤولين البحث العلمي الميداني لمعرفة مدى واقعية وصحة هذه التشكيكات والمخاوف وعلاجها”.
الكفاءة الإدارية للدولة وأثرها في مستويات التدين العام
وأوضح رئيس مؤسسة “ميرداماد” الثقافية في كركان أن عامة الجماهير يربطون بين النظام الحاكم الحالي في البلاد وبين الدين والشريعة؛ ومن هنا فإن مستوى كفاءة ونجاح هذا النظام في خدمة الناس وتسهيل شؤونهم وتأمين كرامتهم، يثمر مباشرة إقبالاً متزايداً للمواطنين على المراكز والأنشطة الدينية؛ وبالمقابل، فإن النواقص والإخفاقات الإدارية والاقتصادية تُنسب خطأً للدين والشريعة، مما ينعكس سلباً وبصورة مباشرة على مستوى إقبال الناس وتفاعلهم مع أنشطة المساجد والمؤسسات الثقافية والدينية في البلاد.
وأكد سماحته: “إن بلادنا اليوم بحاجة ماسة إلى الممارسات والسلوكيات العملية المقرونة بالمحبة، والرحمة، والدفء، وسعة الصدر، بعيداً عن كثرة الكلمات، والمؤتمرات، والمعارض الصورية التي لا طائل منها؛ حيث تُنفق سنوياً ميزانيات ضخمة لإقامة عشرات الملتقيات والمؤتمرات من دون أن تثمر نتائج علمية أو عملية تخدم الصالح العام”.
وأشار آية الله السيد مجتبى نورمفيدي إلى الخصائص النفسية لجيل الشباب الحافلة بالفورة والتحرك والانفعال الطبيعي المقتضي لسن الفتوة والشباب، وهو ما أمضاه وقبله أمير المؤمنين (ع) في بعض كلماته واصفاً اندفاع الشباب وجهلهم بأنه أمر طبيعي يقتضي مداراته وقبوله؛ قائلاً: “يتحتم على متصدي شؤون المساجد فهم واستيعاب خصائص وسلوكيات جيل الشباب ورعايتها؛ بالرغم من أن التقييم الميداني يكشف للأسف عن قصور وإهمال واضح لبعض القائمين على المساجد في تفهم هذه الحقيقة النفسية والتعامل معها برفق”.
وأضاف: “وإلى جانب النواقص والقصور الصادر عن المسؤولين والمدراء والناشطين في المساجد، لا يمكننا إهمال وتجاهل دور الدسائس والمؤامرات الممنهجة للأعداء لإبعاد المواطنين ولا سيما جيل الشباب عن المساجد وصروح الدين؛ مما يفرض على المسؤولين الثقافيين والقائمين على شؤون المساجد التخطيط الحصيف والواعي لتربية وصياغة الجيل الشاب، وتحويل المساجد إلى مأمن وملاذ حصين وملجأ روحي للجميع ولا سيما الشباب؛ لدرجة يسارع معها المواطن للتوافد نحو المسجد فور سماع الأذان أو عند مواجهة أي صعوبة أو أزمة في حياته الشخصية والعائلية التماساً للأمن والسكينة الروحية”.
تطوير كفاءات أئمة الجماعات وتأصيل مهارات الإدارة وسعة الصدر
واختتم أستاذ دروس الخارج في الفقه والأصول حديثه بالتأكيد على وجوب ارتقاء الوعي العلمي والمعرفي لأئمة الجماعات وتدريب الناشطين والقائمين على المساجد على مهارات الإدارة المعاصرة وعلم النفس لتسهيل اجتذاب جيل الشباب، قائلاً: “يتطلع البعض أحياناً لحل الإشكال من خلال رفع شعار (إسناد إدارة المساجد للشباب وتفعيل دورهم)؛ ورغم كونه مطلباً حسناً، إلا أن الأهم والأكثر فاعلية منه يكمن في ارتقاء مستوى (سعة الصدر)، وكظم الغيظ، وتحمل الآخرين، والرحمة في سلوك القائمين على المساجد ولا سيما أئمة الجماعات والخدام؛ وهو معطى سلوكي يمكن بناؤه وتطويره عبر برامج التعليم والتدريب التخصصية المستمرة. فالمعاملة الودية والخلق الرفيع يظلان الركيزة والضمانة الأساس لاجتذاب القلوب وصيانتها في بيوت الله، مقتدين في ذلك بالسيرة الشريفة والشمائل النبيلة لرسول الرحمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم)”.