The news is by your side.

مركز الأئمة الأطهار الفقهي رائد ومتميز في إعداد المجتهدين المواكبين للعصر

آية الله السيد مجتبى نورمفيدي في حوار مع مجلة “حريم إمام”: مركز الأئمة الأطهار الفقهي رائد ومتميز في إعداد المجتهدين المواكبين للعصر

تأسس المركز الفقهي استجابةً للمتطلبات المستجدة للثورة الإسلامية ومسائل العصر الراهن، ويعد صرحاً علمياً رائداً يجمع بين الفقه الجواهري والوعي بمتطلبات الزمان والمكان.

  • تذخر مكتبة المركز التخصصية اليوم بما يزيد عن ستين ألف مجلد فقهي تخصصي وئيد يوضع تحت تصرف فضلاء المركز والباحثين من خارجه.إخلاص المرجع الراحل آية الله العظمى الفاضل اللنكراني كان السر الحقيقي وراء توفيق المركز، وحرية الفكر والبحث العلمي هي صمام الأمان لازدهار عقول طلاب الحوزة.

أكد رئيس معهد أبحاث الفقه المعاصر، آية الله السيد مجتبى نورمفيدي، الأبعاد العلمية والتأسيسية والدور الريادي لـ “مركز الأئمة الأطهار (عليهم السلام) الفقهي” بمناسبة مرور عشرين عاماً على تأسيسه، مبيناً أنه مثل الصرح الأول والسباق لتلبية الاحتياجات الفقهية المعاصرة وإعداد وتربية مجتهدين يحملون لواء الفقه الجواهري التقليدي الموروث عن السلف الصالح، ومسلحين بالوعي الكامل بالتحولات العالمية وعنصري الزمان والمكان في عملية الاستنباط الفقهي للأحكام.

وفيما يلي النص الكامل للحوار:

بواعث وأهداف تأسيس المركز الفقهي

حريم إمام: تفضلوا ببيان مَنْ هو المتصدي لإدارة هذا المركز الفقهي، وما هي الأهداف والغايات التي تأسس لأجلها؟

الأستاذ نورمفيدي: بادر المرجع الديني الراحل آية الله العظمى الفاضل اللنكراني (قدس سره الشريف) لتأسيس هذا المركز الفقهي المبارك، ويتولى إدارته وصيانة شؤونه منذ فجر تأسيسه نجله الفاضل آية الله الشيخ محمد جواد الفاضل اللنكراني.

لقد تشكل وتأسس مركز الأئمة الأطهار (عليهم السلام) الفقهي استجابةً لضرورة ملحة، وحاجة علمية جادة، ونظرة مستقبلية ثاقبة؛ نظراً للتحولات والتطورات المتسارعة التي شهدها العالم المعاصر وأنتجت سيلاً من التساؤلات المستجدة التي تقتضي الإجابة الشرعية الوافية عنها. فحين أسس الإمام الخميني (ره) الثورة الإسلامية ودخل الفقه الإسلامي الشيعي لعرصة الحكم الفعلي وتسيير الشؤون العامة، غدت الجمهورية الإسلامية محط اهتمام ورصد الجماهير والنخب والأوساط الأكاديمية والجامعية والدينية في الداخل والخارج، وولدت في داخل إيران قضايا ومسائل حديثة النشأة؛ لكون دخول الفقه لعرصة الحكم يفرض على متصدي الإدارة تسيير البلاد بناءً على الموازين والقوانين الشرعية الدقيقة، فواجهوا تحديات ومتطلبات حقيقية. وإلى جانب هذه المتطلبات الداخلية، برزت احتياجات من خارج الحدود من قِبل عامة المسلمين وأتباع مدرسة أهل البيت (ع).

إن مجموع هذه العوامل -المتمثلة في تحولات العالم الجديد، انتصار الثورة الإسلامية، والضروريات التي فرضها تسيير شؤون الحكم والسياسة- فرض وجوب تربية وإعداد جيل من الفقهاء والمجتهدين يملكون الأهلية لصيانة التراث الفقهي العظيم الموروث عن السلف الصالح، ويتميزون في الوقت ذاته بالعمق، والصلابة، والتحقيق العلمي الرصين، ويقوون بمقتضى “الفقه الجواهري” التقليدي وبوعي تام بمتطلبات وعنصري الزمان والمكان على استنباط الأحكام الشرعية للمسائل كافة. ومن هنا تأسس هذا المركز الفقهي المبارك لتلبية هذه الغايات، وإعداد مجتهدين يقوون في المستقبل على تلبية شواغل ونواقص ومستجدات المجتمع والدولة المعاصرة.

الذكرى العشرون لتأسيس المركز وتجليات النجاح والقصور

حريم إمام: نحيي هذه الأيام الذكرى العشرين لتأسيس هذا المركز الفقهي المبارك؛ فبأي حجم يقاس توفيق ونجاح هذا الصرح العلمي في تحقيق تلك الآمال والتطلعات التي أشرتم إليها؟

الأستاذ نورمفيدي: تأسس هذا المركز في عام ١٤١٧-١٤١٨ هـ (الموافق لعام 1997 م)، ونصادف هذا العام الذكرى العشرين لتأسيسه؛ وكان يمثّل الصرح الرائد والسباق بين المراكز الفقهية الحوزوية المعاصرة؛ إذ بالرغم من وفرة وتعدد المراكز الفقهية والأصولية التخصصية اليوم في الحوزة، إلا أنه في عام ١٤١٨ هـ لم يكن مثل هذه الكيانات العلمية قائماً بقم بعد، فكان مركز الأئمة الأطهار الفقهي هو المركز الأول الذي تأسس للنهوض بتلك الأهداف السامية.

وإذا ما قارنا واقع المركز اليوم بمرحلة فجر تأسيسه، لتبين لنا بوضوح أننا خطونا خطوات جبارة وحققنا نجاحات باهرة كَمّاً وكيفاً وفي الولوج للساحات الفقهية المستجدة المعاصرة؛ حيث تذخر مكتبة المركز التخصصية اليوم بما يزيد عن ستين ألف مجلد فقهي تخصصي وئيد يوضع تحت تصرف فضلاء المركز والباحثين من خارجه. كما تُمثّل الكتب والبحوث الصادرة عن المركز بموضوعات التفسير، والعقائد والمذاهب الإسلامية، والفقه، وجهاً من وجوه توفيقه؛ ومع ذلك لا نزال على مسافة من الوصول للدرجة والمستوى المثالي المنشود.

إن المعضلة الأساس التي نواجهها -شئنا أم أبينا- تكمن في وجود مسافة بون بين نشاطاتنا الحوزوية وبين متطلبات الحياة المعاصرة وإنسان العصر الراهن؛ ولكي يكتسب الفقه حيويته وقدرته الحقيقية على الاستجابة، يتحتم عليه الاقتراب أكثر من الواقع المعاصر وقراءة معادلاته، دون أن يعمي ذلك التنازل عن الثوابت والأصول الفقهية المستقرة؛ لكوننا نلتزم يقيناً بامتلاك الفقه لقدرات هائلة وصالحة لعلاج المسائل المستحدثة؛ لعلمنا بأن الفقه يتكفل بتبيين أحكام كافة الأفعال والسلوكيات الإنسانية في شتى الساحات. والشرط الأساس لتفعيل هذه القدرة الفقهية وصياغة اجتهاد معاصر يتمثل في “الفهم والدراسة العميقة للتحولات والتطورات المعاصرة”؛ وهو تعبير موجز ولكنه يتسع لأبعاد وتفاصيل كثيرة تقتضي البحث. ونظراً لتسارع وتيرة التحولات في السنوات الأخيرة، اتسعت تلك الفجوة بين الفقه والواقع؛ مما يتطلب لتذليلها وتجاوزها توظيف وسائل وأدوات تقنية ومعرفية جديدة تتمثل في تحديث الكفاءات والقدرات الذاتية للمجتهد؛ وهو ما يفرض مراجعة بعض الأمور؛ كصيانة كفاءة أساتذة الحوزة وتوجيه المناهج والكتب الدراسية لتواكب هذه التحولات، وتأصيل شمولية التعليم والتربية للطلاب، وتوجيه الأبحاث الفقهية في مسارها الصحيح والمنتج؛ لنصل بعد سنوات من العمل الهادف المنسجم إلى تلك القمة المثالية المنشودة.

ويمثل تأسيس هذا المركز خطوة مصلحة لتنظيم شق من هذه الإجراءات الحيوية في مساحة محددة؛ ونظراً لصلته الوثيقة بمتن الحوزة العلمية فإنه يستمد أساتذته من الحوزة ذاتها ويعتمد على ذات المناهج والإمكانات الدراسية المتوفرة؛ ومن هنا يبرز الدور المحوري والمصيري لأساتذة الحوزة والباحثين والموجهين لمناهج البحث والتدريس في هذا المحيط، تزامناً مع أهمية مبدأ “تحديد وتنقيح الموضوع فقهياً”.

وإذا ما قارنا واقع المركز اليوم بواقعه قبل عشرين عاماً، لوجدنا منجزات وخطوات جبارة ومؤثرة قد تحققت بالفعل؛ أما إذا قارنا منجزاته الحالية بالهدف والمنتهى المثالي المنشود، فسنجد أن عملاً كبيراً وكثيراً لا يزال ينتظرنا؛ وجزء من هذا التحدي مبرر ومشروع بالنظر لتسارع العصر، ولكن الجزء الآخر يتطلب منا تركيزاً ومضاعفة للجهود واليقظة أكثر من الماضي؛ لكون غياب التلاؤم والفهم المشترك للتحولات المعاصرة سيفضي بالنتيجة إلى تزييف القراءة الفقهية وإبعادها عن واقع المجتمع لينتهي الفقه إلى العزلة والهامشية المعرفية. وخلاصة القول، لقد تحققت إنجازات ممتازة وخطوات إصلاحية نافعة جداً في المركز، غير أننا على مسافة من الوصول للهدف المثالي المنشود؛ ويبذل مسؤولو المركز وعلى رأسهم مديره الفاضل طاقاتهم وأوقاتهم بكل إخلاص وحرص لمتابعة شؤونه وأنا شاهد عن قرب على مساعيهم الدؤوبة والمخلصة.

ويمثل تأمين الميزانية والنفقات المالية للمركز هماً وصعوبة بالغة؛ لكون المركز يلتزم بالاستقلال المالي ولا يتلقى أي معونة أو ميزانية من الجهات والمؤسسات الحكومية مطلقاً، بل تدار شؤونه ونشاطاته ونفقاته من الحقوق الشرعية والصدقات والوجوهات لمقلدي المرجع الراحل آية الله العظمى الفاضل اللنكراني (قده)، والذين يواصلون دعمهم ورعايتهم الكريمة لهذا الصرح العلمي المعاصر.

أما التساؤل حول ما إذا كان تطوير وتحديث علم الفقه أمراً مقتصراً على عصرنا الراهن أم واجهته العصور السابقة؟ فإن تفحص تاريخ الفقه يبرهن بوضوح على أن فقهاء السلف في كل عصر كانوا يعمدون لمواكبة العصر وتحديث أدوات فقههم لتلائم متطلبات مجتمعاتهم؛ وإن شهدت بعض الحقب فترات ركود وتأخر فقهي؛ وهذا التحدي لا ينحصر في علم الفقه بمفرده؛ بل مر به الفكر الإسلامي قاطبة في مباحث الفلسفة، والحكمة، والعرفان، والكلام، وحتى في التفسير والعلوم القرآنية؛ فكان هناك من يواكب العصر، وهناك من يتقدمه ريادة، وهناك من يتأخر عن ركبه، وهي ظاهرة تاريخية تقتضي قراءة تاريخ العلوم الإسلامية قاطبة للوقوف على أسرار وعبر هذه التقلبات التاريخية؛ فالمعضلة قديمة ومستمرة لحاضرنا ومستقبلنا. فمثلاً نجد فقيهاً كالشيخ الطوسي (قدس سره الشريف) قد واكب عصره بريادة رصينة في زمانه، بينما سلك علماء آخرون في حقب أخرى مسلك التقليد للماضين وإهمال التجديد؛ وعليه فإن فهم هذه التحولات يتطلب دراسات تاريخية وبحوثاً واسعة النطاق في تاريخ العلوم الإسلامية ولا سيما الفقه الشيعي الأصيل.

دور الإمام الخميني في التأسيس للتطوير الفقهي

حريم إمام: من منظور سماحتكم، مَنْ هو المبرز من علماء الدين المعاصرين الذين أولوا قضية “تطوير وتحديث علم الفقه” الاهتمام والوعي الأكبر؟

الأستاذ نورمفيدي: في تقديري، يُمثّل الإمام الخميني الراحل (قده) في عصرنا الراهن رائد التمهيد والنهوض بهذا التطوير الفقهي؛ ولم تقتصر جهوده في هذا المضمار على الشعارات، والبيانات، والتوجيهات النظرية فحسب؛ بل بادر سماحته عملياً لفتح هذا الباب الاستشرافي العظيم من خلال فتاواه وآرائه الفقهية التجديدية ودخوله لعرصات وموضوعات فقهية معاصرة، وإعلانه الصريح عن وجوب إدخال وتأثير عنصري الزمان والمكان في عملية استنباط الأحكام الفقهية؛ وهو إنجاز علمي عظيم ولا يُستهان به مطلقاً. لقد ركز الإمام الخميني جهوده الاستدلالية تارة على هذا التوجه التجديدي لزمان والمكان، وتارة على تفعيل مبدأ “المصلحة” الشرعية وصلاحيات الحكومة؛ وهي بحوث استدلالية رصينة وجديرة بالدراسة.

لقد تحلى الإمام بشجاعة وجسارة فقهية فائقة وافتتح هذا الدرب المبارك بالرغم من مواجهته لبعض التحفظات والتشكيكات والتذمر من الداخل والخارج الحوزوي؛ وسار خلفه في هذا الدرب سماحة قائد الثورة الإسلامية المعظم مؤكداً ومثبتاً لهذا المسار التجديدي؛ لكون متصدي إدارة شؤون الحكم ومواجهة التحديات المعاصرة يشعرون بوضوح وبصورة ميدانية ملموسة بضرورة وحتمية التطوير الفقهي بما يتلاءم مع احتياجات المجتمع والدولة المعاصرة.

عقبات مسيرة التحديث الفقهي الحوزوي وسلسلة معالجتها

حريم إمام: ما هي أهم وأبرز العقبات والموانع التي تواجهكم في هذا المضمار التحديثي؟ وكيف تتعاطون معها لتجاوزها؟

الأستاذ نورمفيدي: في تقديري، تبرز العقبة الأولى والأهم في عزلة وانقطاع شريحة من علماء الدين والمفكرين الإسلاميين عن الساحات والموضوعات المعاصرة والحديثة، وافتقارهم للمعرفة الميدانية الدقيقة باحتياجات المجتمع المعاصر. والمهندس المعماري حين يشرع في تصميم خارطته المعمارية، يتعين عليه الحضور الميداني والنزول لقطعة الأرض ليعاين تضاريسها وواقعها عياناً؛ وكذا شأن الفقهاء والفضلاء في بحوثهم المعاصرة، ويتعين عليهم الحضور وفهم واقع التحولات المعاصرة عن كثب، ولا أعني بحضورهم النزول للشوارع بطبيعة الحال (فالتواصل والارتباط الشعبي للعلماء كان راسخاً وجميلاً على الدوام)، بل أعني وجوب ملامسة وفهم عمق التحولات والتطورات المعاصرة بعمق وموضوعية؛ ومن هنا فإن الجهل بكنه المستجدات وغياب المعرفة الدقيقة بتطورات العصر يعد مانعاً حقيقياً وعقبة كبرى.

والعقبة الثانية تتمثل في مخاوف وتحفظات بعض الحريصين والغيورين على حياض الحوزة العلمية الذين يتوجسون خيفة من أن يقود هذا التطوير إلى هدم وتسييل رصانة الهيكل والقواعد الاستدلالية التقليدية المعتبرة للفقه؛ ولا سيما مع وجود بعض السطحيين والمبتدئين في هذا المضمار الذين يعمدون تحت لافتة “التطوير والتجديد الفقهي” إلى نفي وإقصاء الميراث الفقهي التراثي العظيم للأمة بالكامل وبأسلوب تبسيطي ومرفوض؛ وفي هذه الحالة يصبح قلق وحرص حراس الحوزة غيرة مبررة ومشروعة للحفاظ على رصانة الاستنباط.

وقد شهدنا مؤخراً حدوث بعض النزاعات والمساجلات الفكرية إثر صدور بعض الآراء والمواقف التجديدية المتسرعة والسطحية لبعض الأفراد مما أثار قلق واستغراب رموز وأساطين وأركان الحوزة الغيورين على صيانة رصانتها؛ وحقهم يقيناً أن يقلقوا ويصونوا رصانة البنيان والقواعد المعتبرة، وإذا ما تقرر إحداث خطوة مصلحة وتجديدية فقهية فيتعين أن تنطلق بالالتزام الكامل بضوابط السلامة الفقهية والمنهجية العلمية الرصينة للأقدمين.

والعقبة الثالثة تكمن في وجوب توجيه مناهج التعليم والتربية لطلاب العلوم الدينية منذ مطلع انتسابهم لقم لتكون مناهج هادفة وواعية تصوغ طاقاتهم بما يتلاءم مع هذا المسار؛ ليكون خريجو هذه المناهج متميزين بالقدرة على فهم متطلبات العصر ووعي تحولاته المعاصرة؛ وثمة مواد وأبحاث علمية تفتقر إليها مناهج الدراسة الحوزوية حالياً ويتعين إدخالها وتعميمها بانتظام؛ وهو مبحث تشعبت تفاصيله بين مقتضيات، ومخاوف، وآفات، ويستدعي دراسة وبحثاً مستقلاً.

المناهج والكتب والأنشطة التخصصية للمركز الفقهي

حريم إمام: من أين تستمدون وتجهزون المناهج والكتب الدراسية المعتمدة في المركز الفقهي؟ وما هي مصادركم التعليمية؟

الأستاذ نورمفيدي: نولي في مركز الأئمة الأطهار الفقهي اهتماماً بالغاً وحساساً لعدة ركائز أساسية؛ فالشق الأول لمناهجنا التعليمية يرتكز بالأساس على تصفح ودراسة المناهج الحوزوية الرسمية المعتبرة؛ فالكتب والرسائل والدروس التي يتلقاها الطلاب في الحوزة على مستويي السطح والبحث الخارج تُمثّل الركيزة والعمود الفقري لتعليمنا الحوزوي؛ غير أن مركزنا الفقهي يتمايز بوضوح عن بقية الحوزة من عدة أبعاد:

  • أولاً: المبادرة الممنهجة لإجراء فرز واختبار وانتقاء للأذكياء من بين الطلاب المبتدئين في المراحل المتوسطة وتحفيزهم واستعداداتهم؛

  • ثانياً: التدقيق في اختيار أساتذة ومدرسي الأقسام لتتوفر لديهم الكفاءة والصلابة والتميز العلمي الفذ؛ ليكون اجتماع الطالب الذكي والأستاذ القدير ركيزة للرقي وازدهار النشاط العلمي.

ويعكف أساتذة المركز الأفاضل على دراسة ومباحثة حواشي وشروح المناهج الحوزوية الرسمية كالكفاية، والمكاسب، والرسائل الشريفة في جلسات ولقاءات علمية خاصة تخصص للطلاب خارج أوقات الصف المعتادة. ونعتمد في المركز آلية كتابة التقارير الحوزوية (التقريرات) والتقييم المستمر؛ حيث يعكف الأساتذة بانتظام على تقييم نتاج الطلاب العلمي وتأهيلهم لصياغة المقالات والبحوث الفقهية والنهل من مناهج التحقيق العلمي؛ وهي أنشطة تعبد لطلابنا طريق الرقي العلمي الحقيقي.

تزامناً مع ذلك، يقيم المركز لقاءات ومؤتمرات علمية مستمرة بحضور ومشاركة كبار أساتذة الحوزة والجامعات لطرح ونقاش ملفات وقضايا بيئية واقتصادية وسياسية معاصرة تهم الشأن العام والمواطنين؛ لتثمر هذه المساعي والجهود البحثية المشتركة صياغة مقالات علمية رصينة تُنشر بانتظام في فصوليتنا التخصصية الموسومة بـ (الفصلية العلمية للفقه والاجتهاد). ويعكف فضلاؤنا وخريجو هذا الصرح العلمي على إنتاج المعرفة وعلاج القضايا المعاصرة، ويُمثّل الجزء الأكبر من إصدارات ومنشورات المركز الفقهي نتاج جهود وبحوث أساتذة وفضلاء المركز أنفسهم؛ حيث بلغت إصدارات المركز طوال العقدين الماضيين ما يقرب من مائتي عنوان كتاب قيم؛ بمعدل عشرة عناوين كتب سنوياً، وهو إنجاز علمي ممتاز ومحترم؛ ونرجو ونخطط لطرح المزيد من الإصدارات والبحوث التخصصية مستقبلاً تزامناً مع اكتمال البنى التحتية والتأسيسية للمركز الفقهي، لتتلاءم منشوراتنا القادمة مع مستجدات ومتطلبات العصر ومجتمعنا بوضوح ودقة علمية.

الفروع والشُعب والأنشطة الإقليمية والدولية للمركز الفقهي

حريم إمام: هل يملك مركز الأئمة الأطهار الفقهي فروعاً أو شُعباً أخرى في داخل البلاد أو في خارجها؟

الأستاذ نورمفيدي: يشتمل المركز الرئيسي في مدينة قم المقدسة على أقسام تخصصية وشعب متعددة؛ حيث يعكف مئات الطلاب والفضلاء على التحصيل والبحث والدراسة في مجالات التفسير والعلوم القرآنية، وعلم الكلام والعقائد، والفقه والأصول. ونملك فرعاً تخصصياً وممتاز النشاط في مدينة مشهد المقدسة يؤدي ذات البرامج والنشاطات العلمية، ولدينا فرع متميز وعالي النشاط في جمهورية أفغانستان الشقيقة لخدمة وتدريب طلابها؛ وثمة نشاطات تبليغية وتعليمية متعددة للمركز في بعض البلدان الأخرى بمستويات وبرامج متنوعة، بينما واجه فرعنا التخصصي في سوريا فترة ركود وتوقف بسبب الأزمات والحروب التي شهدتها الشام مؤخراً، غير أنه استأنف نشاطه العلمي وعاد للعمل التبليغي والدراسي بفضل الله وعونه.

أبرز الثغرات الحوزوية والمعرفية التي لباها المركز

حريم إمام: تفضلوا ببيان إجمالي لأهم الثغرات والنواقص العلمية التي نجح مركز الأئمة الأطهار الفقهي في علاجها وتلبيتها طوال مسيرته.

الأستاذ نورمفيدي: تبرز أهم الثغرات والنواقص التي نجح المركز الفقهي في علاجها وتلافيها طوال سنوات نشاطه العلمي في الموارد التالية:

  1. تأصيل ورسم المسارات للأنشطة الحوزوية: فمسؤولية الحوزة العلمية الأساس تكمن في إعداد وتربية مجتهدان ملمون بمتطلبات زمانهم ومصالح أمتهم، وهو الواجب الذاتي للحوزة؛ وساهم المركز الفقهي بقدر استطاعته وإمكاناته في حمل شق من هذه المسؤولية الشريفة؛ وتزامناً مع ذلك تنشط مراكز علمية رصينة أخرى تحت رعاية المراجع العظام والأعاظم وتسير في هذا الدرب المصلح المبارك.

  2. الولوج للساحات المستجدة وعلاج مسائلها المعاصرة: فحين تواجه الأوساط والمراكز العلمية التخصصية تساؤلات شائكة في حقول الفقه المعاصر (كالفقه الطبي، الفقه السياسي، الفقه الاجتماعي)، تتطلع عقول الباحثين ونظراتهم نحو المركز الفقهي وصناع المعرفة فيه؛ وصحيح أن المركز لا يستأثر بتمام هذه المسؤولية العلمية، إلا أن شقاً هاماً من الإجابات الفقهية الرصينة حيال هذه الأبواب المستجدة قد صدر عن نتاج المركز وأبحاث فضلائه؛ وهي ثغرة هامة نجح المركز في علاجها وتلبيتها بقدر استطاعته.

  3. بث روح الدافع والأمل في نفوس الطلاب الحريصين: وأرى هذا المبدأ غاية في الأهمية والريادة المعرفية؛ فإذا خلا مسار دراسة الطلاب والفضلاء من المتابعة الدقيقة والتقييم المستمر طوال سنوات تحصيلهم، وإذا غابت الرؤية الواضحة لمستقبلهم العلمي، يصيبهم الوهن ويضعف دافعهم العلمي وتطلعاتهم؛ فكان وجود المركز الفقهي ونشاطه دافعاً معنوياً هائلاً ومضخة لبث روح الأمل في نفوس الطلاب الموهوبين لمواصلة درب التحصيل والاجتهاد.

  4. ترسيم وتأمين المستقبل العلمي لطلاب المركز: فالطلاب والفضلاء الذين ينهون برامجهم العلمية في المركز قد شقوا دربهم ومستقبلهم العلمي بوضوح تام، وتخلصوا من أزمة الحيرة والترديد التي قد تواجه بعض طلاب الحوزة طوال سنوات دراستهم الطويلة بغير صياغة مسار محدد لحركتهم المستقبلية؛ فوفر المركز ببرامجه سكة حديدية علمية واضحة يسير عليها الطالب الموهوب نحو أهدافه وتطلعاته العلمية بوضوح.

ويمثل ترويج وتبيين النظريات والآراء الفكرية للإمام الخميني واحداً من أهم الملفات والقضايا التي يوليها المركز الفقهي عناية واهتماماً بالغين؛ وكما يعلم الجميع فإن مؤسس المجمع آية الله العظمى الفاضل اللنكراني (قده) كان يحمل عشقاً وولاءً مطلقاً لمعلمه مراده الإمام الخميني؛ وواظبت إدارة بيت المرجع الراحل ولا سيما آية الله الشيخ محمد جواد الفاضل اللنكراني على صيانة هذا الإرث والترويج لأفكار الإمام ومبانيه الفقهية والتجديدية، وينظم المركز لقاءات ومؤتمرات علمية مستمرة تتمحور حول دراسة وبحث فكر الإمام ومبانيه الاستدلالية وإصدار الدراسات والرسائل حولها بانتظام.

الإخلاص والحرية الأكاديمية كركائز أساس للنجاح العلمي

حريم إمام: في ختام هذا الحوار، تفضلوا ببيان كلمتكم ونصحكم لقراء المجلة.

الأستاذ نورمفيدي: في الختام، أود التأكيد على أنه يتحتم على الحوزة العلمية -أساتذة، وفضلاء، وطلاباً- تركيز اهتمامهم ودراساتهم المعمقة على الأفكار والآراء والمنظومة العلمية للإمام الخميني الراحل. إن بعض آراء ونظريات الإمام لا تُمثّل مجرد وجهة نظر أو فتوى فقهية معزولة داخل الأروقة العلمية؛ بل هي بمثابة مفاتيح ومسارات كفيلة بحل وحسم الانسدادات المعاصرة التي تواجه مسيرة حياة البشر في العصر الراهن.

بمعنى أننا إذا أردنا صيانة الحوزة العلمية وعلمائها وضمان ريادتهم وبقائهم وتأثيرهم في العالم المعاصر وقبولهم لدى الأجيال الجديدة، فبلا شك يتحقق هذا الخيار بالتمسك بآراء الإمام الخميني التجديدية وتفعيلها؛ فعلى سبيل المثال، نظرية “تأثير الزمان والمكان في الاجتهاد” ليست بالمسألة الهامشية أو البسیطة، ولم تُدرس أبعادها وزواياها بالدقة العلمية المطلوبة حتى الآن. وقد يفسرها البعض خطأً وتسطيحاً بالقول: “إن موضوع الحكم إذا تبدل، يتغير الحكم بطبيعة الحال”، وهو تفسير بسيط طُرح قديماً من قبل العديد من الفقهاء قبل عهد الإمام؛ وثمة تفسيرات أخرى ابتعدت كثيراً عن غاية الإمام ورؤيته التجديدية العميقة؛ بينما لو حظيت هذه النظرية بالدراسة العلمية الموسعة في كُتب ورسائل ودروس الحوزة العلمية المعاصرة، لتبوأ الفقه الشيعي مكانة ممتازة وريادية على مستوى العالم في معالجة القضايا المعاصرة؛ ولكن هذا الملف يتطلب عملاً علمياً دؤوباً ونقاشاً مستمراً. ونظير هذا التميز ينطبق على نظريته الشامخة في “الخطابات القانونية”، وآرائه العرفانية والأخلاقية العميقة -سواء في حقل العرفان العملي أم العرفان النظري- والتي تملك جاذبية بالغة وقدرة فائقة على جذب عقول وقلوب جيل الشباب المعاصر لصدقها وعمقها. ومما يؤسف له حقاً، أننا نرى في الآونة الأخيرة تراكم غبار الغفلة ووقوع بعض الجور والظلم على هذه الشخصية الفذة مما يعتصر القلب غماً وحزناً.

آمل أن تُدرس هذه الآراء والأفكار والنظريات بدراسة بنيوية وتأسيسية تليق بمرتبتها العلمية الشامخة، لتُعرّف الشخصية الفريدة للإمام الخميني على وجهها الصحيح والصائب للأجيال المتعاقبة.

المطلب الأخير هو الإشادة بـ “إخلاص” مؤسس المجمع آية الله العظمى الفاضل اللنكراني (قدس سره الشريف). فنحن في أيام ذكرى رحيله، وأود التأكيد على أن إخلاص سماحته كان هو السر والركيزة الأساس وراء نجاح وبركة واستمرار هذا المركز الفقهي؛ وبمقتضى معارف العتبة الطاهرة نؤمن بأن كل عمل يؤسس لوجه الله تبارك وتعالى وبخلوص تام، يكتب له الخلود، والبركة، والدوام؛ ولم يكن آية الله الفاضل اللنكراني يبتغي من تأسيس المجمع جاهاً أو مصلحة أو مآرب أخرى سوى خدمة الدين وإعلاء كلمة الله.

والمعطى الآخر، هو تأكيدنا على وجوب صيانة “حرية الفكر والبحث العلمي” في الأوساط والمراكز العلمية؛ فالأفكار والنظريات المعرفية لا تزدهر وتنمو إلا في مناخ تضمن حريته وصيانته. وإذا أردنا إنتاجاً علمياً حقيقياً، فيتعين توفير بيئة وأجواء حرة للبحث والنقاش؛ فالإنتاج المعرفي والعلمي في عالمنا اليوم يفوق رتبةً وأهميةً الإنتاج الاقتصادي، بل إن التنمية الاقتصادية في مجتمعاتنا ترتكز بالأساس على إنتاجها وبحوثها العلمية الرصينة، وهو أمر يستحيل توفيره ما لم نلتزم بحظر القيود وتوفير حرية البحث والنقد العلمي في حواضننا العلمية. وإذا ما أردنا توجيه المراكز الفكرية والعلمية بلغة الأوامر والإملاءات والقرارات الفوقية، فقد ننجز خطوة ظاهرية فحسب، غير أن باطن عقول الناس ومسار تفكيرهم يستحيل إخضاعه للتحجيم أو السيطرة؛ فحرية الرأي ركيزة أساسية.

ونحن في المركز الفقهي، بالرغم من دفاعنا الصلب والواضح عن ركائز الثورة والبلاد وولاية الفقيه، لم نعمد يوماً لفرض ذوق أو رأي سياسي معين على الطلاب؛ بل نحتضن شتى التوجهات والآراء والأذواق السياسية؛ وقد يتبنى بعض الطلاب مواقف فئوية متباينة، إلا أننا نجتمع في مناقشة المباحث العلمية بمنتهى الود والصميمية والأخلاق ونحترم دلالة الرأي والبحث العلمي. فالصلة بين الحوزة والدولة صلة واضحة ويجب صيانة عراها، غير أنه لا يسوغ لنا زج طلاب العلوم الدينية في تفاصيل الصراعات والسجالات السياسية اليومية العابرة ليظل المركز بيئة حرة، وآمنة، ومثمرة تتيح للأفكار والعلوم الازدهار والنمو بصدق وعلمية.