The news is by your side.

دخيل عنصري الزمان والمكان في النصوص المرتبطة بفقه الفن أمر بالغ الجدية والأهمية

آية الله السيد مجتبى نورمفيدي في حوار مع صحيفة “فقه معاصر”: دخيل عنصري الزمان والمكان في النصوص المرتبطة بفقه الفن أمر بالغ الجدية والأهمية

تُطرح اليوم أسئلة عميقة وحيوية في حقل السينما والأفلام بوصفها واحداً من أبرز تجليات “الفن” المعاصر؛ وهي تساؤلات تتجاوز الهوامش لتبحث في أصل وجوهر الفن والسينما؛ وهي تحديات يتعين علاجها والوقوف عليها في فقه الفن وفلسفته.

إن صياغة المناهج والحلول الفقهية لقضايا الفن المعاصر تتطلب المفاهمة التخصصية العميقة والابتعاد التام عن القراءات السطحية والبسيطة للمسائل.

توطئة: تشهد الساحة الحوزوية تزايداً ملحوظاً في نمو الفقهيات المستجدة والمعاصرة طوال العقود الأخيرة؛ حيث يسعى الباحثون والفقهاء لتقديم إجابات شرعية رصينة على مسائل وقضايا إنسان العصر الراهن. ويُمثّل إيجاد وتأصيل القواعد الفقهية التخصصية واحداً من أهم الركائز اللازمة لبناء وصياغة أي باب من أبواب الفقه المضاف والمعاصر.

وللوقوف على “القواعد التخصصية لفقه الفن”، أجرينا حواراً تخصصياً ومفصلاً مع آية الله السيد مجتبى نورمفيدي، وهو الأستاذ المبرز في دروس الخارج في الفقه والأصول بالحوزة العلمية في قم المقدسة والمصنف للعديد من الكتب الرصينة في فقه المعاملات والفقه المعاصر؛ حيث آثر رئيس معهد أبحاث الفقه المعاصر تبيين حقيقة مفهوم الفن وأبعاده الدقيقة وصياغة حدوده الفقهية، مستعرضاً في الوقت ذاته القواعد التخصصية والمنهجية العامة لتعاطي الاجتهاد مع نصوص وأدلة فقه الفن.

وفيما يلي النص الكامل للحوار:

الهوية المفهومية للفن والتمايز البين للفقهيات المضافة

صحيفة فقه معاصر: ما هو “فقه الفن”؟ وما الذي يُميزه عن الفقهيات المشابهة له كفقه الإعلام، وفقه الاتصالات، وفقه الفضاء الافتراضي؟

الأستاذ نورمفيدي: لكي نصوغ تعريفاً صائباً لـ “فقه الفن”، يتحتم علينا أولاً الوقوف على تعريف “الفن” نفسه. فتعريف الفقه واضح ومعلوم؛ ولكن الفن يمثل مفهوماً يكتنفه اختلاف واسع النطاق ومطاطية شديدة، بل هو من المفاهيم التي يصدق عليها أنها سهلة ممتنعة التعريف. فهناك من يعرّف الفن بوصفه حالة أو ملكة نفسانية باطنية، وهناك من يعرّفه بوصفه معرفة وعلماً، وهناك من يراه الأثر المادي الملموس الذي يوجده الإنسان؛ تزامناً مع تباين الآراء حول كون الفن هادفاً أو بغير هدف. ويتضح من هذا التباين في الأبعاد الفنية أن صياغة تعريف فقه الفن ستتأثر مباشرة بنوع تبنينا لتعريف الفن ذاته. فلو قلنا إن الفن من جنس المعرفة والوعي، فهل يسوغ للفقه -بوصفه علماً يتكفل ببيان أحكام سلوكيات المكلفين الخارجية- الولوج لبيان حكم جنبة معرفية وعلمية تندرج ضمن الأفعال الجوانحية للقلب؟

وإذا ما اعتبرنا الفن حالة باطنية محضة، فهل يملك الفقه الولوج لتأصيل أحكام الأفعال الجوانحية والقلبية أم يقتصر حكمه على الأفعال الجوارحية الصادرة عن جوارح المكلفين وأطرافهم؟ ومن هنا، فإن التباين في تعريف الفن يفرض تحدياً حقيقياً أمام صياغة تعريف دقيق وتخصصي لـ “فقه الفن”، ما لم نعتمد قدراً مشتركاً بين هذه التعاريف، أو نركز على دراسة لوازم الفن وآثاره الخارجية الملموسة لتكون محكاً للتعريف والبحث الفقهي، آخذين بعين الاعتبار التمايز البين والعميق بين الفن الحديث (المعاصر) وبين الفن التقليدي والأصيل.

وبطبيعة الحال، لا يمكن لأحد إنكار أن الفن يمثل حقيقة واكبت البشرية منذ نشوئها؛ لكون الإنسان مفطوراً على حب الجمال وتذوقه، وهو ما أمضاه وصححه الشارع المقدس في الحديث النبوي الشريف: «إنَّ اللهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ»؛ وبناءً عليه فإن القول بأن الفن توأم لولادة البشرية هو قول صائب تماماً؛ إذ سعى الإنسان دائماً لتسطير وترك مآثر وآثار تتصف بمنتهى الجمال؛ سواء أكان ذلك في قوالب النظم والشعر، أم الموسيقى العذبة، أم النثر البليغ، أم الرسم وصناعة التماثيل والمجسمات؛ وهي ممارسات ضاربة في عمق التاريخ الإنساني. واليوم، حين يستعرض علماء الآثار والأنثروبولوجيا منجزاتهم وتنقيباتهم التاريخية للعصور السحيقة، قلما نجد تقريراً يصف حياة الإنسان وتواجده بغير الإشارة إلى كشف أثر فني واكبه في ملبسه، أو ظروفه، أو زينة حياته اليومية.

غير أن الفن الحديث في عالمنا المعاصر قد تباين بالكامل عن الفن التقليدي؛ حيث تشعب لعدة فروع وامتزج بصبغات وألوان مختلفة. فعلى سبيل المثال، دأب بعض الفلاسفة والمفكرين الغربيين في برهة معينة على التأكيد التام بأن الفن الحقيقي هو ذلك الذي يخلو بالكامل من الغايات الدينية أو الضوابط الأخلاقية؛ وهو ما يُصطلح عليه بنظرية “الفن للفن”. وحين نضع هذا الطرح الغربي المادي أمام ما سطره الفيلسوف الكبير ابن سينا في كتابه “الإشارات والتنبيهات” واصفاً غاية الفن الحقيقية بأنها: “تحويل النفس الأمارة بالسوء وترقيتها لتصبح نفساً مطمئنة”، وأن الفن الصادق هو الذي يوجه خيال الإنسان وسجيته نحو العوالم القدسية والملكوتية ويخلصه من أوهام النفس وأدرانها؛ يتضح لنا بون شاسع وفجوة عميقة جداً بين كلا المنظورين للقيم الجمالية والفنية في مسار الترقية المعنوية للإنسان.

ونرى لدى بعض مفكري الإسلام تطلعات تتجاوز هذا الحد لتصوغ وتحدد معالم الفن الحقيقي ورسالته؛ وكان الغرض من هذا الاستعراض هو الإشارة إلى وجوب الوقوف على هذا الطيف الشاسع والتباين البين في الرؤى الفنية، وصياغة تعريف فقه الفن بموازاة نوع تبنينا لتعريف الفن ذاته. وبغض النظر عما إذا كان الفن يُعرّف من خلال تفكيك مكوناته ومفاهيمه التأسيسية، أو من خلال دراسة آثاره ولوازمه ومخرجاته، أو بالتلفيق بين المنهجين؛ فإننا صيانةً للبحث الفقهي وتسهيلاً لمعرفة حكم الشريعة وموقعها التكليفي حيال سلوكيات المكلفين، نفترض تعريفاً للفن بوصفه “تجسيداً ملموساً للحالات الباطنية للإنسان يبرز في قالب فعل أو عمل خارجي”.

وبناءً على هذه المقدمات والتمايزات، وإذا أردنا تعريفاً إجمالياً لـ “فقه الفن” بأسلوب يوضح مائزه البين عن سائر الفقهيات المعاصرة والمضافة الأخرى، يمكننا القول: إن فقه الفن يتكفل ببيان “الأحكام الشرعية المتعلقة بكل فعل من أفعال وسلوكيات المكلفين التي ترتبط بصناعة أو إنتاج أثر يتسم بالجمال الفائق ومحاكاة الكمال والتجاوز للمألوف والعادة”. فالفن يشتمل في جوهره وذاته على هذه الجنبة الجمالية (ولو بحسب الادعاء)؛ وهي ميزة واضحة وثابتة للأثر الفني الذي يصنعه المكلف قولاً أو فعلاً، مستعيناً بالأدوات الفنية والتقنية أو بغيرها؛ مما يجعله متميزاً ومبايناً بطبيعته عن الكلمات والأفعال المعتادة والعادية للناس؛ فالنظم والشعر يحمل جمالية خاصة (ولو تباينت مراتبها)، وصناعة الموسيقى والتماثيل والسينما وغيرها من الفنون المعاصرة تشتمل كلها في ذاتها على نوع وجنبة من الجمال الملموس.

ونحن نبتغي من فقه الفن الوقوف على حكم وموقف الشريعة الإسلامية الحاكمة على سلوكيات المكلفين حيال هذه المخرجات والنشاطات الفنية بأبعادها المتنوعة. وبمقتضى هذا التعريف الدقيق، يتمايز فقه الفن بالكامل عن بقية الفقهيات المضافة كفقه الإعلام أو فضاء الإنترنت؛ فالفن بمعناه العام قد يتجلى في تصميم لباس أو ذوق خاص، ولكننا لا نطلق على صانعه واصفاً بأنه خلق أثراً فنياً بالمعنى الخاص الاصطلاحي. وقد يوظف الباحث ذوقاً رفيعاً وأسلوباً جذاباً في فقه الإعلام، أو في الاتصالات، أو في إدارة الفضاء الافتراضي لإضفاء مزيد من التأثير، وهذا يمثل “الفن بمعناه العام” والأداة التعبيرية لتسيير الشؤون والترويج للإعلام، أو الإعلان، أو تبيين أخبار وكتاب معين لاجتذاب الجمهور، أو أسلوب المعلم الجذاب والمؤثر في طريقة إدارته لدروس الصف واللقاء بالطلاب، أو بلاغة الخطيب التي تملك عقول مستمعيه؛ فالأبعاد الجمالية الفنية تتغلغل في كافة تفاصيل النشاطات الإنسانية بطبيعتها، ولكن حين نطلق مصطلح “الفن” في الدراسات الفقهية، فإننا نقصد بالدقة “الفن بمعناه الخاص والاصطلاحي” الذي يوصف خالقه بكونه “فناناً”؛ وعليه فلا نطلق واصفاً بـ (الفنان) على المعلم الجذاب بالرغم من صياغته لدروسه بأسلوب فني وجذاب؛ ومن هنا يتمايز فقه الفن بالكامل عن الفقهيات المضافة المذكورة في سؤالكم.

وصحيح أن الفن بمعناه العام يقع محلاً للأبحاث الفقهية في ثنايا الأبواب المختلفة، غير أن المقصود التخصصي في هذا المقام هو “الفن بمعناه الخاص والاصطلاحي”. ويتحتم التنبيه إلى أن فقه الفن بالرغم من هذا التعريف الإجمالي، يواجه غموضاً كبيراً في حقل “تنقيح الموضوع وتحديده”، ولتسليط الضوء على مقولة الفن كحق مضاف إليه الفقه، تجب المبادرة في الخطوة الأولى لإزالة كافة جوانب الغموض والإبهام الحاكمة على ملفات الفن وشعبه المتعددة.

وحين يواجه الباحث مصطلح فقه الفن، يسارع عقله للبحث والتنقيب عن مسائله وموضوعاته في ثنايا الكُتب الفقهية، فيدرس أدلة ومسائل من قبيل: رسم وتصوير ذوات الأرواح أو غيرها، ومسألة الغناء والموسيقى الشائكة وآلات الموسيقى والآلات المشتركة، ومسائل فنون العرض والتمثيل التي بحثت بأسلوب بسيط قديماً في كتاب التجارة أو غيره كتشبه الرجال بالنساء وبالعكس والحدود الشرعية للاختلاط؛ غير أن هذه الملفات ذاتها قد تباينت وتطورت بالكامل في عصرنا الراهن وخلعت ثوب البساطة لتتصف بالتعقيد التكنولوجي والموضوعي الشديد؛ فالموسيقى والغناء قد تحولا بالكامل، والتساؤلات المطروحة اليوم تختلف اختلافاً كلياً عن تساؤلات الماضي البسيطة.

إن الاكتفاء بالهيكل البسيط للمسائل الحوزوية القديمة ومحاولة إسقاطها بغير تقييم موضوعي على التحديات والمسائل الفنية المعاصرة المترامية الأطراف، لن يثمر نتائج علمية وصائبة يقيناً؛ فغالبية التصنيفات والدراسات الفقهية المعاصرة للأسف تكتفي بمحاورة تلك المسائل القديمة، بينما يتطلب النهوض بفقه الفن وتفعيله المبادرة العاجلة لتنقيح موضوعاته بأسلوب تخصصي عميق، وإزالة غموضها، وإحصاء تساؤلاتها المعاصرة بدقة بالغة.

التحديات والأسئلة العميقة للسينما والدراما المعاصرة

صحيفة فقه معاصر: تفضلوا بالإشارة إلى بعض النماذج للتحديات والتساؤلات المستجدة والمعاصرة في فقه الفن.

الأستاذ نورمفيدي: يبرز الفن السينمائي والتلفزيوني كواحد من أهم الفنون المعاصرة وأكثرها تأثيراً في حياة البشر؛ ومقتضى الطبيعة الفنية والدستور السينمائي عند عرض حياة زوجين داخل المنزل يستلزم إظهار الزوجة بغير حجاب أمام زوجها وإبراز بعض جوانب التلاحم والعاطفة الأسرية والزوجية بينهما صيانةً لواقعية العمل الفني؛ فهل يسوغ الفقه مثل هذا السلوك لأجل صيانة واقعية العمل والرسالة الفنية للفيلم؟ أو لو تطلب إبراز الرسالة والغاية الإصلاحية والأخلاقية الختامية للقصة إبراز وتجسيد السلوكيات الفاسدة أو الخارجة عن الأطر الشرعية لرمز الشر والفساد في الفيلم ليتسنى نقدها وهدمها لاحقاً؛ فهل يجوز تدوين وعرض وتجسيد هذه السلوكيات المحرمة شرعاً في الفن السينمائي؟

إن هذه التساؤلات والمسائل تتجاوز بكثير تلك الصياغات الفقهية القديمة والمحدودة حول تشبه الجنسين أو الماكياج المسرحي؛ وطرحها يعكس ضرورة فتح باب الحوار والمفاهمة العلمية المستمرة بين الحوزة والمؤسسات الفنية المتخصصة للوصول إلى فهم موضوعي دقيق ومكاشفة عميقة بعيدة عن القراءات السطحية والبسيطة للمسائل. ولا أعني بكلامي هذا وجوب مسايرة الفقه لتقلبات الفنون وانفعال الشريعة أمام سلوكيات البشر وتوجهاتهم الفنية تحت ذريعة الواقعية؛ لأن الانفعال والتساهل غير المدروس سيمحو معالم الشريعة وأحكامها الإلهية على المدى البعيد ويقضي على جوهر الفقه؛ بل ما أبتغيه وأؤكد عليه هو وجوب المفاهمة التخصصية وصياغة المعرفة والتشخيص الدقيق للموضوعات الفنية المعقدة، والابتعاد التام عن التعاطي السطحي والبسيط مع هذه الأبواب المستجدة.

منهجية القواعد الفقهية والنصوص الخاصة في فقه الفن

صحيفة فقه معاصر: ما هي القواعد الفقهية التخصصية في فقه الفن؟ تفضلوا ببيان وتسمية بعض هذه القواعد.

الأستاذ نورمفيدي: في حقل القواعد الفقهية، لا نملك يداً خالية من الأدوات والقواعد القابلة للاستثمار والتطبيق في فقه الفن المعاصر. وتأكيدي الأساس ينصب على أن إعادة قراءة النصوص، والآيات الكريمة، والروايات الشريفة، واستنطاق مضامينها برؤية تخصصية حديثة كفيل بفتح آفاق واعدة وشافية جداً لنا في هذا الصدد. وألاحظ أحياناً إصراراً مفرطاً في بعض الكلمات والرسائل العلمية على حصر المخرج الفقهي في صياغة واستخدام القواعد الفقهية التخصصية فحسب؛ وصحيح أن القواعد الفقهية تكتسب أهمية بالغة وفاعلية كبرى في علاج الكثير من الشؤون، وقواعد من قبيل: “حرمة الإعانة على الإثم”، أو “نفي السبيل”، أو “قاعدة الإلزام” وما شاكلها، تملك فاعلية وأثراً بالغاً في كافة الفقهيات المضافة والمعاصرة؛ غير أننا يجب ألا نغفل أبداً عن دراسة وبحث الإطلاقات والعمومات والأدلة الخاصة الواردة في شريعتنا المقدسة للتحريم أو الكراهية لبعض الوجوه والأبعاد الفنية.

فعلى سبيل المثال، في دراسة أدلة حرمة الغناء، والموسيقى، وصناعة التماثيل والمجسمات ورسم ذوات الأرواح، يتعرض الشيخ الأنصاري (قدس سره) في المكاسب لبعض وجهات النظر الفقهية ومنها رأي المحقق السبزواري الشريف في الكفاية؛ حيث يرى السبزواري إمكانية حمل الروايات الشريفة المانعة للغناء والموسيقى على الوجوه والمجالس الخاصة ومظاهر اللهو والباطل والفساد التي كانت شائعة ومعروفة في ذلك العصر وتزامنت مع صدور تلك النصوص النبوية؛ وبناءً على هذا يتبلور منظور فقهي يرى دلالة النصوص ناظرة بالأساس للوجوه والبيئات والسياقات السلوكية التي كانت تُمارس فيها هذه الفنون في عهد الصدور التاريخي للنص.

ونرى نظير هذا الإبداع الفقهي والتأصيل التجديدي لدى الإمام الخميني (قدس سره) في دراسته الاستدلالية لحرمة صناعة التماثيل والمجسمات؛ حيث يذهب الإمام إلى أن غاية المنع والتحريم الوارد في تلك النصوص التاريخية كانت معللة بخشية العودة لعبادة الأوثان والأصنام التي كانت شائعة وقريبة العهد بالناس إبان عصر صدور النص الشريف.

إن الالتفات إلى كون الأدلة والنصوص الشرعية قد صدرت في ظروف جغرافية وتاريخية معينة وكانت ناظرة لتلك الملابسات والمعايير السلوكية السائدة في عهد الصدور، يمثل مفتاحاً فقهياً ومنهجاً استدلالياً في غاية الأهمية والريادة الفقهية؛ ولا أعني بذلك بطبيعة الحال أن كل دليل شرعي قضى بحرمة نشاط أو فن معين هو دليل تاريخي ومرحلي مقيد بعهده يقيناً؛ بل ما أؤكد عليه هو وجوب إعادة قراءة الأدلة والنصوص واستنطاقها بدقة، وتفحص موضوعاتها في سياق المعادلات والملابسات المعقدة لعصرنا الراهن؛ ومن هنا يتجلى لنا الدور الريادي والمصيري لإدخال عنصري الزمان والمكان في عملية الاجتهاد، وهو مبدأ فقهي عميق يتجاوز القراءات السطحية لبعض المعاصرين.

وفي تقديري، فإن النصوص والأدلة المتوفرة لدينا تملك طاقات استدلالية هائلة وقابلة للدراسة والبحث والتمحيص، وهي قادرة -إلى جانب القواعد الفقهية المعتبرة- على صياغة حلول فقهية متينة تلائم تطلعات إنسان العصر ومسائل فقه الفن المعاصرة.