الجهاد ومقاومة الاحتلال الصهيوني واجب شرعي وإنساني حتمي
آية الله السيد مجتبى نورمفيدي خلال حواره مع معهد البحوث الفقهية: الجهاد ومقاومة الاحتلال الصهيوني واجب شرعي وإنساني حتمي
إن قصف مستشفى المعمداني مجزرة مروعة تضاف لملف الجرائم التاريخية للكيان الصهيوني؛ والازدواجية الغربية في ملفات حقوق الإنسان تهافت مفضوح.
تذخر مصادر الفقه الشيعي بتأصيل “الجهاد الدفاعي” ووجوب طرد المعتدين من أراضي المسلمين كواجب حتمي بمقتضى “قاعدة نفي السبيل” وصريح آيات القرآن.
توطئة: إثر الجرائم الوحشية والبربرية للكيان الصهيوني الغاصب في قصف مستشفى المعمداني في غزة، والمجازر المستمرة طوال الأيام الأخيرة، أجري حوار تخصصي مع آية الله السيد مجتبى نورمفيدي، رئيس معهد أبحاث الفقه المعاصر للدراسات والبحوث، للوقوف على مسألة الجهاد بوجه الأعداء والتكليف الشرعي الملقى على عاتق المسلمين حيال هذه الفظائع.
وفيما يلي النص الكامل للحوار:
جريمة مستشفى المعمداني الفظيعة والازدواجية الغربية الفاضحة
السؤال: بالنظر إلى الفجيعة والمجزرة المروعة في مستشفى المعمداني بغزة، والتي تأتي امتداداً للغارات والاعتداءات الوحشية المستمرة طوال الأيام الماضية على قطاع غزة، ما هو تقييمكم لهذه الجرائم البشعة؟
الأستاذ نورمفيدي: «اللَّهُمَّ إِنَّا نَشْكُو إِلَيْكَ فَقْدَ نَبِيِّنَا (صلوات الله وسلامه عليه وآله) وَكَثْرَةَ عَدُوِّنَا وَقِلَّةَ عَدَدِنَا وَشِدَّةَ الْفِتَنِ بِنَا».
إن الجريمة الوحشية والبربرية التي اقترفها كيان الاحتلال الغاصب باستهداف مستشفى غصّ بالجرحى، والأطباء، والكوادر الطبية، والنازحين العزل من العوائل والأطفال والنساء الذين لجأوا إلى باحة المستشفى ظناً منهم بأنهم سيكونون في مأمن من الغارات الصهيونية الفتاكة، قد أضافت صفحات سوداء مخزية أخرى إلى سجل الجرائم والانتهاكات لهذا الكيان السفاح. فمن جهة، استُهدف المستشفى ضارباً بعرض الحائط كافة القوانين والأعراف الدولية التي تكفل حمايتها وصيانتها، ومن جهة أخرى استُهدف تجمع الأطفال والنساء الذين لجأوا للمنطقة بناءً على توجيهات وإملاءات هذا الكيان نفسه الذي زعم كذباً وتضليلاً بأنها “منطقة آمنة”، مما يقطع الطريق على أي تبرير أو تنصل من هذه الفظائع البشعة.
إن هذا العدوان البربري والوحشي الذي نقلت تفاصيله المروعة وسائل الإعلام وشبكات التواصل الاجتماعي عياناً أمام الرأي العام العالمي، يعتصر القلوب ألماً وحسرة؛ ومما يدعو للاستغراب والامتعاض حقاً هو استمرار قادة الدول الأوروبية والإدارة الأمريكية في دعمهم ومساندتهم المطلقة لهذا الكيان السفاح بالرغم من وقوفهم على حجم هذه الجرائم البشعة! وهي دول لطالما تفرعنت وتبجحت بدفاعها عن حقوق الإنسان وقوانينه، وتقيم الدنيا وتؤاخذ الدول الأخرى لأبسط المناسبات بدعوى “عدم احترام حقوق مواطنيها”، بينما تبادر هنا وبانحياز صارخ لتبرير جرائم الكيان الصهيوني والدفاع عنها والتنكر لدماء الضحايا.
وقبل فترة وجيزة، سخرت هذه الآلة الإعلامية الغربية طاقاتها وإمكاناتها لتضخيم واقعة مؤسفة ومبهمة لفتاة توفيت في إيران، متهمة الدولة بممارسة الضغط والتضييق وحظر الحريات على جيل الشباب بغير تثبت أو دراسة موضوعية؛ بينما تقف اليوم أمام هذه الفظائع الصارخة لتزعم بتبجح وجوب “الانتظار والتحقيق لمعرفة من الذي قصف المستشفى وهل قامت إسرائيل بذلك حقاً أم لا؟!”؛ والواقع أن هذه الازدواجية الفاضحة ومعاييرهم المزدوجة لم تعد تنطلي على أحد في عالمنا اليوم؛ إذ لمست الشعوب حجم زيف وخدع هذا الكيان الغاصب وتلاشت أكاذيب قادته أمام يقظة الرأي العام العالمي. ونرجو من الباري جل وعلا أن تكون هذه الدماء الزكية طليعة زوال هذا الكيان الزائف وتخليص الشعب الفلسطيني المظلوم من نير احتلالهم الخبيث.
الأسس الفقهية والقرآنية لمقاومة الشعب الفلسطيني
السؤال: ما هي المقاربات والأطر الفقهية الحاكمة على هذه الجرائم والاعتداءات المستمرة بحق المسلمين العزل طوال الأيام الأخيرة؟
الأستاذ نورمفيدي: يقيناً، تشتمل الأحداث والوقائع الجارية في فلسطين هذه الأيام على زوايا معرفية واستدلالية بالغة الأهمية. فالشعب الفلسطيني الذي هُجّر قسراً من موطنه ودياره قبل قرابة خمسة وسبعين عاماً وغُصبت أراضيه ونُفي من بلاده، يملك حقاً مشروعاً ومكفولاً للجهاد والنضال لأجل العودة لوطنه وديار آبائه. ويقرر القرآن الكريم هذا الحق صراحة بقوله تعالى:
«وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ» [1]
فواجب إخراج اللصوص الغاصبين يقع بالأساس على عاتق من غُصبت ديارهم وممتلكاتهم بمقتضى صريح القرآن العظيم. وبناءً على هذا الأساس، فإن كافة المساعي والتضحيات التي بذلها ويبذلها الشعب الفلسطيني الأبي لضمان عودة اللاجئين وتطهير الأراضي المغصوبة هي جهود وممارسات مشروعة ومبررة تماماً في ميزان الشريعة.
ومن جهة أخرى، فإن حجم الجور والظلم الفادح والمظلومية الطويلة الأمد التي واجهها ويواجهها الشعب الفلسطيني تمنحهم الحق الشرعي في الصمود والمقاومة ومقاتلة الظالمين؛ استناداً لقوله تعالى:
«أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ» [2]
فحين يتعرض شعب وأمة لهذا الحيف والاضطهاد والظلم، يصبح الصمود والمقاومة ومكافحة هذا الجور واجباً وتكليفاً شرعياً في حقهم.
وهذا مبدأ إنساني وفطري يقر به المسلم وغير المسلم؛ فكل مظلوم يملك حق المقاومة والصمود ودفع الظلم عن نفسه. واليوم، يتفق العالم على وصف قطاع غزة بأنه “أكبر سجن مفتوح في العالم”؛ بقعة شحيحة المساحة لا تتجاوز 400 كيلومتر مربع، يقطنها ملايين البشر المحرومين من أبسط مقومات السيادة والاختيار، محاصرين بالكامل ومغلقة في وجوههم سبل الحياة؛ ومقتضى الفطرة الإنسانية يمنحهم الحق الكامل لمقاومة هذا السجن والخروج من وطأة هذا الظلم والوقوف بوجه الغاصبين وبذل ما يمكن لتحرير أنفسهم. وهذا الالتزام يندرج يقيناً تحت باب “الدفاع” المشروع الذي يقر الشرع أحكامه وضماناته.
وقد قسّم فقهاؤنا الأفاضل في مصنفاتهم الجهاد إلى أقسام، وجعلوا “الجهاد الدفاعي” واحداً من أهم هذه الأقسام؛ حيث يذهب صاحب الجواهر وكاشف الغطاء (قدس سرهما) إلى وجوب الجهاد لدفع تجاوز المعتدين الكفار وصيانة نفوس المسلمين، وأعراضهم، وحياض بلدانهم من سلطتهم وغطرستهم؛ مؤكدين وجوب دفع الكفار إذا ما تغلغلوا في دار الإسلام وغصبوا شبراً منها لإخراجهم وتطهير بلاد المسلمين من دنسهم. وبناءً على هذا، تكتسب تضحيات الشعب الفلسطيني مشروعيتها الكاملة للدفاع عن أنفسهم.
ويُضاف إلى ذلك، اقتضاء “قاعدة نفي السبيل” الفقهية بوجوب إغلاق ومنع كافة السبل والمنافذ التي تؤدي لهيمنة الكفار وتسلطهم على المسلمين بأي نحو كان. حيث يقرر القرآن الكريم هذا المبدأ صراحة بالقول:
«وَلَن يَجْعَلَ اللَّهَ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا» [3]
وعمومية هذه الآية الشريفة تقتضي السعي الحثيث لنفي كافة صور السبيل والتسلط والتبعية، ووجوب وقوف المسلمين بوجهها، وهي مسألة شرعية بالغة المحورية والأهمية في فقه السياسة الإسلامية المعاصرة.
مسؤولية الأمة الإسلامية وخطورة التطبيع مع الغاصبين
السؤال: ما هي المسؤولية والواجبات الملقاة على عاتق المسلمين، لا سيما العلماء والنخب والأكاديميين في العالم الإسلامي حيال هذا الملف؟
الأستاذ نورمفيدي: أود توجيه خطابي للأمة الإسلامية قاطبة وللشباب الغيارى في بلداننا الإسلامية؛ لقد شهدنا خروجاً طوفانياً وغضباً مقدساً لشعوب المنطقة الإسلامية للتنديد بجرائم الكيان الغاصب؛ حيث لاحق هذا الغضب الصالح جحافل القتلة والمجرمين. ومما لا شك فيه أنه إذا ما تعززت عرى التلاحم والوحدة الإسلامية، وصينت إرادة المقاومة والصمود، وتظافرت طاقات وإمكانات المسلمين كافة، فلن يقوى هذا الكيان الكرتوني الواهب بجهالته على إحراز أي تقدم أو مواجهة هذه العزائم الفولاذية للأمة. واليوم، يتوجب على المسلمين كافة رص الصفوف ووضع أيديهم في أيدي بعض، ليسهم كل فرد بمسؤوليته وتكليفه في هذا السبيل الشريف.
فمن يقوى على الحضور والمشاركة الميدانية فبها ونعمت، ومن عجز عن ذلك فببذل ماله ونفسه، ومن حُرم من كلا الخيارين فبلسانه، وقلمه، وبيانه، وتوظيف فكره العلمي لنصرة هذا الشعب المظلوم ونصرة الإسلام، ليكون مأجوراً ومثاباً عند الله سبحانه يقيناً. إن توجيه الإمام الخمینی (ره) التاريخي لا يزال يصدح معلماً وملهماً؛ إذ كان يرى: “أنه لا يوجد واجب وتكليف أسمى وأهم في حق المسلمين من بذل أنفسهم وأموالهم حين يشاهدون دماء إخوانهم وأخواتهم الأبرياء تُسفك في أرض فلسطين المقدسة، وتتعرض بلادهم للتدمير والخراب على يد الصهاينة المجرمين؛ ففي هذه الظروف لا خيار أمام الأمة سوى مواصلة الجهاد المقدس بالجان والمال”.
وقد واظب سماحة قائد الثورة الإسلامية المعظم طوال عقود قيادته على حمل لواء جبهة المقاومة وترسيخ ركائزها الفكرية والعقائدية؛ واليوم أثبتت وقائع الميدان وتطورات الأحداث صوابية هذا النهج وعلمية هذه المقاربة بوصفها الخيار الأنجع والأوحد لمواجهة هذا الكيان السفاح الغاصب. فمع كيان يصف الشعب الفلسطيني المسلم بالحيوانات ويتبجح بمجازره الوحشية ويرى وجوب تقتيل الأطفال والرضع، هل يبقى أي مسار أو مبرر عقلي لطرح خيار “المفاوضات” مع قادته وسفاحيه؟
إن الكيان الغاصب يمر اليوم بأسوأ عهود ضعفه وهشاشته التاريخية، وباتت ملامح قابليته للانكسار والانهيار واضحة وجلية أمام أنظار العالم؛ فبالرغم من ترسانته العسكرية المتطورة ودعمه التكنولوجي والاستخباراتي الغربي الفذ، تهاوت هيبته وبان ضعفه أمام ضربات المقاومة. واليوم، إذا تكاتفت الأمة الإسلامية وتلاحمت قواها بصدق وموضوعية وصمدت بوجه غطرستهم، فسيتحقق النصر والفتح يقيناً، وستتخلص فلسطين الأبية والقبلة الأولى للمسلمين من دنس الاحتلال، وهو وعد إلهي نؤمن بتحققه يقيناً ونرى فيه رضا ومبعث سرور لقلب صاحب العصر والزمان (عج) وأرواح الأنبياء والشهداء الأبرار.
وإنني من هذا المنبر العلمي، أذكر سران الدول والحكومات الإسلامية بالتعليم والتحذير القرآني البليغ الوارد في قوله تبارك وتعالى:
«وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ» [4]
فالركون والاعتماد على الظلمة وسلك مسالك التبعية والتطبيع وإقامة العلاقات الودية مع هذا الكيان السفاح الأسود السوابق، لن يعود على هذه الدول والحكومات بغير الخسران المبين في الدنيا والآخرة، وسيجلب عليها سخط شعوبها وغضب الجماهير، وسينتهي بها المطاف في عذاب اليم غداً بين يدي الديان. وليعلم هؤلاء المهرولون للتطبيع أن أطماع هذا الكيان الصهيوني الرامية للتمدد “من النيل إلى الفرات” ستلاحق عروشهم يوماً وتغرقهم في بحر غطرستها؛ فليحذروا عاقبة غضب الله وسخط الأمة قبل فوات الأوان.
-
[1]. سورة البقرة، الآية 191.
-
[2]. سورة الحج، الآية 39.
-
[3]. سورة النساء، الآية 141.
-
[4]. سورة هود، الآية 113.