The news is by your side.

الفقهيات المعاصرة تنطوي على مسائل جديدة لكنها لا تملك أدلة مستجدة خارج الأصول التقليدية

آية الله السيد مجتبى نورمفيدي في حوار مع صحيفة “فقه معاصر”: الفقهيات المعاصرة تنطوي على مسائل جديدة لكنها لا تملك أدلة مستجدة خارج الأصول التقليدية

إن أدلة الفقه الجواهري التقليدي الموروث تملك طاقة وقدرة استدلالية عالية جداً لحسم كافة المسائل المستحدثة والجديدة، ولا حاجة لابتكار أدلة غريبة عن أصول الاستنباط.صيانة الدين والورع والتقوى العلمية للفقيه هي الدافع وراء الاحتياطات الفقهية، ولا صحة لإرجاع قلة تمسك الفقهاء ببعض الأدلة اللبية إلى هيمنة الفكر الأخباري.

يشتمل الفقه المعاصر يقيناً على مسائل وقضايا مستجدة؛ غير أن التساؤل المثار يكمن في: هل تفي أدلة الفقه الجواهري التقليدي بعلاج هذه المسائل وحسمها، أم يتحتم إضافة أدلة وقواعد جديدة إلى جهاز الاستنباط الفقهي الشيعي، أو على الأقل تفعيل الاستخدام الأقصى لبعض الأدلة السابقة؟ ويذهب البعض هنا إلى أن وجود بعض الافتراضات المسبقة لدى الفقهاء يحول دون تمسكهم بأدلة من قبيل: السير العقلائية المستحدثة، وحكم العقل، ومقاصد الشريعة.

غير أن رئيس معهد أبحاث الفقه المعاصر، آية الله السيد مجتبى نورمفيدي، ينكر من الأساس وجود أدلة جديدة أو مستجدة في الفقه المعاصر؛ كما يرفض القول بأن عدم الاستخدام الأقصى من قِبل الفقهاء لتلك الأدلة ينبع من افتراض مسبق غير مناسب لديهم. ويرى سماحته أن ذات الأدلة والشرائع التقليدية التي طالما اعتمدها الفقهاء لعلاج المسائل الفقهية، تملك طاقة وقدرة استدلالية عالية جداً لحسم كافة المسائل المستحدثة والجديدة.

وفيما يلي النص الكامل للحوار مع أستاذ درس خارج الفقه والأصول بالحوزة العلمية في قم المقدسة:


زيف اصطلاح “الأدلة المستجدة” وبقاء ركائز الاستنباط

صحيفة فقه معاصر: لماذا يقل اعتماد غالبية الفقهاء في استدلالاتهم الفقهية على بعض الأدلة الموصوفة بأنها “مستجدة”؛ كالسيرة العقلائية المعاصرة، ومخرجات العلوم الحديثة، وحكم العقل، ومقاصد الشريعة؟

الأستاذ نورمفيدي: أنا لا أوافق على إطلاق مصطلح “الأدلة المستجدة أو الحديثة”؛ لكون هذا التعبير يكتنفه الغموض والنقص. فالأمثلة التي تفضلتم بذكرها -كالسير العقلائية ومقاصد الشريعة- تعود بالتحليل العلمي إلى الأدلة الثلاثة أو الأربعة التقليدية المعتمدة. فالبحث في حجية السير العقلائية المستحدثة (المعاصرة) هو عينه المبحث والضوابط التي قررها الأصوليون للسيرة العقلائية منذ القدم؛ والاختلاف في مساحة دلالة الأدلة كان قائماً بشكل أو بآخر في تاريخ الفقه؛ ومن هنا لا أوافق على تعبير “الأدلة المستجدة”. كما أن مقاصد الشريعة، أو أهدافها، أو مذاق الشارع والمتشرعة، كلها تعود بالتحليل إلى الكتاب والسنة الشريفة؛ وحكم العقل كان حاضراً وبقوة في تاريخ الاستنباط الفقهي.

وبناءً على هذا، فإن اصطلاح “الأدلة المستجدة” غير صحيح علمياً؛ فنحن نواجه يقيناً “مسائل وموضوعات مستجدة”، ولكن الأدلة المعتمدة لعلاجها هي ذات الأدلة والشرائع السابقة الموروثة. وحتى تعبير البعض في بعض الكلمات بجعل “الحاكم والحكومة الإسلامية” مصدراً جديداً للفقه هو قول غير دقيق؛ لكون سلطة الحاكم لا تقع في عرض المصادر التشريعية الأصيلة.

الميتافيرس والمعاملات الائتمانية المعاصرة في ميزان الدلالة اللفظية

صحيفة فقه معاصر: حين نرصد منهجية ورود الفقهاء لعلاج تحديات معاصرة كالميتافيرس، والشخصية الاعتبارية، والمعاملات الائتمانية كـ (الفاينانس) والعملات الرقمية المشفرة؛ نلاحظ مسارعتهم للتمسك بالأدلة اللفظية مثل قوله تعالى: «وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» بدلاً من دراسة السير العقلائية المعاصرة أو مقاصد الشريعة، وربما يكتفون بالإشارة العابرة للسيرة في نهاية المطاف.

الأستاذ نورمفيدي: ثمة بحثان وتمايزان هنا تجب مراعاتهما: فالتركيز والاهتمام ببعض الأدلة وتفعيلها يمثل مسألة، ومحاولة خلق وابتكار أدلة جديدة يمثل مسألة أخرى تماماً، ويجب عدم الخلط بينهما. وأنا أقر بأن جل جهود الفقهاء تتوجه عادةً نحو العمومات والإطلاقات والأدلة اللفظية؛ غير أنه يتعين الالتفات إلى أن الرجوع للإطلاقات والعمومات ينطلق من منظورين: تارة يتسم بالجمود اللفظي، وتارة يمثل استخداماً مناسباً وفي موضعه الصائب للأدلة.

فعلى سبيل المثال، تمسك الإمام الخميني (قدس سره) بهذه الإطلاقات والعمومات اللفظية -كعموم شمول قوله تعالى «وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ» وحديث «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ» للمسائل المستجدة- ووظفها توظيفاً علمياً رائعاً لحسم الكثير من التحديات. والفقهاء الذين يرفضون هذا الشمول والتمسك بالإطلاق في بعض الموارد لا ينطلقون من الجمود الفكري، بل لعدم إحرازهم كون النص اللفظي صائغاً وفي مقام البيان لتمام الأفراد المستجدة؛ ومن هنا فإن نفس التمسك بالإطلاقات والعمومات اللفظية ينطوي على طاقة وقدرة استدلالية هائلة لحل وعلاج المسائل المستحدثة. بل إن المصلحة، والعناوين الثانوية، وتنقيح المناط، وإلغاء الخصوصية يندرج الكثير منها في واقع الأمر ضمن شؤون وأبعاد الدلالة اللفظية للنص.

وأما ما يتعلق بـ “العقل” و”السيرة العقلائية”، فنعم، ثمة خلاف فقهي وأصولي في مساحة وسعة حجيتهما؛ ولكن لو تصفحنا كتاباً كـ “جواهر الكلام” للمرحوم صاحب الجواهر بوصفه الرمز الأبرز والأعظم للمصنفات الفقهية التراثية والتقليدية في الحوزة، لوجدنا تمسكاً بليغاً ومكرراً بالسير العقلائية في موارد لا حصر لها، وهو ما يبدد تماماً تهمة إهمال الفقهاء للسيرة العقلائية في عملية الاستنباط.

وصحيح أن النتيجة الإفتائية الختامية قد تصطبغ ببعض الاحتياطات الفقهية في بعض الموارد، غير أن عملية الاستنباط وجهازها العلمي ينطويان على حيوية ونظام دقيق، والفقهاء يستنبطون الأحكام بناءً على هذه الأدلة في واقع الأمر.

تفنيد دعوى هيمنة ترسبات الفكر الأخباري على الفقه المعاصر

صحيفة فقه معاصر: هل يمكن إرجاع كثرة تمسك الفقهاء بالنصوص والأدلة اللفظية على حساب الأدلة اللبية إلى ترسبات الفكر الأخباري والجمود على النص لديهم؟ وما هو الحل لعلاج هذا التحدي؟

الأستاذ نورمفيدي: كلا؛ فصحيح أن نشوء الحركة الأخبارية واتساع رقعتها قد ترك بعض الآثار والتأثيرات في حقل الفقه والأحكام والعلوم المرتبطة به وهو أمر لا يمكن إنكاره؛ ولكن ربط هذه المسألة بالفكر الأخباري وجعلها معلولة له بالكامل هو تحليل غير دقيق وعارٍ عن الصواب. ويجب النظر إلى واقع الأمور بوضوح وعلمية؛ فهذه الترسبات إن وُجدت فإن تأثيرها محدود وضئيل جداً.

فعلى سبيل المثال، يقل استدلال الفقهاء بالآيات القرآنية الشريفة في بحوثهم الفقهية، وهو أمر قد يفسره البعض بكونه ترسباً للفكر الأخباري؛ ولكن الواقع يؤكد وجود عوامل موضوعية وعلمية متعددة وراء قلة هذا التمسك بالآيات؛ ومنها وفرة وغنى المصدر الروائي والأحاديث الشريفة للعترة الطاهرة (عليهم السلام) مما يقلل دافع الرجوع المباشر للآيات لتكفل الروايات ببيانها وتوضيحها؛ فضلاً عن أننا نستنبط من الروايات والنصوص الشريفة قواعد عامة وأصولاً عملية تكتسب فاعلية كبرى وأثراً حاسماً في تسهيل عملية الاستنباط الفقهي للشرائع.

وأما الاستعانة بدليل العقل فهي قائمة ومستمرة في كلمات الفقهاء؛ ولكن علة قلة مصاديق التمسك بحكم العقل تعود بالأساس إلى أن الفقهاء يشترطون حجية “الأحكام العقلية القطعية واليقينية” في الاستنباط؛ ويبدو أنه خارج نطاق مسألة “التحسين والتقبيح العقليين” لا نملك مصداقاً يقينياً وقطعياً لحكم العقل المحض بغير واسطة الشرع.

وبناءً على هذا، فإن انصراف الفقهاء عن التمسك ببعض الأدلة في بعض الموارد لا ينبع من افتراضات مسبقة سيئة، بل لـ “قصور ذاتي” يعتري دلالة تلك الأدلة نفسها في كشف الحكم الشرعی اليقيني؛ تزامناً مع الغنى الفذ لمصادرنا النصية والروائية التي وفرت المخرج الشرعي الصائب. ويُضاف إلى ذلك تخوف وحذر بعض الفقهاء من الانزلاق نحو “العقلانية المفرطة” والوقوع في هاوية تدمير معالم الدين وهدم أحكامه وتسييل الشريعة، وهو تخوف علمي موضوعي وجدير بالتأمل والنظر. وثمة معطى آخر يكمن في أن فقهنا كان يتصف بالصبغة الفردية طوال التاريخ لعدم استقرار السلطة والحكم في يد أتباع مذهب أهل البيت (ع)؛ ومن هنا تكتسب الحاجة والضرورات التي تدفع الفقيه للتمسك بأدلة وقواعد أخرى أهمية أقل مقارنة بعصر تولي السلطة وإدارة شؤون الحكم المعقدة. وخلاصة القول، إن الفكر الأخباري قد يكون له دور ضئيل جداً في الجمود على النص اللفظي، ولكنه لا يمثل العلة التامة والأوحد لهذه الظاهرة مطلقاً.

دافع الورع والتقوى العلمية في الاحتياط الفقهي

صحيفة فقه معاصر: إن الحالات النفسية للفقيه ومخاوفه المترتبة على الافتقار للشجاعة تفرز تداعيات واضحة كالتخوف من تسييل الدين أو الوقوع في العقلانية المفرطة؛ ألا تُعد هذه المخاوف من ترسبات الفكر الأخباري والجمود؟

الأستاذ نورمفيدي: إن هذه المخاوف والاحتياطات قائمة وموجودة يقيناً؛ ولكنها لا ترتبط بالفكر الأخباري بأي صلة؛ بل تنبع بالأساس من “القدسية والورع والتقوى العلمية” للفقيه؛ وحرصه الشديد وأمانته لكيلا يفتي بغير ما أنزل الله تعالى، وتجنب تفسير الأحكام وتسييرها بناءً على ذوقه الشخصي وهواه، وهو التزام أخلاقي رفيع يدفعه نحو جادة “الاحتياط الشرعي”. ففي نهاية المطاف، تصبح هذه الفتوى قانوناً ملزماً يعمل به عامة المكلفين، ولا يسوغ للفقيه التساهل في صياغتها وإصدارها بغير تثبت تام.

وصحيح أن مبالغة بعض الفقهاء في الاحتياط قد تعيق تنظيم الشؤون وتؤدي لاختلال النظام الاجتماعي للبلاد لو طُبقت بالكامل، ولكن دافع هذا الاحتياط يظل هو الورع والتقوى لا الأفكار الأخبارية المرفوضة حوزوياً.

أثر الدرس الأصولي وبحوث الأدلة اللبية

صحيفة فقه معاصر: يبدو أن تأثير الأفكار الأخبارية على علمي الفقه والأصول يتجاوز المساحة المحدودة التي تفضلتم بذكرها؛ إذ لو تصفحنا “المقاصد الثمانية لكفاية الأصول” للآخوند الخراساني، لوجدنا أن جلها مباحث لفظية تدور حول فهم الروايات والنصوص اللفظية. وفي مباحث الحجج والأمارات، خُصص جزء ضئيل جداً لبحث العقل والسيرة العقلائية، بينما تتوجه البحوث بأكملها لتدعيم حجية خبر الواحد اللفظي. وفي الأصول العملية، يرتكز الاهتمام على الأدلة اللفظية الحاكمة على هذه الأصول. وحتى في التعادل والتراجيح، تنصب البحوث على علاج تعارض الأدلة اللفظية؛ ألا يبرهن هذا الضمور الواضح لمباحث الأدلة اللبية في علم الأصول على هيمنة وترسبات الفكر الأخباري؟

الأستاذ نورمفيدي: في تقديري، إن البحث والتنقيب التاريخي عن جذور هذه الظاهرة وأسبابها ليس بالأمر الحاسم والضروري علمياً؛ بل إن المهم والضروري هو معرفة التداعيات السلبية والمضار المترتبة على هذا الواقع الراهن والوقوف على السبل الكفيلة بعلاجها وإصلاحها؛ فما الذي يترتب على الخوض في تشخيص الأسباب التاريخية؟

صحيفة فقه معاصر: حين تنظرون للأثر الأخباري بوصفه تأثيراً ضئيلاً ومحدوداً، فسيتشكل لديكم تصور يقضي بعدم الحاجة لعلاجه، ومن ثم لن تبادروا لوضع الحلول التأسيسية لعلاج هذا التحدي الحوزوي.

الأستاذ نورمفيدي: إذا سلمنا بوجود هذا التحدي في الجملة -سواء أكان معلولاً لترسبات الفكر الأخباري، أم نتاجاً للاحتياطات الفردية والتقوى الشخصية للفقيه، أم ناجماً عن نوع الرؤية الكونية والمنظور الفكري لديه- فيتحتم علينا في كل الأحوال التفكير والعمل بجدية لعلاجه؛ ولكن الإصرار والوقوف الطويل عند تشخيص السبب التاريخي لا أراه مفيداً أو نافعاً في تسيير الشؤون العلمية للحوزة.

ضرورة صياغة مقاربات استدلالية رصينة

صحيفة فقه معاصر: كأنكم تتجنبون حسم الموقف بوضوح؛ فهل هذه المعضلة قائمة وموجودة في الحوزة أم لا؟ وإذا كانت قائمة، فما الذي يجب فعله لعلاجها؟ تفضلوا بإيضاح الموقف بوضوح.

الأستاذ نورمفيدي: إن تساؤلاتكم تنطوي على نوع من الانحياز والافتراضات المسبقة الخاصة بكم؛ في حين أن بعض هذه الافتراضات -كوجود أدلة وقواعد مستجدة في جهاز الاستنباط الفقهي- هو طرح غير دقيق ومرفوض علمياً. ولكن بصفة عامة، أنا أوافق على وجوب مراجعة وإعادة قراءة جهاز الاستنباط الفقهي لدينا وتقوية بعض جوانبه وأبعاده؛ فإذا كنا نواجه مسائل مستجدة في حقل العبادات مثلاً، فيتعين علينا حتماً الرجوع للنصوص الشرعية والالتزام بضوابطها، مع إمكانية استخدام آليات إلغاء الخصوصية وتنقيح المناط المعتبرة علمياً. وفي حقل المعاملات أيضاً، يتعين تركيز الاستدلال على النصوص الشرعية؛ سواء الروائية منها أم القرآنية.

وتأملوا معي في منهجية الشيخ الأنصاري في “المكاسب” كيف يحشد النصوص والمباحث الروائية في استدلالاته الفقهية؛ وصحيح أنه يتعين علينا تقوية وتفعيل الاستدلال بالآيات القرآنية الشريفة وجعلها في مركز وجوهر عملية الاستنباط الفقهي للأحكام، ولكن الادعاء بأن الفقهاء قد حصروا استدلالهم في النصوص اللفظية وتجاهلوا بقية الأدلة هو ادعاء غير صحيح علمياً؛ بل كان الفقهاء يملكون وعياً واهتماماً بالغاً ببقية الأدلة اللبية والعقلية في مواضعها الصحيحة.

فقه المعاملات ودور العلوم الحديثة في كشف وتنقيح الموضوعات

صحيفة فقه معاصر: هل يمكن إرجاع قلة اعتماد الفقهاء على مخرجات العلوم الحديثة في استنباطاتهم الفقهية إلى استشعارهم عُلُوّ ومكانة الفقه وتفوقه على بقية العلوم الأخرى؟

الأستاذ نورمفيدي: إن شرف ونبل وعلو أي علم يرتكز بالأساس على شرف موضوعه ونبل غايته ومنتهاه. وبطبيعة الحال، فإن العلوم الإلهية والمعرفية التي تتكفل بهداية البشر وتأمين غاياتهم الخالدة وسعادتهم الأبدية تملك نُبلاً وشرفاً ذاتياً يتفوق على العلوم الأخرى؛ وحين يكون موضوع العلم هو الإنسان وحقيقته الوجودية وتلبية احتياجاته الكبرى والأصلية، ويهدف لإرشاده وتعبيد طريقه للوصول إلى الغاية الأسمى للخلق، فإنه يتصف بالسمو والشرف يقيناً؛ وهذا شأن العلوم الإلهية قاطبة؛ ولست هنا في مقام المفاضلة وتصنيف العلوم ومقاماتها.

وبطبيعة الحال، ثمة علوم طبيعية وتجريبية تكتسب أهمية بالغة وفائدة كبرى في علم الفقه؛ فعلى سبيل المثال، يطرح السيد محمد الصدر (قدس سره) العديد من العلوم الطبيعية كالفيزياء والكيمياء بوصفها من العلوم التمهيدية والمقدمات اللازمة لعملية الاجتهاد وتحديث أدواته؛ كما أن لعلوم كعلم الطب والطب التجريبي دوراً حاسماً وراهناً جداً في تنقيب وتحديد موضوعات الأحكام الفقهية لا سيما في الفقه الطبي المستحدث.

أما في العلوم الإنسانية وغير الطبيعية التي تبحث في رؤية الإنسان وسلوكه الفردي والاجتماعي، فيتحتم دراسة وتبيين كيفية ارتباط هذه العلوم بعلم الفقه. وتجدر الإشارة إلى أن هذا الارتباط يتجاوز مسألة “تحديد وتنقيح الموضوع” المعتادة ويستدعي عملاً وبحثاً جاداً؛ لكون “كشف وتحديد الموضوع” يختلف تماماً عن “تنقيب وتحقيق موضوع الحكم فقهياً”.

فعلوم كعلم الاقتصاد، أو علم الاجتماع، أو العلوم السياسية في قوالبها المعاصرة والحديثة، تُمثّل معامل ومصادر تولد وتنتج أعداداً هائلة من الموضوعات المستجدة والمسائل المستحدثة التي يتعين دراستها فقهياً وعلاجها وتحديد حكم الشريعة وموقفها التكليفي حيالها بوضوح وعلمية. ومثلاً، يُعد علم “فلسفة العلم” واحداً من العلوم الحديثة التي بُحثت مضامينها في الفقه والأصول سابقاً ولكن بغير هذا العنوان والتبويب الأكاديمي المعاصر؛ كما أن علم المناهج ومناهج البحث العلمي يكتسب أهمية وفائدة بالغة لعلم الفقه وأدواته الاستنباطية؛ فالعلوم الإنسانية تمد الفقه بالعديد من الأدوات والمنطلقات التخصصية الهامة.